نهاية
مؤرخ شجاع
بقلم :د. أحمد نوفل
من المفارقات
العجيبة، هذا التزامن المريب والمثير، بين الرسوم المثيرة للعداء والاشمئزاز
والمسيئة لأكبر أمم الأرض، والتي رفضت أوروبا كلها الاعتذار عنها، وبين محاكمة
المؤرخ الانجليزي «ارفنج» الذي جرت محاكمته في النمسا بتهمة
الاساءة لقدس أقداس العالم «قدس الله سرها»، المصونة
التي لا يجوز المساس بها، أو الغض من شأنها، أعني «الهولوكوست»، أو المخرقة. فقد كتب هذا المؤرخ الكبير قبل سبع
عشرة سنة كتاباً بذل فيه ثلاث عشرة سنة من الجهد حتى أخرجه، والكتاب جهد تاريخي في
مناقشة المحرقة أو المخرقة، مناقشة علمية بحثية علمية موضوعية لا قذف فيها ولا شتم
ولا تحقير، ولا معاداة للسامية غير السامية..
ولا تهكماً من
اليهود، المقدسين، معاذ الله. فهذا ما لا يخطر لاحد على بال، ولا يفكر فيه، ولا يجرؤ عليه أحد، ان فكر فيه..
ومع هذا، يقدم هذا المؤرخ
الشجاع للمحاكمة، فلا تتدخل بريطانيا العظمى في الدفاع عن مواطن انجليزي، وهي التي
تملأ الدنيا ضجيجاً وعجيجاً ان مس مواطن من مواطنيها،
ولكن يبدو أن المس ان كان بسبب اليهود، فإن التخلي هو
الحل، ونكتشف فجأة ان الذي يتكلم عن المحرقة بغير كلمة «آمين»،
حكمه أن يسجن خمس عشرة سنة، قد تخفف لظروف مخففة، لكن هذا أصل الحكم. ويعتذر
المؤرخ الشجاع، ويقول: ان التاريخ شجرة ضخمة نكتشف كل
يوم منها جديداً، وقد ثبت له أن المحرقة بكل ما قيل عنها من قبل «السدنة» و«الكهنة»
الذين يستعبدون الناس بها ويعبّدونهم لها، كله صحيح،
وأن المؤرخ: يبدي الندم، ويقبل القدم، على غلطته في حق خير الأمم، فهل يغفر له؟
والجواب عند المحكمة: ان الاساءة
قد حصلت، ولا تصلح التوبة الآن ما قد أفسده الكتاب، وأثاره من عنصرية وأحقاد وأضغان. وبناء عليه فإن المحكمة
قررت أن يغرم ثلاثة ملايين من الجنيهات «فأفلسوه..» وأن يسجن المؤرخ ثلاث سنوات
على رأي رآه، وفكر تبناه، وكل الذي قاله: ان المحرقة
بحاجة الى مراجعة، وأن لا نأخذ أي شيء من المسلّمات. وهذه
الكلمة هي المفتاح السحري لنهوض أوروبا: كلمة ديكارت الملخصة لمنهجه في الشك وهي
أصل الدراسات الأوروبية والبحوث العلمية عند القوم، فلما زاولها شخص ضمن ميدان
تخصصه وجد نفسه بين جدران السجن، ليكتشف المسكين أنه ليس كل ما يعلم يقال ان منهج الشك يمكن ان يطبق في
ميدان الأديان بلا أدنى حرج، فإذا قالت الأديان: الله موجود، فلمفكر ان يقول: انه غير موجود. ولفيلسوف ان
يقول بنظرية موت الاله.. كل هذا متاح، ولمن هب ودب أن
يجدّف على الأنبياء، أو يصورهم في السينما كيف يشاء، كل هذا مباح. لك أن تقول في كل شيء ما تشاء، لكن ليس لك
الحق مطلقاً ان تتكلم عن المحرقة بأسلوب بحثي علمي. ولقد
قدم جارودي من قبل للمحاكمة بتهمة المساس بقدس أقداس «خير»
الناس بل كل الناس، محرقة الانجاس.. وحكم عليه بالسجن
مع وقف النفاذ لسنّه، وبغرامة نصف مليون، وأن لا ينشر له شيء مطلقاً لا مقال ولا
كتاب، وأن تمتنع أي دار نشر عن بيع كتبه السابقة «يعني أعدموه اذ..
أعدموا فكره وحريته: والفتنة أشد من القتل».