من "التجميع" إلى
حرب التحرير..
طالبان تعود بقوة إلى
ساحة المواجهة
بقلم : علي عبدالعال
aly_abdelal@yahoo.com
بدأ الكثير من المحللين والمتابعين للشأن الأفغاني،
يستبعدون تماماً إمكانية القبول بفرضية قرب إنتهاء
الحرب الدائرة في أفغانستان، بين قوات الاحتلال الغربية والقوات الحكومية الموالية
لها، من جهة، والمقاومة الوطنية من جهة أخرى، لصالح الأولى، بل لعل قناعات أخرى باتت
هى الأقرب والأقوى على أرض الواقع، نظراً لكون المقاومة
المسلحة التي تضطلع بها حركة "طالبان" لم
يسبق وأن كانت قوية ــ على جميع الأصعدة ــ مثلما هي عليه الآن، وهو ما تؤكده
التقارير الإخبارية المستقلة الواردة من أفغانستان، وغير المنحازة سواء للاحتلال
أو للحركة الإسلامية.
وبشهادة التاريخ الإنساني، فلا يمكن استئصال حركة تحرير
وطنية، تتبنى إخراج القوات الأجنبية الغازية من أراضيها، بقوة السلاح، مهما أوتيت
تلك القوات من وسائل القمع، ولا يزيد ذلك المقاومة المسلحة إلا تعاطفًا وقوة
وقبولاً لدى السواد الأعظم من أبناء الشعب، مهما مورست ضدهم من وسائل التضليل.
ولعل في العودة القوية لحركة "طالبان" على
الساحة الأفغانية، ما دفع حلف شمال الأطلنطي "الناتو" إلى السعي لزيادة
عدد قواته هناك، بنحو ستة آلاف جندي. وكانت صحيفة "التايمز" البريطانية
قد ذكرت أن طالبان حذرت قوات (الاحتلال) البريطانية التي وصلت إلى أفغانستان، من
أنها ستحول البلاد عليها إلى نهر من الدماء. وكان ذلك عاملاً رئيساً وراء تصاعد
حدة هجمات الطالبان في الآونة الأخيرة، حيث ترغب الحركة في إرسال رسالة قوية إلى
قوات "الناتو" القادمة إلى البلاد، والضغط ــ في الوقت ذاته ــ على
شعوبها في سبيل إخراجها.
وقد أشار قائد القوات الفرنسية في أفغانستان، إلى أن "طالبان"
بدأت في تنويع أساليب هجماتها، مشيرًا إلى أنهم في البداية ركزوا على العمليات
الفدائية والعبوات الناسفة، غير أنهم في الأسابيع الأخيرة بدأوا
في شن الهجمات بأعداد كبيرة. وبذلك انتقلت الحركة من الهجمات ذات الطابع الفردي
إلى الهجمات بأعداد كبيرة من المقاتلين، وهو ما يعيد إلى الأذهان المعارك الكبرى
التي شهدتها أفغانستان مع بداية الغزو مثل معارك (شاهي
كوت) و(تورا بورا) وغيرها. ويشير المراقبون إلى أن دخول
"الطالبان" مرحلة المعارك الكبرى، معناه أن الحركة تعد لمعركة التحرير،
عبر زيادة أعداد مقاتليها، والذين باتوا يقاربون ثلاثة أضعاف أعداد الشرطة والجيش
الأفغاني في بعض المناطق.
ومن جهته، قال الأميرال (كزافييه
مانيى) قائد المجموعة البحرية الفرنسية، المساندة لقوات
الاحتلال في أفغانستان : إن طالبان أصبحت أكثر إقداماً منذ بضعة أسابيع، مضيفاً
لقد أدرك عناصر طالبان أن الوقت يعمل لصالحهم، وهم يحضرون لمواجهة قوات التحالف (الاحتلال)
بحرب استنزاف.
