اليمين الأوروبي المتطرف يؤجج نيران الكراهية والصراع

 

 

 

بقلم: أسامة رشدي

 

كتبت قبل ثلاثة أعوام وبالتحديد في 26 يناير 2003 مقالا في موقعي "المحروسة" بعنوان ((في هولندا قزمة جديدة تحاول تسلق جدار الإسلام))* لمعالجة بدايات هذه القضية التي نحن بصددها الآن، والقزمة المقصودة هي لاجئة صومالية  من مواليد 1969 لم يكن مر على لجوئها لهولندا سوى 10 أعوام، أظهرت نبوغها في التطاول على الإسلام  فجرى انتخابها كنائبة في البرلمان الهولندي على قائمة حزب الشعب الحر الديمقراطي (VVD) -الحزب الثاني في هولندا والمشارك في الحكومة الحالية- وذلك في الانتخابات التي جرت في 22 يناير 2003. حيث وضعوا اسمها في موقع متقدم على لائحة الحزب المذكور صاحب الأجندة المعادية للأجانب وخاصة المسلمين حيث سبقت في ترتيبها العديد من مخضرمي الحزب وسياسييه بل ومنحت حقيبة الأجانب في الحزب.

ومن عينة تصريحاتها ننقل إليكم جانبا مما قالته في حوارها مع صحيفة تراو اليومية الهولندية بتاريخ 25 يناير 2003 عقب فوزها فقالت  –عليها من الله ما تستحق-: (((( إن محمدا طبقا لقيمنا الغربية هو إنسان ضال وطاغية مستبد.. إنه ضد حرية التعبير، إذا لم تفعل ما يقول لن تكون نهايتك مرضية. هذا يعطيك خلفية عن الأشرار في الشرق الأوسط مثل ابن لادن والخوميني وصدام . هل تتعجب من وجود صدام حسين؟ إن محمد هو مثله الأعلى. إن كل المسلمين مثل محمد فهل تتعجب من وجود الكثيرين من المسلمين يمارسون العنف؟ ستصعق عندما أقول هذا الكلام، ولكنك ستكون مخطئا كما معظم الهولنديين الأصليين. لا تنسى من أين أنا أتيت؟.. أنا كنت مسلمة. أنا أعرف عن ماذا أتحدث. إن حرية التعبير هنا هي أكبر إله مهدد من قبل أتباع محمد.)))

 

وهكذا كلما شعرت هيرسي علي بالإطراء والتقدير من اليمين المتطرف  بل واختاروها كأفضل برلمانية العام الماضي، كلما تمادت في تصرفاتها الشائنة في ظل تقاعس المسلمين والدول الإسلامية عن التعاطي بجدية مع مثل هذه التصرفات الشائنة التي تصدر عن نائبة وليست مواطنة عادية كان ينبغي أن تشعر بالمسئولية عما تقول.

ولكن الساسة في هولندا في كل مرة يرددون أن ما تقوله هو من باب حرية التعبير!!

 

فتمادت هذه النائبة المرتدة بعمل فيلم تليفزيوني مع المخرج الهولندي"ثيو فان جوخ" بعنوان (الرضوخ) حيث أمعن الفيلم في تشويه صورة الإسلام والقرآن بشكل استفز المسلمين في هولندا والعالم، فكان أن قام هولندي مسلم من أصل مغربي بقتل هذا المخرج، وتوترت بالتالي الأوضاع بعدها سواء بين المسلمين والهولنديين في هولندا التي فوجئ الرأي العام فيها بهذا العمل، أو على الصعيد الأوروبي الذي بدأ يشعر بالقلق نتيجة ما اعتبروه تهديدا لحرية التعبير، بدون النظر لأسباب القضية وتعقيداتها، وهو ما كنا نخشاه من البداية ونحذر منه لأن الاستهانة بالمقدسات لا يمكن توخي نتائجه وعواقبه.

 

الجهل سيد الموقف

 

اليمين المتطرف الأوروبي يعاني من جهل مزمن بحقيقة الأمور التي يخوض فيها، وحساسية القضايا التي يتعرضون لها سواء التعرض لشخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أو القرآن الكريم أو الدين الإسلامي نفسه وهم يظنون أنهم بذلك يستفزون المتطرفين المسلمين ولا يدركون أن هذه السلوك يستفز جميع المسلمين على وجه الأرض.

