(عطر الحيطان)..أزمة المثقف
ولعنة المكان
في قصة حسام الدين عبدالقادر
صالح
بقلم:معتصم
أبكر محمود
بعد سنوات
قضاها متمرّغاً في غربته، سبع سنوات، سبع سنوات على وجه الدقة، عاد إلى حضن عشه
القديم. صورة القرية قبل سفره، ما تزال في مخيلته لم يطرأ عليها تغيير لكأن الزمن ليس له حيّزا في معادلة الوجود. ما زال يظن أنها
برونقها القديم وروحها الساحرة. ويا لدهشته القاتلة، كل شيء قد تغير. صار يمشي في الشوارع بلا دليل، نسي
حتى قبلته التي هو متوجّه إليها. وصار يبحث عن عطر
الحيطان. صار غريباً في قريته التي ضمته منذ الميلاد وحتى لحظة الوداع.. لم يتغير
الوجه المادي وحسب بل امتدت يد التغيير إلى الأنفس.. لم يكن ثمة أحد في استقباله..
يرى أناساً لا يعرفونه حتى صادف أخيراً (راعي الغنم)الذي
دلّه على بيت العائلة الكبير.
هذه هي قصة (عطر الحيطان)باختصار للكاتب
الشاب/ حسام الدين عبد القادر صالح ، والتي نشرت في في
صحيفة المحرر ، وأيضا في ملف الحياة الثقافي رقم (149) بتاريخ5/فبراير/2006م،
وبالرغم من انعدام الأحداث التي يتفاعل فيها الأبطال إلا أنها كانت حول لحظة معينة
وهي لحظة العودة .. وهذه اللحظة بالذات يتم اختيارها كثيراً في قصص التحولاّت
لأنها في نظري أنسب اللحظات لهذا الدور لأسباب أهمها، أنها اللحظة ذات الرؤية الواضحة
فهي قبل مواكبة الأوضاع لذا تأتي وجهات النظر فيها أكثر دقة، والسبب الثاني هي
أنسب اللحظات لإبراز عنصر الاندهاش الذي يقود بدوره إلى توجيه الانفعالات الداخلية.
والعودة في
صورتها الرمزية، أعني العودة من عالم المثال إلى عالم الواقع، لها نفس المفعول،
عندما يبحث الشخص عن شيء يضيفه إلى الواقع ليصير مثل ما يتخيّله وفقاً المعادلة
التالية:
الواقع(ق)
+ شيء ما(ش) = المثال (م)، أي ق + ش = م
وتأتي المعاناة عندما يعجز الشخص عن
إيجاد قيمة (ش) التي يجب إضافتها إلى (ق) ليكون الناتج(م).
ويأتي الحزن ثم الإحباط كنتيجة للشعور بالعجز عن فعل
شيء، بهذا أفسر معاناة المبدعين الذين يريدون عالماً أفضل. ولا
شك في أنهم يحسون بالغربة عندما يعودون إلى الواقع بعد رحلة من الأحلام الجميلة.
ونعود إلى قصتنا التي نحن بصددها. وهنا يجب أن أشير إلى
النزعة الموسيقية فيها والتي منحتها طاقة تعبيرية عالية بجنوحها إلى الرمزية. فالنص
الجميل ذو الصبغة الرمزية كالسيمفونية الرائعة ، التي
يسمعها ألف شخص وكلٌ يؤلف قصته.وبالرغم من إخفاء الكاتب لهوية بطله فلم نعرف من هو
وما هي وظيفته أو ما هو مستوى تعليمه إلا أن ثمة خيوط رفيعة أوصلتني إلى القول بأن
هذا البطل هو المثقف. وسأدعكم بعد العرض لتفصلوا هل كنت
مصيباً أم لا.