ولعل الموازين التي تحولت ــ قريباً ــ لصالح المقاومة
الوطنية الإسلامية، في أفغانستان، ضد الاحتلال الغربي بكافة أطيافه، تبدو جلية في
رد أحد القادة العسكريين لحركة "طالبان" (الملا داد
الله) على مراسل قناة "الجزيرة" بشأن الفرق بين العمل العسكري للحركة
بين عامي 2005 وعام 2006، حيث يشير (داد الله) ــ بعد
يومين من مزاعم الاحتلال باعتقاله ــ إلى أن : "هناك تغيرات كثيرة حدثت هذا
العام، مقارنة بالعام الماضي.. ففي العام الماضي كان المجاهدون يلجئون إلى الجبال
بعد أن ينفذوا عملياتهم، أما في العام الجاري فهناك مدن كبيرة تحت سيطرتنا، وهناك
ممثلو طالبان يديرون شؤون الحياة الاجتماعية للناس، وقد عينوا مسئولين لهم بأماكن
عدة من المديريات، وهناك محاكم وقضايا، وهم يبتون في القضايا التي ترد إليهم".
وقال (داد الله) : نسيطر على
أكثر من عشرين منطقة في (أوروزغان) و(هلمند) و(زابل) و(قندهار)، لدينا 12 ألف عنصر في طالبان مسلحون يقاتلون في هذه
المناطق.
و(داد الله) هذا هو قائد الطالبان
في مناطق الجنوب، ويتسلح رجاله بالمدافع الرشاشة الثقيلة من طراز AK-47 وحتى قاذفات الصواريخ، فضلاً عن استخدامهم للألغام
الأرضية، وفي الفترات الأخيرة أصبح العاملون تحت أمرته يصنعون قنابلهم بأنفسهم،
حسبما يؤكد المراقبون.
* مؤشرات قوية لعودة الطالبان :
شهدت الأشهر الماضية عدداً من المؤشرات الهامة، تعكس
سعياً حثيثا من جانب الحركة الإسلامية السنية المقاتلة في أفغانستان، لتنظيم
صفوفها وتوحيدها، وتشكيل تحالفات سياسية وعسكرية، وبناء قدرات تنظيمية وقتالية،
وتشكيل واجهة إعلامية في مواجهة الاحتلال الأجنبي وأعوانه في البلاد، منها :
1ـ تزايد العمليات العسكرية النوعية الناجحة في البر
والجو:
حيث صعدت الحركة من عملياتها العسكرية ضد كل من الحكومة
الأفغانية الموالية، والقوات الأوروأمريكية. وحسب
مراقبين للتطورات العسكرية على الأرض، فإن المقاومة الأفغانية بقيادة حركة "طالبان"
استطاعت في الآونة الأخيرة، تحقيق نقلة نوعية في عملياتها، ضد هذه القوات مجتمعة.
ومن المشاهد ــ عبر ما تنقله وسائل الإعلام العربية
والعالمية ــ أن الحركة استطاعت تنفيذ عدد من العمليات ضد أهداف أرضية ثابتة،
كالقواعد العسكرية في باجرام، وأهداف متنقلة كدوريات
قوات الاحتلال، وأهداف جوية كطائرات الهليكوبتر الأمريكية، واستطاعت أن توقع خسائر
فادحة في صفوف العدو، كان أكبرها إسقاط الطائرة المروحية الأسبانية وقتل الجنود
الـ17 الموجودين على متنها. وهي العملية التي تبعها
إسقاط عدد كبير من المروحيات الأمريكية، وهو ما لم تستطع القيادة الأمريكية إنكاره.
وتكشفت تلك العمليات ـ بحسب المراقبين ـ عن بعض التحولات
المهمة على الصعيد العسكري، تمثلت في انتقال مسرح العمليات من جنوب أفغانستان ـ
البيئة الأم للحركة وعناصرها ـ إلى شمال أفغانستان حيث تتركز قوات التحالف
الشمالي، وهي المنطقة المعروفة تقليدياً بضعف نفوذ وسيطرة الطالبان عليها.
وقد أخذ هذا التحول بُعداً تنظيمياً من خلال تعيين
طالبان قائداً عسكريا لولاية "فارياب" على
الحدود الأفغانية مع تركمانستان ـ الملا محمد عاصم متقي
ـ بالإضافة إلى نائبين آخرين له، بهدف تصعيد العمليات ضد قوات الشيوعي عبد الرشيد دوستم، مع التركيز في الجبهة الجنوبية على قوات الاحتلال
الأجنبية.