ومن ناحية أخرى فإنهم فشلوا في التفريق بين الإسلام ومقدساته كدين سماوي يؤمن به أكثر من مليار مسلم حول الأرض وبين تصرفات بعض المسلمين التي ليست فوق مستوى النقد أو القبول أو الرفض، كأي شعب من شعوب الأرض.

وهنا يكمن الجهل الذي يقودهم للاعتقاد بأن النيل من مقدسات المسلمين وإهانة رموزهم الدينية هو جزء مما يسمى بالحرب على الإرهاب.

 

أكذوبة حرية التعبير

 

المدافعون عن الرسومات المهينة والمسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم والتي نشرتها صحيفة "يولاند بوستن" الدنماركية ونقلتها عنها بعض الصحف الأوروبية أمس في محاولة لتشتيت الانتباه وإظهار التعاطف مع الصحيفة المخطئة  بزعم أنه لا حماية لأحد من التهكم!!.

 

هذه المواقف العنصرية ليست إلا محاولة فاشلة للانتصار للهمجية البعيدة تماما عن الشعور بالمسئولية باسم الحرية التي ينبغي أن تراعي الشعور العام عند معالجة القضايا ذات الحساسية.

 

والجميع  يدركون أن هناك من القضايا التي لا يجرؤ أي صحفي أو سياسي على إثارتها وإلا فإنه يكون قد حكم على نفسه بنهاية مستقبله المهني أو السياسي.

 

و في السنوات الماضية اتخذت أقسى الإجراءات ضد وسائل الإعلام العربية بزعم إساءتها لمشاعر اليهود  كما حدث قبل أكثر من عام عندما أوقفت فرنسا بث تليفزيون المنار على القمر الأوروبي "يوتيلسات" وقامت الدول الأوروبية لاحقا بمنع القناة من ممارسة العمل على أراضيها .. ولم يقل أحد يومها ممن يتشدقون بحرية التعبير اليوم لماذا تصادرون حرية الرأي لهؤلاء الذين يكشفون جرائم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين؟!!

 

وعندما أذاع التليفزيون المصري قبل ثلاثة أعوام مسلسل كوميدي للمثل محمد صبحي بعنوان "فارس بلا جواد" قامت القيامة في الغرب  لمجرد أن المسلسل يشير لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون رغم أن المسلسل الكوميدي يخلط بين التاريخ والخيال.

وقد بدأت الحملة ضد المسلسل حتى قبل أن يبدأ عرضه وبشكل منظم. رغم أنه عمل درامي مصري باللغة العربية وسيعرض في مصر وغير موجه بحال من الأحوال لا لأوروبا ولا لأميركا؛ فإذا بالمظاهرات المنددة والاحتجاجات المنظمة تنطلق وتتصاعد، لتتحول إلى احتجاجات رسمية توالت، وتم استدعاء سفراء مصر في أكثر من عاصمة أوروبية لإبلاغهم بالاحتجاجات الرسمية، وعقدت جلسات لبعض البرلمانات الأوروبية لمناقشة المسلسل الرمضاني المصري ونددوا بعرضه وطالبوا باتخاذ الإجراءات ضد مصر بزعم أن معاهدات الشراكة الأوروبية المتوسطية  تمنع الدعاية ضد الصهيونية، حدث هذا رغم أنهم لم يشاهدوا المسلسل ولم تتم ترجمته إلى لغاتهم !!.

ولم يقل أحد يومها ممن يتشدقون اليوم بالحرية  أنه لا يوجد أحد فوق التهكم، وأن من حق الفنانين المصريين أن يعبروا عن آرائهم بحرية وأن يتهكموا بأريحية.

 

صحيفة الأهرام المصرية ورئيس تحريرها السابق إبراهيم نافع والصحفي المصري عادل حمودة كانوا متهمين قبل ثلاث سنوات في إحدى القضايا في فرنسا بسبب نشرهم لمقال اعتبر ماسا لمشاعر اليهود.

 

ولن نتحدث عن العديد من المفكرين الغربيين الذين قضوا فترات في السجون وتسببوا في خراب بيوتهم وإعلان إفلاسهم بسبب الديون التي ترتبت على القضايا التي رفعت عليهم لنشرهم بعض الكتب والأبحاث العلمية التي تشكك في أعداد ضحايا المحرقة وخلافه من الأمور التي تحظر القوانين الأوروبية مجرد الحديث عنها ولو كان من باب البحث التاريخي الوثائقي العلمي.