العنوان يدخلك إلى محاور القصة فـ(عطر
الحيطان) توحي لك بعدة أشياء منها: الجديد/القديم
، الثابت/المتحول، الواقع/الذكريات، البوح/ الستر، ويأتي دور الاستهلال
فيجعلك تمسك بخيوط إضافية. لقد كان الكاتب موفقاً في استهلاله الغني بعناصر القصة
كما سنرى:
(حلتنا جدعت نفسها في الطرف الشمالي
الغربي من القرية. وبيتنا الكبير الذي يمثل حدود القرية يوصلك
إليه شارع طويل وعريض. وأنا أمشي فيه تركني عن يميني وعن
شمالي وتضعني أمامها. كلما أريد أن أقف وأبحلق في
الأمكنة التي نهشتها أنياب الأزمنة بعد أن فرقتني عن القرية سبع سنين أجد البيوت
تأخذني عن يميني وشمالي وتقذفني أمامها في طابور مهيب وحاشد يكظم لي شيئاً ينتظر
قدومي هناك).
عناصر
المكان: (الحلة)، (البيت الكبير)، (القرية)، (الشارع)، (البيوت).
الزمان:
الحاضر ، الماضي، عمق الغياب(سبع سنوات).
البطل: أنا السارد.
الصراع: المكان/الزمان،
المكان/ الراوي.
في أول كلمة في النص تجد المكان (الحلة) متصلاً
بالناس في الضمير(نا)وهي صورة نعرفها في القرية
السودانية إذ أن المكان ومجتمع القرية ككل لا يتجزأ يمثلان دوراً بطولياً في قصة
الفرد الذي لا يمكنه أن يتحرك بمعزل عن الكل. بمعنى أن (أنا
الفرد)لا يمكن أن تتحقق إلا في جوار (نحن المجتمع).
وأول ما يتبادر إلى الذهن بذكر القرية
تلك اللوحة التي فيها:الناس المنسجمون ، الخصوصية المعدومة، العلاقات الأسرية، روح
العمل الجماعي، الأخبار التي تنتشر بسرعة البرق، الأسرار التي تفضحها البيوت
المتجاورة والحيطان القصيرة، الكرم والتعاون، التكافل، النزعة إلى الفلسفة التي
تقول:(كلنا الحالة واحدة).
والقرية هي
التي تحرك انفعالات (البطل) بين السخط والحنين، واليأس والأمل، وفي هذه القصة كما
أسلفت ليس للبطل اسم حيث يبدو كالرمز والقرية أيضاً بلا اسم وكأنها ترمز لأي قرية..
هي حيث صارت بذلك حالة شعورية خالصة يتكلم فيها صراع الماضي والحاضر، التراث الجيد،
المعاصرة السلبية، ويتساءل فيها الشخص : ما المسؤول عن
هذا الحدث؟الناس أم الأزمنة؟.
وفي هذا الاستهلال تجد أيضاً الظاهرة
التي أطلق عليها (لعنة المكان). وهي إحدى أزمات المثقف. وهي
شعور الشخص بأن المكان قد لعنه وحرض الأشباح التي تطارده وأعد الغد المظلم وهو وحده الذي يشعر بخطورة الوضع .. بينما
الناس غيره قد نجوا من تلك اللعنة.. فلا همّ لهم بالواقع
فهم يرونه جميلاً ولا أجمل منه بحيث يمكنهم أن يدعوا الله بقولهم:(اللهم لا تغير
أحوالنا). ويرون الغد الجميل لأنه امتداد للحاضر وعندما يفكر المثقف في حال الشعوب
الأخرى المتفوقة فهو واجب يصب جام غضبه على المكان.
وفي هذه القصة يعتبر الراوي أن القرية مسؤولة عن وضعها الذي تعيشه فهي التي جدعت نفسها في الطرف
الشمالي الغربي من القرية. واختيار وضع الزاوية هنا للدلالة على التضييق والانزواء.
فهي التي أحبت هذا الجزء وجدعت نفسها فيه كالطفل الذي
يرتمي في حضن أمه بعنف ورقة شعور في آن.
وتجد ظاهرة
نفسية أخرى وهي (الشعور بالدونية بين الأمم) وهذا واضح في وضع القرية ثم في وضع
البيت (وبيتنا الكبير يمثل حدود القرية).
وهنا لا أرى
الشارع الطويل والعريض سوى تلك المساحة في الأخطاء المتراكمة والمصالح الذاتية
التي أوصلتنا إلى هذا الوضع ولا أرى القرية سوى رمز للعالم والحلة رمز للإقليم
والبيت رمز للوطن.