وكانت موجة من الهجمات شملت 14 تفجيراً هزت جنوب وشرق
أفغانستان ـ سجلت خلال الأشهر الأخيرة ـ وشهد إقليم "هلماند"
الجنوبي معارك شرسة بين القوات الحكومية ومقاتلي طالبان. حتى صرح حاكم ولاية "هلماند" بأنه كاد أن يقع في أسر عناصر الحركة، عندما
أحاط به 200 من مقاتليها بينما كان وسط حراسه البالغ عددهم 100 عنصراً، في أشرس
قتال تشهده المنطقة.
وتتوقع القوات الأجنبية الموجودة في البلاد المزيدَ من
العمليات العسكرية، خلال المرحلة القادمة، بالنظر إلى تصعيدِ الحركة من هجماتها. وكان
وزير الدفاع الأمريكي، دونالد رامسفيلد،
اعترف بأنَّ هجمات المقاتلين لا تزال مستمرة، كما أكد أنَّ الطلعات الجوية التي
تقوم بها القوات الأمريكية والأفغانية ضعيفة التأثير في
مواجهة المقاتلين، وقال في هذا السياق : "عندما لا يكون لديك قوات كبيرة
تتحرك على الأرض، أو لا تكون قوات العدو مركزة في تجمعات كبيرة، فإنَّ الغارات
الجوية تكون ضعيفة التأثير".
2ـ حصول الحركة على أسلحة متقدمة من جهات خارجية :
ويرجع المراقبون النقلة النوعية في عمليات طالبان
الهجومية، إلى حصول الحركة على أسلحة متطورة، وخاصة صواريخ (أرض- جو) ومعدّات أخرى
معقدة، وتقنية في غالبيتها روسية وصينية الصنع، الأمر الذي من شأنه أن يعطي
الطالبان أبعاد وقدرات إستراتيجية في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكية.
وأظهرت عمليات نفذتها الحركة مدى ما يتمتع به عناصرها، من قدرة على استخدام
صواريخ أرض جو، بينما أشارت مصادر إلى أن مقاتليها يمارسون تدريبات على أسلحة أكثر
تعقيداً. وترى المصادر أن صواريخ "سام" الروسية والصينية أصبحت متوفرة
وبأسعار زهيدة، وأن أفغانستان صارت سوق رئيسة لهذه الصواريخ، رغم وجود الاحتلال
بعدته وعتاده، وتزعم بعض المصادر أن كل عملية اختطاف في أفغانستان تنتهي بإطلاق
سراح رهينة، تحصل طالبان منها على شاحنتين محمّلتين بالأسلحة. الأمر الذي يعني
تأمين الحركة لمصادر التسلح، وتعدد هذه المصادر.
وتؤكد تقارير غربية وصول أسلحة جديدة إلى المقاومين من
عناصر الحركة، منها قنابل يتم التحكم فيها عن بُعد، وصواريخ أرض أرض، وقد أبدى جيش
الاحتلال الأمريكي تخوفه من حصول الطالبان على صواريخ (ستينغر)
المضادة للطائرات ــ وإن كان بشائر إمتلاك الحركة لها
موجود بالفعل ــ الأمر الذي سيشكل تهديدًا كبيراً لكل من القوات العسكرية
الأمريكية والطائرات المدنية في آن واحد، على حد قول العقيد جيمس يونتس من كابل.
ويؤكد المراقبون على أن الأسلحة المتوفرة لدى حركة "طالبان"
هي أسلحة متطورة نسبياً، وباهظة الثمن في الوقت نفسه، وهو ما أشار إليه شريط بثّته
قناة "العربية" وتضمن صوراً لمقاتلين عرب وأفغان وأجانب يتهيئون لقصف
مواقع أمريكية، ومزودين بأسلحة متطورة لا يمكن أن تكون متاحة بسهولة في أفغانستان.
وبدوره أكد "راديو هولندا" في تقرير له، أن طالبان تستخدم أنواعاً من
القنابل لم تكن تستخدم من قبل، وأنها تشبه تمامًا الأنواع المستخدمة في العراق. وذكر الراديو أن هذه الاستنتاجات هي بعض ما توصلت إليه (وحدة
الاستخبارات العسكرية والأمن الهولندية) العاملة في أفغانستان منذ عامين.