 

هناك الملايين من الأوروبيين يرفضون الشذوذ الجنسي وزواج المثليين وخلافه ولكن هل يجرؤ واحد منهم عن التعبير عن رأيه في صحيفة "اليولاند بوست" باسم حرية التعبير؟ بالطبع لا لأن هناك قوانين تردعهم وتمنع تحقيير أو ازدراء أي طائفة في المجتمع. إلا المسلمين بالطبع!!

 

فكيف يستنكر البعض علينا في هذا السياق أن نغضب من إهانة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ومن تصويره بأبشع الصور وهو خاتم الأنبياء والمرسلين الذي يجله ويؤمن به أكثر من مليار مسلم حول العالم؟.

 

في العام الماضي اعتصم المئات من البريطانيين السيخ أمام مسرح في مدينة بيرمنجهام كان يعرض مسرحية تجري وقائعها في معبد سيخي ورأى السيخ أنها تسيء لدينهم  وعقيدتهم وبعد ليلة من الاعتصام جرى إلغاء العرض المسرحي المسيء على الرغم من اعتبار البعض الآخر بأن القرار يخل بحريتهم في التعبير، إلا أن الحكومة البريطانية أدركت أنه ينبغي الموازنة بين حقوق المواطنين جميعا، وأنه لا ينبغي إعطاء طرف الحق في ازدراء عقائد الطرف الآخر وهذا ما ينبغي التوصل إليه.

 

ونحن كمسلمين علمنا ربنا وأمرنا تبارك وتعالى أن لا نسب عقائد الآخرين فقال تعالى (( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون))

 

وهذه الآية محكمة وينبغي العمل بها إلى أن تقوم الساعة، ولذا فإن موقفنا ينطلق من مبدأ عام مبني على وجوب احترام كافة الرموز الدينية لكل أصحاب العقائد والأديان.

 

وأن يكون الحوار حول الأديان والعقائد بالتي أحسن كما قال تعالى ((وجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن))

 

إن المسلمين ليسوا ضد حرية التعبير وحرية الرأي بل نحن نناضل من أجل ضمان حرية التعبير والرأي في بلادنا، فهذه قيمة إنسانية عظيمة ينبغي صيانتها وممارستها في إطار المسئولية.

 

وكذلك فإننا نرى أن تصرفات المسلمين كأفراد وكجماعات وكدول ليست فوق مستوى النقد، أوالقبول والرفض، وبالتالي فنحن كمسلمين نقدر حرية الإعلام وحرية الرأي ولا نسعى للحصانة من النقد والاختلاف.

 

وتبقى كلمة لأمتنا

 

لقد حققنا والحمد لله في هذه الأزمة الأخيرة قدرا كبيرا من الوحدة والتوحد والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصلت هذه القضية إلى كل بيت من بيوت المسلمين في أطراف الأرض وحصلت على تعاطف الغالبية العظمى حتى من العقلاء والحكماء في الغرب الذين يستنكرون معنا مثل هذه التصرفات المشينة في حق الإسلام ورموزه ومقدساته .

 

ولذا فينبغي المحافظة على ما تحقق بفضل الله ثم بفضل جهود المخلصين في مشارق الأرض ومغاربها وألا تشوه هذه الصورة وهذا المشهد الرباني التضامني العالمي بأي عمل خارج عن إطار التعبير السلمي والضغط الاقتصادي والثقافي والدبلوماسي الكفيل وحده للوصول للنتيجة المرضية بإذن الله، حتى نعيد الاعتبار لمقدساتنا ورموزنا وحتى يفهم القاصي والداني أن هذه الحرية لا ينبغي أن تكون على حساب مشاعر هذه الأمة.

 

 

إننا نرى أن أي عمل أو تصريح خارج هذا الإطار سيضر حتما بهذه الجهود الإسلامية الدولية التي تبلورت والتي نأمل أن تثمر ميثاق شرف دولي نطالب الأمم المتحدة برعايته وكذلك الشرفاء من الإعلاميين حول العالم للتأكيد على احترام حرية العقيدة ومكانة الأنبياء والرسل والرموز الدينية.

 

نناشد الجميع بالتزام الحوار والعمل الدبلوماسي الحكومي والشعبي السلمي للوصول للنتيجة المرجوة.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.