الوسطية ...

بين مخافتين : التطرف والتمذهب

1\2

 

بقلم :د . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

 

انتشر استعمال مصطلح "  الوسطية " تعبيرا عن الاتجاه الوسطي في عرض حقائق الإسلام انتشارا واسعا إلى حد التطرف في ذهاب أصحابه إلى ما قد لا يقصدونه من إفراز فرقة جديدة تضاف إلى فرق الإسلام المعروفة تسمي نفسها فرقة " الوسطية "

نسمع دعوتها في الأدعية ، والأحاديث والمحاضرات والأندية

 وفي بعض المحافل عند ما يتحدث بعضهم متباهيا عن أن مصر مثلا تعتنق " الإسلام الوسطي " ، وما أشبه ، كأنما هناك أنواع من الإسلام بعضها وسطي وبعضها غير ذلك أو كأن ما عداها من أنواع ليس إسلاما . وكلا الافتراضين في غاية الخطورة ، وهو في تقديرنا ناشئ من التطرف في عرض فكرة الوسطية في الإسلام إلى الحد الذي يوشك أن يوقع مرة أخرى في دورة جديدة من التكفير يفترض أن أصحاب الوسطية إنما حرروا مذهبهم تفاديا لها

 

وعلى الهامش من كل ذلك نجد المصطلح قد صعد إلى مستوى الحكام عندما نجد الأمير عبد الله ولي عهد السعودية -  آنذاك -  يتبنى المصطلح ويدعو إلى ما سماه الوسطية ( نشرة انباء الجزيرة في يوم الأحد 4\1\2004 )

وقد وجدناه من قبل ذلك قد تسرب أو يكاد من مائدة الفقهاء إلى دهاليز الأحزاب التي يحلو لبعضها أن يتخذه سلاحا سياسيا ، وبعضها يتربص به أن ينزلق إلى متاهة ما يسمى تحديث الخطاب الديني ، وبعضها يتربص به أن يصبح مرمى لأسهم الكائدين ، أو هدفا للتجاذب بين أعداء الأمس أصدقاء اليوم ، مما يكاد يخرج بالموضوع من دائرة النظر الموضوعي إلى بورصة السياسيين قبل أن يتم نضجه كما هو المفترض - في دائرته الأصيلة 

 ولم يعد في الأمر : " يكاد " إذ خرج الأمر إلى بورصة السياسيين فعلا ، يتاجرون به في البورصة العالمية

 فأصبح السياسي العالمي الذي لا يريد أن يخلع عن وجهه قناع العلمانية ومطاردة الإسلام في وقت واحد ينادي بأنه يقبل في بلاده إسلاما مصنوعا لحسابها

فالرئيس الفرنسي وهو في حربه ضد شعار المرأة المسلمة " الحجاب " يعلن في الإليزيه 17\12\2003 - أنه يفتح الباب للإسلام الفرنسي

 ويذكرنا ذلك بما سمعناه سابقا من فخر مصر بإسلام مصري سهر الأزهر على تطريزه منذ سنين

 وغدا يجد الأمريكيون الحل فيما يكون إسلاما أمريكيا ، وربما السيد رئيس إيطاليا يضطر بعد غد إلى قبول " إسلام إيطالي "

وربما تسهر اللجان المعنية بفتوى الأقليات على تصنيع هذه الأصناف عبر هذا الطرح الذي تسرب أولا  من بين أيدينا عندما قلنا " الإسلام الوسطي " وقال آخرون" الإسلام المعتدل" ، " والإسلام السلفي"و " الإسلام الحركي "  " وقال غيرنا " الإسلام السياسي " و"الإسلام الاجتماعي " " والإسلام الطقوسي " وهلم جرا .