وفي تقرير الوحدة الهولندية السنوي لعام 2005 تم رصد
زيادة التفجيرات الاستشهادية التي كانت نادرة للغاية في أفغانستان، والتي تستخدم
نوعا من العبوات الناسفة المصنوعة يدوياً وبارتجال، وتُدعى اختصارًا IED، وتستخدم بالأساس في العراق.
ومن المرجح أن تظل طالبان في انتهاج هذا السبيل، حيث
مزيد من العمليات العسكرية التي تؤدى إلى نجاح الحركة في تحرير المزيد من مناطق
أفغانستان، وعزل قوات الاحتلال والحكومة الأفغانية في مراكز محدودة.
3 ـ تنامي التحالفات السياسية والعسكرية للحركة في
الداخل والخارج :
مع دخول قوات الاحتلال الأمريكية الأراضي الأفغانية تحول
زعيم (الحزب الإسلامي) قلب الدين حكمتيار في نوفمبر 2002م،
من أشرس خصوم حركة "طالبان" والعدو اللدود لوجودها، إلى حليفها الرئيس
في هذه المواجهة المصيرية مع الغزاة.
ويعد حكمتيار واحداً من أقوى
الزعماء الأفغان، وتأتي أهمية تحالفه مع الطالبان في ضوء القدرات المالية، والخبرة
العسكرية والعملياتية المهمة التي تتمتع بها قواته، والتي تكونت خلال فترة الجهاد الأفغاني ضد الغزو
السوفيتي، وكان حكمتيار من أبرز زعماء المجاهدين آنذاك.
وبقدر ما تتمتع به قوات حكمتيار
من تسلح جيد، فإن له قدرة كبيرة علي التأثير في الأغلبية السنية الباشتونية، فضلاً عن تمتعه بتأييد بعض العناصر الراديكالية
داخل الجيش الباكستاني. و"الباشتون" كبرى
قبائل أفغانستان وهي ممتدة إلى باكستان، ومن دلائل دعمها طالبان ما نراه واقعًا في
مناطق وزيرستان الباكستانية، والتي أضحت امتدادًا قويًا
للحركة هناك، ولعل ذلك بسبب تأييد القادة التاريخيين لهذه القبائل لحركة طالبان.
كما أن شخصية كحكمتيار وقبلها
(جلال الدين حقاني) ذات وزن شعبي كبير، من شأن تأييدهما أن يزيد من التفاف الشعب
الأفغاني حول الطالبان في المواجهة.
ورغم هيمنة حركة "طالبان" في المواجهة ضد
الغزاة، إلا أن مراقبين يشيرون أيضاً إلى دخول عناصر جديدة إلى ساحة المقاومة التي
لم تبق حكرًا فقط على الطالبان، وأن هناك عناصر مسلحة تتمتع بقدرة عالية في مقاومة
الاحتلال وعلى قيادة جيدة للمعركة؛ ذلك لأن الشعار الذي ترفعه شعار يروق للبعض من
الأفغان، وهو شعار مقاومة الاحتلال الخارجي فقط، من غير التعرض للجهات الأفغانية
المتعاونة معه، وأخذ الثأر للأبرياء الذين قُتلوا في القصف الأمريكي الوحشي على
المدن والقرى الأفغانية. وكان بيان قد نُشر في وسائل الإعلام لمجموعة سمّت نفسها "الجيش
السري للمجاهدين المسلمين" قالت إنها قامت بعدد كبير من العمليات ضد قوات
الاحتلال الأمريكية، وأنها غير منضوية لصفوف طالبان، وأن هدفها هو مقاومة الاحتلال
الخارجي، وأخذ الثأر للأفغان الأبرياء الذين قُتلوا بيد قوات الاحتلال الأمريكية.
4ـ القبول الشعبي للحركة داخلياً
في مقابل كراهية الاحتلال:
ونشير هنا إلى نجاح حركة "طالبان" في توفير إمتدادات وجذور قوية لها في البيئة الأفغانية والإقليمية
المحيطة بها، خاصة داخل الحدود الباكستانية والإيرانية
المجاورة.
