قطاع الطرق – 2

القهر والحرمان داخل سجون مبارك

 

 

بقلم د. محمد زارع 

dr_moh_zaree2002@hotmail.com

 

  لم يفرج إلا عن عدد قليل من شباب ورجال ونساء مصر الذين اختطفتهم عصابات أمن الدولة من أمام دار القضاء العالي ومسجد الفتح وميدان طلعت حرب ومن مختلف الشوارع والبيوت والمدن والقرى في أنحاء مصر على خلفية مظاهرات وفعاليات تأييد القضاة .. ومازال فرسان الحرية وشرفاء الوطن يكابدون كل أنواع القهر والحرمان داخل سجون مبارك .. والشعب المصري كله مازال أسيرا مكبلا في ظل هذا النظام القمعي يتوق إلى يوم التحرير والخلاص الذي نراه قريبا ويرونه بعيدا

.. وسأواصل معكم وصف ما شهدته وعايشته أثناء عملية الاختطاف والحبس الذي تعرضت له مع ثلة مخلصة لوطنها مشتاقة إلى إحقاق الحق وسيادة العدل

.. حين دخلت إلى استقبال طرة مع زملائي المختطفين وجدت عددا كبيرا من الأصدقاء من بينهم الأستاذ / أبو المعالي والأستاذ / شوقي رجب والأستاذ / عبد العزيز الحسيني والأستاذ / محمد عبد الرحمن .. وغيرهم .. وبعد أن تعانقنا وتبادلنا التعليقات المرحة والعبارات الساخرة .. شعرنا بارتياح عام .. لأن السجن أصبح هم المكان الوحيد المناسب للشرفاء في مصر .. ورأينا خيوط الفجر تتسلل إلينا عبر السلاسل .. وبشائر النصر تغمرنا رغم الغيوم والقيود والأسى

.. وحين نقلونا إلى نيابة أمن الدولة بمصر الجديدة وجدت عددا من آخر من الأصدقاء والإخوة الأعزاء مثل الدكتور / إبراهيم الزعفراني والمهندس / عمر عبد الله والدكتور / علي بركات والأستاذ / محمد القصاص .. وغيرهم .. فأمضينا معا وقتا طيبا لم يكن في الحسبان

.. تم انتقلنا إلى عنبر رقم 1 بسجن مزرعة طرة بعد أن تسلموا نقودنا وملابسنا وتليفوناتنا .. وسلمونا ملابس بيضاء مكتوب عليها كلمة ( تحقيق ) للتفرقة بيننا وبين الذين حكم عليهم .. وفي هذه الحالة يلبسونهم الزي الأزرق .. وحين نظرت إلى زملائي جاءني خاطر فوري .. فهم يقصدون بهذه الكلمة أننا متهمون .. بينما انصرف ذهني إلى معنى آخر للكلمة وهو تحقيق العزة والكرامة لهذا الشعب ولهذا البلد .. وأن هؤلاء ونظراؤهم هم الذين هم الذين يسعون إلى ذلك .. فلا بأس من أن يجتمعوا في هذا المكان ليتعارفوا ويتشاوروا بغرض تصويب الأخطاء وتصحيح المسار

.. وكنت قد التقيت في هذا العنبر بمجموعة جديدة من شباب وقيادات الإخوان المسلمين .. ثم انتقلت إلى عنبر رقم 3 بمزرعة طرة فتعرفت على مجموعة جديدة من الإخوان والأحزاب والقوى المختلفة .. وكان في العنبر المجاور لنا الأخ العزيز الدكتور / حلمي الجزار والدكتور / أحمد فؤاد والدكتور / حسن الحيوان .. وفي عنبر مجاور أيضا كان الدكتور / رشاد بيومي عضو مكتب الإرشاد والشاعر المبدع الحاج / أمين الديب وغيرهم .. فكنا نلتقي جميعا ونتحاور .. وكانت البرامج الدعوية والثقافية المكثفة تشغل كل أوقاتنا ليل نهار .. حتى الأشخاص الذين اعتقلوا وليس لهم أي انتماء سياسي أو فكري تجاوبوا مع هذه البرامج والأنشطة وتفاعلوا معها بجدية وانبهار .. وكانت تتوالى علينا وفود المعتقلين الجدد مثل أطباء الامتياز بمستشفى الحسين الجامعي الذين داهموهم في سكنهم واقتادوهم إلى المعتقل .. ولكن لم يسعدني الحظ بمقابلة أخي العزيز الدكتور / عصام العريان لأني كنت قد انتقلت إلى مستشفى ليمان طرة بعد تدهور حالتي الصحية وصعوبة السيطرة على السكر وضغط الدم والمضاعفات الأخرى التي تصاعدت خلال أيام قليلة .. وكان الدكتور عصام ورفاقه قد اعتقلوا الخميس 18 مايو أي بعدنا بأسبوع

.. ووجدت بالمستشفى صحبة جديدة من الأطباء والمرضى المسجونين الجنائيين والسياسيين .. وكنت قد التقيت الدكتور / أيمن نور بمستشفى مزرعة طرة فسلمت عليه .. وأبدى استعداده الكامل لإمدادي بالأنسولين اللازم لي وحفظه بالثلاجة .. وتقديم أي مساعدات ممكنة علاجية وغير علاجية .. إلا أن إدارة السجن طلبت مني بشكل فوري عدم محاولة الاتصال بالدكتور / أيمن .. وعدم قبول أي مساعدات منه .. لأن ذلك يعرضني للخطر .. وفد وصف لي أحدهم ذلك بالدخول في عش الدبابير .. وعلمت بعد ذلك أن الدكتور / أيمن حدثهم عني وكأنه يوجه إليهم تحذيرا مبطنا فقد قال لهم إن لي نشاطا واسعا في مجالات حقوق الإنسان ورعاية أسر المسجونين ومراقبة السجون وغير ذلك مما جعلهم يحتاطون في التعامل معي .. ولم أتمكن من مقابلته مرة أخرى فقد منعوني من الذهاب إلى مستشفى مزرعة طرة لأخذ حقنة الأنسولين اللازمة لي مرتين يوميا .. ولا يمكنني الاستغناء عنها منذ سبع وعشرين عاما .. وهي المدة التي قضيتها حتى الآن بصحبة مرض السكر ..والتي بدأت تظهر مضاعفاته عندي منذ أكثر من ست سنوات .. وأنا أحمد الله تعالى .. وأشكره أن اصطفاني بهذا الابتلاء .. وأشكره على نعمة الصبر التي منحها لي بفضله ..

.. ولسوف أتناول معكم بإذن الله موضوع الرعاية الصحية للمسجونين داخل العنابر والزنازين وخارجها أو بمستشفيات السجون والمستشفيات الأخرى المعنية .. لأن هذا موضوع مهم جدا تتخلله ملاحظات كثيرة ومخالفات فاضحة ومخاطر عديدة .. وإهمال كبير من قبل كل الجهات سواء داخل السجون أو خارجها .. وإلى لقاء قادم إن شاء الله