 

ومعتصمنا من ذلك كله يتلخص في بداهة تسمية الإسلام باسمه ثم بتعريفه من خلال هذا الاسم في كل المستويات ،  لا ننقص ولا نزيد

 إن الإسلام لا يحتاج إلى تعريف بغير اسمه الخالص ، وإنه لمن الخطأ أو من الخطر الانزلاق إلى تعريفه بما يبعد به عن  اسمه القح ، حذرا من أن تمزق حقائق الإسلام كما حدث ولا يزال يحدث - وتوزع على أكياس " جانبية "  يسهل التخلي عنها  

وما أبعد ذلك عن قوله  تعالى : ( ذلك الدين القيم )  ، إذ معنى ذلك أن لهذا الدين  القوامة على غيره

معنى ذلك أنه ليس مجهولا لتعرف حقيقته بالقياس إلى غيره ، وإنما هو ( المعلوم ) الذي تعرف حقيقة غيره بالقياس إليه

وإنه لمن ظواهر الخروج على هذه الحقيقة الناصعة تقديم الإسلام باعتبار أن " الوسطية " هي القيمة الحاكمة فيه وعدسته اللامة ونقطة التركيز فيه ، والمزعج في هذا الطرح منبعه " الياء والتاء " المضافة إلى كلمة " الوسط " ، بجعلها " مصدرا صناعيا " ،  وما يؤدي إليه ذلك من مركزية  مفهوم " الوسطية " والتطرف فيه ،  إلى حد جعله محور الإسلام ،.

وإذا كانت الدعوة إلى الوسطية يقصد بها إدانة ما يسمى التطرف  باعتباره قيمة سلبية مَرضية تتسم بالخفة والتعجل ، فلا شك أن الإسلام وباسمه المراد من رب العباد يبرأ من التطرف كما يبرأ منه قادة كثر اتهموا به جهلا وبهتانا ، ولم أقرأ في إدانة التطرف أشمل ولا أدق ولا أعمق مما كتبه الشهيد سيد قطب في مقدمته للظلال عندما انطلق من " المنهج الإلهي " بقوله  : ( .. فالمنهج الإلهي - كما يبدو في ظلال القرآن - موضوع ليعمل في كل بيئة ، وفي كل مرحلة من مراحل النشأة الإنسانية ، وفي كل حالة من حالات النفس البشرية الواحدة . .

 وهو موضوع لهذا الإنسان الذي يعيش في هذه الأرض ، آخذ في الاعتبار فطرة هذا الإنسان وطاقاته واستعداداته ، وقوته وضعفه ، وحالاته المتغيرة التي تعتريه . . إن ظنه لا يسوء بهذا الكائن فيحتقر دوره في الأرض ، أو يهدر قيمته في صورة من صور حياته ، سواء وهو فرد أو وهو عضو في جماعة . كذلك هو لا يهيم مع الخيال فيرفع هذا الكائن فوق قدره وفوق طاقته وفوق مهمته التي أنشأه الله لها يوم أنشأه . . ولا يفترض في كلتا الحالتين أن مقومات فطرته سطحية تنشأ بقانون أو تكشط بجرة قلم ! . . الإنسان هو هذا الكائن بعينه . بفطرته وميوله واستعداداته يأخذ المنهج الإلهي بيده ليرتفع به إلى أقصى درجات الكمال المقدر له بحسب تكوينه ووظيفته ، ويحترم ذاته وفطرته ومقوماته ، وهو يقوده في طريق الكمال الصاعد إلى الله . . ومن ثم  فإن المنهج الإلهي موضوع للمدى الطويل - الذي يعلمه خالق هذا الإنسان ومنزل هذا القرآن - ومن ثم لم يكن معتسفا ولا عجولا في تحقيق غاياته العليا من هذا المنهج . إن المدى أمامه ممتد فسيح ، لا يحده عمر فرد ، ولا تستحثه رغبة فان ، يخشى أن يعجله الموت عن تحقيق غايته البعيدة ؛ كما يقع لأصحاب المذاهب الأرضية الذين يعتسفون الأمر كله في جيل واحد ، ويتخطون الفطرة المتزنة الخطى لأنهم لا يصبرون على الخطو المتزن ! وفي الطريق العسوف التي يسلكونها تقوم المجازر ، وتسيل الدماء ، وتتحطم القيم ، وتضطرب الأمور . ثم يتحطمون هم في النهاية وتتحطم مذاهبهم المصطنعة تحت مطارق الفطرة التي لا تصمد لها المذاهب المعتسفة ! فأما الإسلام فيسير هينا لينا مع الفطرة ، يدفعها من هنا ، ويردعها من هناك ، ويقومها حين تميل ، ولكنه لا يكسرها ولا يحطمها . إنه يصبر عليها صبر العارف البصير الواثق من الغاية المرسومة . . والذي لا يتم في هذه الجولة يتم في الجولة الثانية أو الثالثة أو العاشرة أو المائة أو الألف . . فالزمن ممتد ، والغاية واضحة ، والطريق إلى الهدف الكبير طويل ، وكما تنبت الشجرة الباسقة وتضرب بجذورها في التربة ، وتتطاول فروعها وتتشابك . . كذلك ينبت الإسلام ويمتد في بطء وعلى هينة وفي طمأنينة . ثم يكون دائما ما يريده الله أن يكون . . والزرعة قد تسفى عليها الرمال ، وقد يأكل بعضها الدود ، وقد يحرقها الظمأ . وقد يغرقها الري . ولكن الزارع البصير يعلم أنها زرعة للبقاء والنماء ، وأنها ستغالب الآفات كلها على المدى الطويل ؛ فلا يعتسف ولا يقلق ، ولا يحاول إنضاجها بغير وسائل الفطرة الهادئة المتزنة ، السمحة الودود . . إنه المنهج الإلهي في الوجود كله . .  ولن تجد لسنة الله تبديلا  . .