في حين باتت إدارة الاحتلال الأمريكي، منشغلة بتحقيق
أهدافها الخاصة، وفضلاً عن فشلها في تحقيق مشاريع التنمية واستتباب الأمن، فإنها
انشغلت بأهداف تغريبية يرفضها المسلمون عامة والأفغانيون خاصة. فمدارس
البنات التي سعت إدارة الاحتلال لإنشائها في أفغانستان، تعرضت للعديد من الهجمات
المسلحة التي لم تكن "طالبان" تقف ورائها، ولكن ورائها أناس آخرين كرهوا
التدخل الأمريكي. كما أن الدعم الأمريكي والغربي
للأفغاني المتنصر، والعمل على تهريبه خارج البلاد، زاد من حنق الأفغان على الوجود
الأجنبي في بلادهم.
كما برزت حالات تذمر كبيرة داخل الشعب الأفغاني، ضد
العمليات العسكرية الأمريكية، بسبب الإصابات الكبيرة التي توقعها في صفوف
المدنيين، وهو ما دفع الرئيس الأفغاني "حامد كرزاي"
لأن يطلب من الأمريكيين وقف طلعاتهم الجوية، وحملات التفتيش في القرى، وذلك لتهدئة
المواطنين الأفغان. وبدا من تصريحات كرزاي أنه يهدف
لاستمالة الحركة لتهدئة عملياتها العسكرية، كما وضح أنه يأمل ـ من جانب آخر ـ في
أن تلقى مواقفه صدًى لدى أوساط عشيرته "البشتون".
فالغارات الجوية، التي تقوم بها قوات الاحتلال في
الجنوب والشرق، أثارت سخط المواطنين في هذا الإقليم الذي يعتبر من المعاقل
التقليدية لحركة "طالبان".
كما تثير عمليات التفتيش الواسعة التي تقوم بها القوات الأمريكية والأطلسية للمنازل ودخولهم إليها، بصورة
مفاجئة، وهتك حرمات البيوت، حفيظة الأفغان وغيظهم ضد القوات الأجنبية.
وليس أدل على تصاعد الغضب الشعبي في أفغانستان، من الإحتجاجات والإشتباكات العنيفة
التي عمت العاصمة كابول الاثنين 29ــ5ـــ2006م، بعد
ساعات من إقدام أفراد من جيش الاحتلال الأمريكي على إطلاق النار على متظاهرين عزل،
عقب حادث سير مما أدى إلى مقتل وجرح 20 شخصاً، ووصف شهود عيان ما قامت به القوات
الأمريكية بأنه مجزرة غير مبررة وجريمة تضاف إلى سجلها.
وقد تجمع المئات من المواطنين الأفغان بعيد الحادث وهم
يهتفون : "الموت لأمريكا"، و"الموت لكرزاي"،
وقاموا برشق العربات العسكرية الأمريكية بالحجارة، فيما حاول متظاهرون آخرون
الوصول إلى القصر الرئاسي الذي أقامت القوى الحكومية حاجزاً على بعد 200 متر منه
لمنعهم من إقتحامه.
وقالت وكالة "أفغان إسلاميك بريس" : إن مئات
من المتظاهرين تدفقوا إلى وسط كابول على الرغم من محاولات الشرطة منعهم من الوصول.
وقال مراسل "بي بي سي" : إنه تمكن من سماع أصوات إطلاق النار في أحياء
عديدة من المدينة، بما فيها قرب السفارة الأمريكية التي أخلت مكاتبها فى كابول، ونقلت موظفيها إلى مبنى لم يكشف عن موقعه.
وعلى إثر هذه الحوادث، بات هناك أكثر من صوت، داخل
البرلمان وخارجه، يطالب برحيل القوات الأجنبية أو تحديد جدول زمني لها. وكذلك
تحديد مهام القوات الدولية التي جاءت بقرارت مجلس الأمن
إلى أفغانستان. وقد تتحول هذه الأصوات إلى تيار قوي يضغط
لتحقيق هذه المطالب.
ولم يكن الشعب الأفغاني بعيداً عن المقارنات التي يقوم بها أبناء هذا الشعب، بين وضعه الراهن، وفترة حكم "طالبان"
التي تحظى بتقديرات إيجابية، خاصة فيما يتعلق بمستوى الإستقرار،
والأمن، والتوازن السياسي، وتوافر الحاجات الأساسية، وتطبيق الشريعة الإسلامية.