وهذا الشعور
السلبي لاشك أن وقعه على المثقف عظيم وهو يعتبرها حالة مأساوية بينما غيره لا يهتم
ويسعى دوماً إلى التعايش حتى مع أكثر الأحوال مأساوية.
ويمضي الراوي
في سرد قصته ليكشف لنا عن صورة أخرى للأزمة فيقول:(ولأول مرة أشعر أنني غريب.. حتى أرض الحلة تحت قدمي لم أفهمها ولم تعرفني... وأنا إذا أمشي
الآن في شوارع الحلة تسألني أذناي عن صوت مفقود ألفته لسنوات أين ذهب؟ صوت الطقطقة
الذي ترسله الأرض في حلتنا في حوارها الجهير مع أحذية
الناس اختفى!).
كان بالأمس هنا، أحلامه كأحلامهم ،وفكره كفكرهم، يشاركهم ويشاركونه لذا لم يشعر
بالغربة. وعندما سافر إلى عالم أرقى قد يكون هو المثال
الذي صنعه العلم لذا صار ينشد العلم والرقي والحضارة. ولكن
في نسختها الإنسانية الذي يمكن أن نجده في القرية. وعندما يعود إلى القرية يجد
واقعاً آخر .. الأمية واللاطموح. حياة
يسيطر عليها أي شيء، وقد يتقاتل الناس فيها من أجل أتفه الأشياء، وقد يسمروا
لساعات وساعات يستمعون إلى رجل منهم يحكي كيف استطاع أن يزاوج بين فرسه وجواد فلان.وكان يحلم بعالم آخر حيث الكلم الطيب والفكر المتقد والأدب
الرفيع.
وشيء لفت انتباهي إلى جملة (حتى أرض
القرية لم أفهمها ولم تعرفني) وربما تمثل حال المثقف مع المجتمع
،كل يجهل الآخر وكل لا يحاول الاقتراب.
هذا
يعتبر نفسه القمة التي يجب أن يصلها الناس ، وهذا يقول
ذاك المتعجرف (ما من ثوبنا). ويستمر السير في خطين
متوازيين يجعل الالتقاء مستحيلاً.
وبطل القصة هنا
رغم أنه افتقد عالم الأحلام إلا أنه أخذ يحن إلى بعض أوجه الجمال في القرية التي
صارت لا تحمل أي معنى للحياة. وهنا تأتي الحالة التي أسميها بـ(الغربة
المزدوجة) وهي الغربة التي تنشأ عن الاغتراب عن المثال والاغتراب عن الواقع
فالراوي هنا غريب عن عالمه المثالي وغريب عن المكان الذي كان يألفه.. وهنا يشير إلى اختفاء العادات الجميلة التي يمكن الاستفادة
منها في بناء التغيير ليصل إلى العالم الذي يصبو إليه. فالحركة
قد اختفت والأقدام قد استراحت كأنما أصابها الكساح وهنا إشارة إلى حالة الخمول
الذي يسود المجتمع ولذلك قال في الفقرة التالية:(أنا الآن أمشي في هدوء موحش،
تحملني في صمت، أخطو عليها كلص محترف.. لاحظت أن الأرض تمسك
قدمي مدة قبل أن تسمح للأخرى بالخطو).
هذا الهدوء الموحش هو الركود وتلك
الخطوات البطيئة هي محاولات التغيير. وهذا الركود لا
يثور في وجه المغير لكنه يتحمله في صمت على طريقة(الكلب ينبح والجمل ماشي). وهو
يخطو فوق هذا السكون مثل لص محترف. وما الذي يسرقه غير الأضواء ؟ فهنا أصبح
المثقف لصاً يسرق موافقة الناس للحديث باسمهم ويسرق السماح له بتبني تثقيفهم وهو
الذي يسرق نصيبهم من الشهرة ليتمتع بها هو. ولا شك في أن هذه النظرة تقلق وتحزن المثقف الحقيقي الخالي من (كولسترول
المصلحة).