 والحق في منهج الله أصيل في بناء هذا الوجود . ليس فلتة عابرة ، ولا مصادفة غبر مقصودة . . إن الله سبحانه هو الحق . ومن وجوده تعالى يستمد كل موجود وجوده :   ذلك بأن الله هو الحق ، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ، وأن الله هو العلي الكبير  . . وقد خلق الله هذا الكون بالحق لا يتلبس بخلقه الباطل:  ما خلق الله ذلك إلا بالحق  . .  ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك !  والحق هو قوام هذا الوجود فإذا حاد عنه فسد وهلك :  ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن  . . ومن ثم فلا بد للحق أن يظهر ، ولا بد للباطل أن يزهق . . ومهما تكن الظواهر غير هذا فإن مصيرها إلى تكشف صريح :  بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق  . .

 والخير والصلاح والإحسان أصيلة كالحق ، باقية بقاءه في الأرض :   أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ، فاحتمل السيل زبدا رابيا ، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ، زبد مثله . كذلك يضرب الله الحق والباطل . فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . كذلك يضرب الله الأمثال  . . .   ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء  . .

 أي طمأنينة ينشئها هذا التصور ؟ وأي سكينة يفيضها على القلب ؟ وأي ثقة في الحق والخير والصلاح ؟ وأي قوة واستعلاء على الواقع الصغير يسكبها في الضمير ؟

 إنه لا صلاح لهذه الأرض ، ولا راحة لهذه البشرية ، ولا طمأنينة لهذا الإنسان ، ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة ، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة . . إلا بالرجوع إلى الله . .

 والرجوع إلى الله - كما يتجلى في ظلال القرآن - له صورة واحدة وطريق واحد . . واحد لا سواه . . إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم . . إنه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها . والتحاكم إليه وحده في شؤونها . وإلا فهو الفساد في الأرض ، والشقاوة للناس ، والارتكاس في الحمأة ، والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله:   فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم . ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين  . . ) اهـ

و هنا فإننا نبتعد عن خطر التطرف ببساطة الدعوة إلى " منهج الله ".