ومن الدلائل العملية على مدى ما تمتعت به "طالبان"
من قدرات تكنولوجية وحركية وقبول بين الشعب، قيامها بإعادة إحياء "إذاعة
الشريعة" التي كانت وسيلة الإعلام الوحيدة إبان سنوات الحكم، حيث عادت
الإذاعة للبث، لتغطي أقاليم وسط البلاد، كما يمكن التقاطها في المناطق الحدودية
بين باكستان وأفغانستان.
وقد اعتبر إعادة إحياء "إذاعة الشريعة" ـ في
حينه ـ والذي تم بنصب هوائيات بث في مناطق عدة من قبل فنيين ومهندسين تابعين
لطالبان، رد على تصريحات كان قد أدلى بها الجنرال "ديفيد
بورنو" القائد العام لقوات الاحتلال، وزعم فيها أن
الحركة تفتقد للدعم الشعبي، وأنها باتت ضعيفة، وإلى انتهاء. وقد وصف المتحدث باسم
الحركة، عبد اللطيف حكيمي، إعادة بث إذاعة الشريعة بالتطور اللافت الذي يؤكد أن
طالبان لا تزال قوية، ومنظمة للغاية، الأمر الذي يفضح الأكاذيب الأمريكية بأن طالبان
قد انتهت. وكانت الإذاعة قد بدأت البث بإذاعة بيان للملا محمد عمر بقراءة أحد
مذيعيها، حثّ فيه الأفغان على مواصلة الجهاد.
5ـ الفشل الأجنبي الواضح في المواجهة :
وفي خضم المعارك المستمرة والمتلاحقة من قبل طالبان ــ الحركة الإسلامية التي
ترى في التهدئة مع المحتل ذنب وكبيرة تتنزه عنها بدوام القتال ــ لم يستطع
الأمريكيون إخفاء الاعتراف بالفشل في مواجهة الحركة وما تبديه من شراسة واستبسال
في المواجهة.
وهو ما بدا في العجز الأمريكي عن القضاء على مقاتليها،
أو الوصول إلى قادة أشرس مقاومة عسكرية وفكرية في التاريخ الأمريكي (الملا عمر،
أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، قلب الدين حكمتيار)، حيث
لم تفلح تلك القوات الأجنبية، بما تتمتع به من تكنولوجيا حديثة وعتاد في العثور
على أي من هؤلاء القادة، رغم عمليات المطاردة التي تشنها منذ خمس سنوات بمعاونة
الجيش الباكستاني والقوات الحكومية الأفغانية.
وفي هذا الإطار، كان زعيم الحزب الإسلامي، قلب الدين حكمتيار، بث شريط مسجل قال فيه : إن القوات الأمريكية خسرت
الحرب في أفغانستان، وستغادرها كما أنهم فقدوا معنوياتهم في العراق. وحث الشعب
الأفغاني على الانضمام للجهاد، وإعلان الحرب المقدسة ضد القوات الأجنبية لطردها من
البلاد. وأكد حكمتيار : "إن المقاومة وصلت إلى
مرحلة بحيث أصبح من المستحيل القضاء عليها".
6 ـــ ما يلقاه المحتلون من ضربات خارج
أفغانستان.
رغم المواجهة المحتدمة على أرض أفغانستان، إلا أنه لا
يمكن لأي محلل أو متابع أن يتجاهل ساحات المواجهة الأخرى المشتعلة في وجه
الأمريكان، نظراً لما تمثله هذه الساحات من إستنزاف
مادي ومعنوي كبير في صفوف الغزاة، ويعد الإهتمام
الأمريكي بالعراق منذ عام 2003م، وما تواجهه قواتهم العسكرية من مأزق على يد
المقاومة هناك، من العوامل التي تشكل دوافع معنوية وعسكرية قوية لطالبان، وبقية
القوى المقاتلة في الإستمرار والإستبسال.
حيث تسهم تلك الضربات الموجعة، التي يتلقاها الأمريكيون
بالعراق، في رفع معنويات المقاومة الأفغانية، بكافة أشكالها.