وعملاً بالحكمة المشهورة (العلم نور
والجهل ظلام). اختار أهل القرية هنا الظلام ورفضوا بشدة
أن يدخل إليها نور (كل أبوابها وشبابيكها تعطي قفاها للشمس وتدير وجهها عنها).
والشيء المعروف
أن الشمس هي رمز الحياة والدفء فكأن المقصود هنا أن القرية لا تريد لنفسها الحياة.
ويدعم هذه الفكرة بمشهد وصفي آخر، عندما يصف (الميازيب)
يقول:(تلك الميازيب عندما سألت جدي عليه الرحمة عن
فائدتها وأنا صغير قال لي إنها كانت تتلقي بماء المطر عن أسقف البيوت، أما الآن
فهي أصبحت لا ترمي إلا بشيء واحد...).
والمطر أيضاً يرمز إلى الحياة والطهر
والنقاء والتجديد الإيجابي وحينما يختفي المطر، بعد اختفاء الشيء، تزداد الصورة قتامة وكأنها تسير بسرعة نحو الفناء.
ويتجول الراوي في شوارع الحلة ويرى
التغيرات التي طرأت عليها فيقول: (أسير في شوارع الحلة ولا أثر فيها للحياة غير
دكاكين هنا وهناك، لا أرى أحداً يرتادها غير العجائز، أتشوق لرؤية شباب الحلة
وأطفالها وهم يملأون شوارعها وساحاتها بالحياة لكني لا
أجدهم ، فقط يملأ نظرك عجاج حار يسفي وجهك وأعاصير
صغيرة تقوم من مرة لأخرى).صورة رائعة مكثفة استطاعت أن تكمل اللوحة التي ابتدأها
سابقاً.
وقد ذكر الراوي
أن الدكاكين هذه لا يرتادها إلا العجائز وقد أفلح في اختيار هذه الفئة التي تشير
إلى العجز والنهاية. فالشاب يمكن أن يكون عجوزاً مثلما
هناك عجائز شباب. فقد سادت روح العجز والاستسلام وكأن الأمة صارت تزحف نحو القبر.
وهو يتشوق إلى رؤية شباب الحي رمز
التجديد والنصر ولكن لا يجدهم لكأنهم ماتوا جميعاً
لأنهم بلا نشاط يدل على الحياة. وهذا الوضع يقلل من المثقف المبدع الذي يريد
التغيير.
وفي المشهد السابق أيضاً لقطة رائعة وهي
منظر العجاج الحار الذي يسفي الوجه وتلك الأعاصير
الصغيرة التي تقوم من مرة لأخرى. إن هذا العجاج يكمل لوحة الموت التي ما زال
يرسمها . هذا العجاج هو الأتربة التي تثور عند حفر المقبرة.
إن القرية الآن تحفر قبرها مثلما اختارت
لنفسها الموضع الذي عاشت فيه وتلك الأعاصير التي تدور حول مركز واحد هو النواح رمز
للمأساة، التي تثور ثم تسكن ثانية وهكذا(صوت السكون الذي يخيم على الحلة يقطعه فقط
صفير الريح القادم من الأطراف).
ويتجول البطل في الحلة التي ما عادت (حلته)..
يا للدهشة كل شيء قد تغير وماذا بقي؟!.. ويمضي السرد ليقول:( الشارع الطويل العريض انتهى الآن لكن
بدلاً من أن ينتهي بي إلى باب بيتنا الكبير إذا به
يضعني في مواجهة خط السكة حديد القديم الذي يرقد في الجهة الشرقية من القرية).
كل شيء قد تبدل حتى المكان بدلاً من أن
يدور حول محوره في حركة لا يحسها الإنسان أصبح يتنقل هو أيضاً بحيث لا يندهش المرء
إذا كان يريد الذهاب إلى المسجد تجاه الشرق أن يصل إلى حانة في الجهة الغربية .
إذا حاولنا
أن نقرأ هذا الجزء فماذا يوحي لنا النص؟. إن بطلنا الآن في مواجهة خط السكة القديم.