أما في الدعوة إلى الوسطية فنجد أنفسنا متورطين في شبهة " الوسطية  المتطرفة "  من ناحية ، وشبهة التمذهب بفرقة جديدة من ناحية أخرى

 

وبيان ذلك تفصيلا يتضح من حيث نجد أنفسنا بدعوة الوسطية أمام اتجاهات ثلاثة : الوسطية كجامع بين الطرفين ، والوسطية  كنقطة فاصلة بينهما ، والوسطية باعتبارها التزاما بالأصل دون تزيد أو تنقص

 

صحيح أن بعض أعلامنا السابقين تحدثوا عن " الوسطية " كالإمام الغزالي والرازي من القدماء ، والدكتور محمد عبد الله دراز من المحدثين ، أنظر كتابه المختار من كنوز السنة ص 320 - 3321

 

 لكن علينا أن ندرك  الفرق بين أن يتخذ المفكر " الوسطية " مذهبا فكريا عاما يقيس الأشياء إليه ، في الفكر والفلسفة والدين والفن والسياسة والاقتصاد  ، وربما رأى هذا المفكر أن الإسلام بشموله يقع في دائرته الفكرية المذكورة أو لا يقع ، وبين أن تطرح الوسطية للتعريف بحقيقة الإسلام ، أو كقاعدة للتمييز بين ما يقبل ومالا يقبل من اتجاهات إسلامية مختلفة .

 

وعلى كل حال فإن أحدا من أعلامنا السابقين  لم يتطرف إلى الحد الذي جاء في طرح بعض المحدثين ، مع احترامنا لهم ، وإن خالفناهم الرأي

 فبعضهم لا يمل من ترديد مبدأ الوسطية كنقطة ضوء حاكمة كلما تحدث عن جانب من جوانب الإسلام ، أو قدم ما يراه فتوى من فتاواه

 وبعضهم يقرر أن هذه الوسطية الإسلامية بالنسبة للمنهج الإسلامي وحضارته هي عدسته اللامة لأشعة ضوئه ، وزاوية رؤيته كمنهج ، وزاوية الرؤية به أيضا .

وبعد أن ينفي أن تكون الوسطية في الإسلام هي النقطة الرياضية الثابتة والمستقلة والتي تفصلها عن القطبين مسافة متساوية  ،  يقرر أنها المنهج الذي يؤلف في التصور الإسلامي : بين الروح والجسد ، والدنيا والآخرة ، والدين والدولة ، والذات والموضوع ، والفرد والأمة ، والفكر والواقع ، والمادية والمثال ، والمقاصد والوسائل ، والثابت والمتغير ، والقديم والجديد ، والأصول والفروع ، والعقل والنقل ، والخصوصية والعالمية ، والحق والقوة ، والاجتهاد والتقليد ، والدين والعلم ، والعامة والخاصة ، إلى آخر هذه الثنائيات . مجلة " المسلمون " 9\12\ 1988

هكذا في كل مسألة من تلك المسائل وكل ثنائية من هذه الثنائيات يبحث المفكر عن الوسط لنطلق عليه اسم" الإسلام " ؟؟

ترى أين هو الإسلام أصلا ؟ وما دوره مع المفكر الذي يضع " الثنائية " ومن ثم يظهر له الوسط بينهما ؟

 

ويذهب البعض إلى أن الإسلام دين الوسطية : لأنه وسط بين اليهودية المادية والمسيحية الروحية بينما هما في الأصل شائعتان أطلقهما أشعب ؟!

1-       إشاعة عن مادية اليهودية ، واليهودية إنما هي تحريف للدين وابتداع فيه ، واتباع لأديان البشر الوضعية بتأثير الرغبة في متابعة " الحضارة " : بابلية أو فارسية أو فرعونية !!

2-       وإشاعة عن روحانية المسيحية ، والمسيح إنما جاء لا لينقض الناموس : ناموس اليهودية ، ولكن ليكمله كما ذكر عنه في الإنجيل

         وبولس الرسول الأشهر في المسيحية شاهر سيفه هناك على مدخل كنيسته بروما

        وتاريخ المسيحية منذ شبت عن الطوق في أوربا  حروب بغير نهاية

3-       ولو أن الأمر كذلك أي أن الإسلام وسط بين المادية اليهودية والروحانية المسيحية ؟ فماذا يليق بالملائكة الروحانيين  من بين هذه الأديان الثلاثة ؟ أهو شيء غير الإسلام ؟ وكيف وقد قال الله عنه " إن الدين عند الله الإسلام " ؟