وقد استغلت حركة طالبان ــ بشكل خاص ــ الإنشغال الأمريكي وانغماس القوات العسكرية التابع لها في
المستنقع العراقي، لتبدأ مرحلة قوية لإعادة التجميع، وتوحيد الصفوف، لشن حرب طويلة
الأمد من أجل تحرير كامل التراب الأفغاني.
7 ـ فشل الحكومة الموالية للاحتلال بقيادة كرزاي:
لم يكن وصف طالبان للرئيس الأفغاني الموالي للاحتلال
حامد كرزاي بالـ"الدمية الأمريكية" بدون
مدلول، فالرجل حريص كل الحرص على بقاء القوات الأجنبية في بلاده إلى الأبد ـ لو
استطاع ـ وهو ما عبر عنه في أكثر من مناسبة، وكان آخرها تصريحه بأن بلاده في حاجة
إلى بقاء القوات الأجنبية ما بين خمسة إلى عشرة أعوام وربما أكثر.
ولم يجد المشروع الأمريكي في أفغانستان من يساهم في
تكريسه، من بين أبناء الشعب الأفغاني، أفضل من حامد كرزاي،
ذلك أن سلامته الشخصية، وبقاءه، ومستقبله السياسي، مرتبط بنجاح هذا المشروع.
ولا يخفى على أي متابع للشأن الأفغاني، فشل نظام كرزاي في إثبات أي وجود حقيقي له، داخل البلاد، ولا يكاد كرزاي يخرج من هزيمة سياسية حتى يلقى أخرى.
وحكومة كرزاي لا تحكم سوى
كابول، لذلك نجد المحلل بارنيت روبين، من جامعة نيويورك
يؤكد حقيقة أن العلماء المسلمين في أفغانستان ــ والذين يملكون شبكة وطنية يمكنهم
من خلالها تعبئة العامة بطرق لا تستطيع الحكومة المركزية أو الحكومات المحلية
القيام به ــ لم يصلوا بعد إلى إجماع على شرعية الحكومة، وهذه الحقيقة تمثل فشلاً
خطيراً للنظام المدعوم من الولايات المتحدة.
ويرى (نظيف شاراني) وهو من أصل
أفغاني وعالم في الأنثروبيولوجي في جامعة (إنديانا) أن :
ثمة مشكلة أخرى ــ أمام كرزاي ومجموعته ــ وهي "التنافر"،
فالدولة (الأفغانية) وصلت في النهاية إلى ثلاثة أو أربعة حكومات، هي مكتب الأمم
المتحدة في كابول، والسفارة الأمريكية، والمنظمات الدولية غير الحكومية، التي تقوم
بإدارة معظم المساعدات الدولية، وحكومة كرزاي، والآن
توجد الحكومة الخامسة وهي البرلمان، والذي وصفه بأنه خليط من الأيديولوجيات
والاهتمامات المتضاربة.
ومن بين الهزائم السياسية التي مني بها
حامد كرزاي، وأكدت على صورية وجوده في أفغانستان،
انتخاب (يونس قانوني) المرشح الطاجيكي السابق للرئاسة
ضده، رئيساً لمجلس النواب بغالبية الأصوات، بعد فوزه على زعيم إحدى الفصائل
المتحالفة مع حامد كرزاي.
وفي إطار الهزيمة السياسية، كان (كرزاي)
قد وجه الدعوة في 8 ــ1ــ 2006م، إلى الملا محمد عمر زعيم حركة "طالبان"
من أجل ما أسماه المصالحة والحوار مع حكومته في كابول. وهي الدعوة التي ردت طالبان
برفضها، معتبرة كرزاي "دمية أمريكية". وقال
الملا (عبيد الله آخوند) نائب الملا عمر ووزير الدفاع
السابق في الحركة : إن "الدمية الأمريكية" ــ الذي حوّل أفغانستان إلى
قاعدة أمريكية وقتل آلاف الأفغان ــ يجب أن يحاكم في محكمة إسلامية. مضيفاً : سيكون
خيانة للإسلام التوقف عن محاربة أمريكا، والملا عمر وطالبان ليسا مستعديْن لتحمل
هذا الإثم.. موكداً أن الهجمات الفدائية ستستمر.