ألا يشير هذا إلى الوضع المتخلّف.. ليس ثمة شيء جديد على
مستوى لائق.. ومن الملاحظ أن الراوي لم يشر أبداً إلى أن
التغيير كان مدهشاً لأنه تعجب كيف وصلت القرية إلى هذا التقدم ولكن كان يشير إلى
أوبة الدمار.. هذا الخط يذكرنا بالرحيل، بالعربات
المتلاصقة التي تتابع كالأيام والسنون.. وبما أنه قديم فيمكن
أن يذكرني بالحقبة الاستعمارية الجائرة التي لم تنجز غير ما يوصلها إلى أهدافها
وفيه عتاب علينا لأننا لم ننجز شيئاً.
ثم يتساءل: (يا رب كيف وصلت إلى هنا) واحتار
كثيرا في الإجابة، ويقول لنا أنه لا يعرف من يتهم:(ذاكرتي أم الشارع أم السنين
التي أبعدتني عن القرية . في هذه الأثناء رأيت من بعيد
خيالات سوداء يتهادى وراءها بياض يلوح بيديه).
بعد طول
التفكر والحيرة أتى الأمل, ما هذه الخيالات السوداء التي يلوح وراءها بياض بيديه..
أليست الخيالات هي المجتمع الذي جعل من المثقف متزمتاً ،
أليس البياض هو السياسة التي يرى فيها متنفساً. أليس ذلك البياض الظاهر في الحلف
السياسي الذي يقول للناس :(سيروا ونحن من خلفكم).. السياسي
الذي يرى نفسه فوق كل شيء . يرى ذاته قد خلقت للقيادة
فقط. خلق نبياً ومعلماً وقمة شماء في كل شيء.؟!
فما
هو هذا البياض:(إنه نعمان راعي القرية . بعدما اقترب ترك
الغنم خلفه وجاءني يجري بأقدام متثاقلة ذكرتني بالغلظة التي وجدتها من الأرض أول
ما وضعت قدمي عليها).
لماذا لم يقل الكاتب:(إنه نعمان راعي أغنام القرية)؟. فكأن نعمان هذا قاضي القرية
بأكملها . وهذا يدعم وجهة نظري.. نعمان هذا رجل كأنه جلس
على كرسي السلطة وأصبح يعامل الناس وكأنهم أغنام لا تعي شيئاً ليس لها وجهة نظر
ولا تستحق أن تحدد حتى المكان الذي سترعى فيه.. وحينما
وصل نعمان إلى القرية ترك الأغنام خلفه، وهذا يذكرني باستغلال مشاعر الجماهير التي
يقال لها:(سيري ونحن من خلفك)، فإذا بلغ الراعي ما يريد تركها خلفه.
والمثقف لن يرضى بهذا الوضع وسيثير
البلبلة فلذلك:(أرسل نعمان ذراعيه مرحبات تأخذاني من ظهري وتلقيان بي في صدره العاري الذي اكتسى بالشعر والرمل ورائحة الغنم ، وفي اندهاش سألني:
- متى العودة وما
الذي جاء بك إلى هنا في هذا الوقت؟
- خجل من أن يقول لي أنه أضاع المنزل، فقال
نعمان بطيبته المعهودة:(خلاص أنا أمشي معاك بالمرة
أوصلك للبيت وأدخل ليكم الغنم في الزريبة).
لماذا استخدم الكاتب هنا لهجتين في حواره هذا. لماذا العامية
والفصحى. إن هذا يوحي بعدم الواقعية، فإما أن يكون
الحوار عامياً صرفاً أو فصيحاً ولكن المزج أمر لا تقره النفس. ولكن
ألا يمكن أن تكون هذه وسيلة لإبراز التناقض الذي يكتنف رجل السياسة.ذلك الصالح
الطالح البري المجرم، العالم الجاهل.؟!
ثم يمضي
البطل في تآلفه مع نعمان فيقول:(كنت أماشي نعمان في شوارع الحلة كأعمى يقتاده
بصير، أنظر من حولي كضيف في أول زيارة له).
ثم يشير إلى الجفاء بينه وبين المكان
فيقول:(الحيطان تكشر لي عن شقوق تمتلئ بالجفاء والغيظ، وتحشوها الرمال..) تلك هي
علاقة المثقف بمن حوله.