 

ويقول أحد الكاتبين في الموضوع : ( عن الدين الإسلامي هو دين الوسطية في كل شيء ) مجلة الأزهر : يونيو ، 1981ثم يذهب يطبق ذلك على العقيدة مثلا في عقيدة التوحيد في الإسلام ، وأنه وسط بين طرفين في التأليه : طرف المبالغة والإفراط الذي يتمثل في تجسيد الإله ؛ أي اعتقاد أنه جسم وطرف المبالغة في التجريد الذي ظنته الفلسفة الإغريقية ومن نحا نحوها : تنزيها " فيصل عند فيلسوف إلى حد القول بأن الله لا يوصف بأنه موجود تنزيها عن  الصفة التي تقابلها العدم وتشترك فيها الموجودات .. ، وهو عند الأرسطيين مع أن أرسطو هو صاحب نظرية الوسطية : لاحظ هذا لا عمل له ولا إرادة ، وهو لا يعلم عن العالم شيئا ، إذ العالم ناقص ، والكامل لا يليق به أن يعلم بالناقص إلخ

 

والواقع أن الرد على أخطاء الفلاسفة في هذا الموضوع تكفل به الفكر الإسلامي دون أن يضطر إلى فكرة الوسطية ، إذ أن هؤلاء الفلاسفة خضعوا للمفاهيم البشرية في معنى "الوجود" و " العلم " ، أما في الإسلام فنحن نعتقد أن وجوده لا كوجودنا ، وعلمه لا كعلمنا ؛ انطلاقا من قوله تعالى " ليس كمثله شيء " وهذا النفي الوارد في هذه الآية لا يقترب من مفهوم الوسطية في شيء .

وكيف نقول عن عقيدة الألوهية في الإسلام : إنها وسط بين مذهب التجسيد ومذهب التجريد إذا كان كل منهما لا نصيب له من الألوهية ؟

كان من الممكن لمسلم أن يقول : إن الإسلام وسط لو اعترف بأن التجسيد ينطوي على شيء من الألوهية ، وأن التجريد ينطوي على شيء من الألوهية ، فيأتي من بعد هذين ليقول : وقف الإسلام موقفا وسطا ، أما وأن الدين الإسلامي حقيقة ثابتة قبل هذين ، ولا يعترف لأحدهما بألوهية ما ، فإنه لا يصح أن يقول : إن الإسلام وقف منهما موقفا وسطا ، ولكن عليه أن يقول : إن الإسلام ينفي صحتهما نفيا مطلقا .

 

ورجوعا إلى حقائق الإسلام أخطاء أأأ! :

 

(1)             أين هي الوسطية في إسلام الوجه لله ؟

( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) 65 النساء

( أ فغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) 83 آل عمران

( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ) 54 الزمر

 

(2) وأين هي الوسطية في إقدام إبراهيم على ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام ، ولم يكن إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ، ولا منحرفا عن جادة الإسلام ، ولكن كان حنيفا مسلما ، وما فعله لم يكن إلا ترجمة أمينة لعقيدة الإسلام ؟

 

(3) وأين هي الوسطية في الجهاد إلى درجة القتل والشهادة ؟ : (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) أين هي الوسطية في " أنفسهم وأموالهم " وإنه  ليستوي الإسلام في ذلك مع الرسالات السابقة على يد موسى وعيسى بنص الآية ؟

 

(4) وأين هي الوسطية في قوله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه الترمذي بسنده  عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم    ( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له )

 

(5) وأين هي الوسطية في لزوم الصوم  لمن لم يجد الباءة للزواج ( من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) .

 

(6) وما معنى وسطية الشجاعة بين الجبن والتهور ؟ مثلا ؟ هل يعني أن قليلا من الجبن مع قليل من التهور يصبح هو الشجاعة ؟ فأي فضيلة تلك التي تجمع بين رذيلتين ولا تكتفي برذيلة واحدة ؟

 

(7) وأين هي الوسطية في مفهوم الخير ؟ مثلا ؟

وسط بين ماذا وماذا ؟ أيعني هذا أن يكون مفهوم الخير أخذا من الشر الذي على اليمين ، وأخذا من الشر الذي على الشمال ؟ ومتى ولمَ- أصبح الشر شرين ؟ لمجرد أن يخدم نظرية الوسط ؟ فهلا كان أربعة أو ستا أو ثمانية ؟ وما بالنا لو كان عدده فرديا فاستعصى الأمر على التوزيع بين يمين وشمال ؟ وهلا كان مفهوم الخير متعددا كذلك فانقسم إلى نفسه وغيره ؟ !!

(8) وهل من الوسطية أن يقال في حلقة تليفزيونية في قناة " اقرأ " إن المسلم يجمع في عقيدته الإيمان باليهودية والمسيحية واٌلإسلام بينما كل من اليهودية والمسيحية لا يؤمن بالآخر ، ثم لينبري بعد ذلك القس أكرم لمعي ليصوب الأمر في حضور فضيلة المفتي - مبينا أن المسلم لا يؤمن بالمسيحية التي هي عند أصحابها لا تكون بغير الإيمان بالتجسد والتثليث ؟

 

الوسطية كوسط جامع :

بعد أن يقرر الكاتب الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة ونحن مع اختلافنا معه في موضوع الوسطية نكن له كل تقدير  في مجموع ما يكتب أنه لا يعني بالوسطية الإسلامية وسطية أرسطو التي كانت  كما يقول ( أشبه ما تكون بالنقطة الرياضية الثابتة والمستقلة ، والتي تفصلها عن القطبين أو الطرفين مسافة متساوية تضمن لها الوسط والوسطية . إنه نقطة رياضية ، وموقف ساكن ، وشيء آخر لا علاقة له بالقطبين اللذين تتوسطهما ) ..

يعود فيقرر أنه ( ليست هكذا الوسطية الإسلامية الجامعة ، كما حددها منهج الإسلام ، : إن الوسطية في التصور الإسلامي موقف ثالث حقا ، وموقف جديد حقا ..

والتوسط بين النقيضين المتقابلين  لا يعني أن هذا الوسط منبت الصلة بسمات القطبين المتقابلين وقسماتهما ومكوناتهما .. إنه مخالف لهما لكن ليس في كل شيء ، وإنما خلافه لهما في رفضه الانحصار ، والانغلاق على سمات كل قطب من الأقطاب وحدها دون غيرها .

إن هذه الوسطية الإسلامية إنما يتمثل تميزها وتتمثل جدتها في أنها تجمع وتؤلف ما يمكن جمعه وتأليفه كنسق غير متنافر ولا ملفق من السمات والقسمات والمكونات الموجودة في القطبين كليهما ، وهي لذلك وسطية جامعة تتميز في التصور الإسلامي والمنهج الإسلامي عن تلك التي قال بها أرسطو ؟ ) لكن هل تميزت عن جدلية هيجل وماركس ؟ أنظر مقاله بجريدة المسلمون 9\ 12\1988

وليسمح لنا الأستاذ أن نتساءل هنا :

1-       فهل تعني هذه الوسطية الجامعة خلطا بين النقائض ؛ كأن يكون لدى كلٍّ منا كوب ماء ، فيضع أحدنا ملعقتي سكر في كوبه ، والثاني ملعقتي ملح في كوبه ، أما الثالث فيضع ملعقة سكر وملعقة ملح فيكون الأخير هو الذي يمثل الوسطية الجامعة ؟

فيضع في مذهبه شيئا من الحق وشيئا من الباطل؟

أو يضع في لوحته شيئا من القبح وشيئا من الجمال ؟

أو يضع في فعله شيئا من الخير وشيئا من الشر ؟

فإذا قيل : نعم ، يحدث في الحياة كواقع خلط ومزج كهذا ، فهل يجوز سحب ذلك على المثال المنشود ؟

وهل ينطبق ذلك على النموذج في الوسطية الإسلامية ؟

وهل ينطبق على القرآن الذي هو الفرقان ؟

أم أن الإسلام ينظر إلى هذا الخلط باعتباره ابتلاء يقتضي المجاهدة ، ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ، وما كان الله ليطلعكم على الغيب ، ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) - 179 آ ل عمران .

وهو خلط صائر حتما إلى وضع لا خلط فيه ولا مزج في يوم استحق من أجل ذلك أن يسمى " يوم الفرقان " كما استحق أن يسمى " يوم الفصل " ( ليميز الله الخبيث من الطيب ، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم ، أولئك هم الخاسرون ، قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ) 35- 39 الأنفال .

 

2-       وإذا لم تكن هذه الوسطية خلطا أ فتعني " نقصا " ؟ كأن يملأ الواحد منا كوبه تماما ويفرغ آخر كوبه تماما ؛ أما الثالث فيملأ نصفه ؟ فيكون هذا الأخير هو الذي يمثل الوسطية ؟

وماذا يكون الإسلام عندئذ ؟ أيكون هو الكوب الناقص ؟ كيف والله سبحانه وتعالى يقول ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ؟! 3 المائدة

 

الوسطية كنقطة فاصلة

من العلماء الذين ذهبوا إلى مذهب الوسطية الأخلاقية خاصة ، وأنها الوسط المعتدل بين طرفي الإفراط والتفريط الإمام الغزالي ، أنظر " تهافت الفلاسفة " ص 271 ، وميزان العمل ص  262  والرازي ، وبعض العلماء .

ومن المحدثين الدكتور محمد عبد الله دراز-  [1][1].أنظر كتابه " المختار " ص 320 ، 321 -الذي يميل إلى الأخذ بمذهب الوسطية في شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم لمن سأله : قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ؟ ( قال : قل آمنت بالله ثم استقم ) خرجه ابن حبان في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، وأبو داود ، والنسائي في السنن الكبرى والطبراني في المعجم الكبير إذ يفسر الاستقامة بالاعتدال ثم يفسر الاعتدال بما ليس فيه إفراط أو تفريط ، وهذا كما يكون في الأعمال يكون في الأخلاق ، ويكون في الآراء ، ثم يفسر هذا الاعتدال بأنه كل ما لا يصل إلى الأطراف ، و( يسمى توسطا واعتدالا ، والتوسط الحقيقي هو الأخذ بأوسط الوسط وأعدله وهو ما يكون بعده عن الطرفين بنسبة واحدة ، فلا يميل إلى أحدهما ميلا ما ، وهذه استقامة الخواص ، وإنها لعسيرة .... ) 

ولكن ما علمنا أن أحدا منهم ذهب إلى أن الوسطية هي جوهر الإسلام أو مقياسه الذي يرجع إليه .

ومن الغريب أن الدكتور دراز وهو يقرر ما يقرره في النظرية الأخلاقية يعترف بأن معرفة الوسط أمر عسير ، ولم يلتفت إلى أن هذا العسر يلقي بشبهة على الموضوع برمته .

إنه يقول مثلا عن هذه الوسطية : ( وليس العسر في سلوكها والتزامها فحسب ، بل إن معرفة الوسط الحقيقي الذي ينبغي سلوكه من أشد الأمور عسرا ، ذلك أن بين الطرفين مدى واسعا تضل فيه المقاييس ، وتطيش الموازين والحدود ، متاخمة للأوساط ملاصقة لها ، فيصعب ضبط هذه الأبعاد وتحديدها إلا على من هدى الله )

 

وفي رأينا :

أن الجمال أو الخير أو الحق أو الإسلام لا يمكن أن يكون جامعا بين أمرين كلاهما قبح أو شر أو باطل أو كفر .

ولا يمكن أن يكون محض نقص في أمر هو قبح أو شر أو باطل أو كفر

ولا يمكن أن نطبق عليه مبدأ الجدلية المادية القائلة بتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية أو كيفية .

ولا يمكن أن يكون نقطة في خط ممتد كله باسم القبح ما عدا هذه النقطة ، أو ممتد كله باسم الشر ما عدا هذه النقطة ، أو ممتد كله باسم الباطل ما عدا هذه النقطة ، أو ممتد كله باسم الكفر ماعدا هذه النقطة .

وإنما هو جوهر مختلف اختلافا ذاتيا .

يمكن أن نصفه بأنه مركب من عناصر ذاتية .

ويمكن أن نصفه بأنه مبرأ  من عناصر غيرية .

ولكن لا يمكن أن نصفه كما هو الذهب - بأنه الجوهر الذي ينقصه العفن ، أو أنه هو الجوهر المركب من التراب على يساره والعفن على يمينه ، أو أنه نقطة بين التراب والعفن .

كلا .

إن الشجاعة التي يقولون عنها إنها وسط بين التهور والجبن : ليس فيها شيء من التهور أو من الجبن ، ولا هي نقطة بينهما ، ولا يمكن ان نطبق عليها مبدأ الجدلية المادية القائلة بتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية أو كيفية ، إنها تختلف جوهريا عن كل ما حواليها .

إن الشجاعة مركبة ؟ ربما ، ولكن المؤكد أنها ليست مركبة من أضدادها ، ولا من يمين ويسار ، إنها مركبة من مجموعة من الفضائل ، ربما ، وقد نقترح أن تكون مركبة من الروية في التفكير ، والاستعداد للتضحية ، والإيمان بالهدف ، والتشبع بالمروءة هي بذلك جوهر مختلف عن جوهر الجبن ، وهي بذلك أيضا جوهر مختلف عن جوهر التهور ..

 

الوسطية موقف مفتعل

وأنت عندما تتحدث عن الوسطية فإن هذا يعني أنك أنت الذي اخترت مقدما نقطة من بين نقاط كثيرة ثم نثرت الآخرين على الجانبين ، وكل مذهب يمكنه أن يفعل ذلك .

المسيحية مثلا في التثليث يمكن أن تطرح نفسها على أنها وسط بين الشرك الواسع والواحدية المطلقة .

واليهودية مثلا في عقيدة الشعب المختار يمكن أن تطرح نفسها على أنها وسط بين المسيحية التي تطرح الخطيئة على أكتاف البشر جميعا وبين الإسلام الذي يقرر أنه لا تزور وازرة وزر أخرى .

ويمكن للشيوعية مثلا أن تطرح نفسها على أنها وسط بين التملك الرأسمالي والتجرد الصوفي .

ويمكن للديموقراطية الجمهورية أن تطرح نفسها على أنها وسط بين الملكية والفوضوية ..

ويمكن للمذهب الفلسفي " اللاأدرية " أن يطرح نفسه على أنه وسط بين " اليقينية " و "العنادية " إلخ

 

الوسطية تفتقد الذاتية أصلا :

إن الوسطية إذا سايرنا أصحابها تعني انتظار ما يقوله الآخرون  ، وابتناء موقفها - بالتبعية- على مواقفهم بالأصل .

إن الوسطية هنا مع كونها مخالفة في الظاهر للمذاهب التي على اليمين أو التي على اليسار هي في حقيقة الأمر رد فعل  لهما ، وتعني التبعية لهما بوجه من الوجوه .

وفي هذا يحذرنا الله سبحانه وتعالى في تأكيده على مفهوم الحق ، وأنه مفهوم مستقل تماما . ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ) 71 المؤمنون .

( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) 105 الإسراء

( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) 81 الإسراء

ويؤكد قوامة دينه على كل شيء :

معنى ذلك أنه ليس المجهول الذي يعرف بالقياس إلى غيره ، وليس المنسوب الذي يرجع إلى نسب خارج عنه  ، وإنما هو المعلوم الذي تعرف حقيقة غيره بالقياس إليه ، وهو الأصل الذي ترجع إليه الأمور : بالتصويب أو بالتخطئة . وما هكذا يكون منهج الوسطية.

وفيما يلي نتحدث عن " الوسط " في النصوص الإسلامية

 

------------------------------

[1]أنظر كتابه "المختار " ص 320 ، 321