العلمانيون ومغالطة المادة الثانية من الدستور

 

 

 

د. محمد يحيى

 

تقوم الطروحات العلمانية في العالم العربي في الفترة الحالية على مجموعة من المغالطات التي لا تصمد أمام أي تحليل نقدي لكنها فقط تروّج بفضل الإلحاح الدائب عليها وبثها للناس من وسائل إعلام احتكارية مغلقة على أصحابها ولا تسمح للرأي الآخر، ـ وهو هنا الرأي الإسلامي ـ بالنفاذ إلى الجمهور، رغم أن هذا يحدث في بلاد إسلامية، كما أن المغالطات العلمانية تروج لنفسها استثناءاً على أنها تعبر بشكل واضح أو مستتر عن الرأي الرسمي سواء للحكام أو لدوائر قوية في صياغة أسلوب الحكم. ومن المغالطات العلمانية التي راجت أخيراً مغالطة تتعلق بوضع الإسلام في الدساتير في الدول العربية سواء من ناحية النص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة أو من ناحية النص الدستوري على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

 

وتثور هذه المغالطة مع وضع دساتير جديدة أو تعديل الدساتير القائمة في عدة بلدان عربية منها مثلاً العراق ومنها ما يتردد الآن في مصر عن توجه الحكم إلى إدخال تعديلات على الدستور المصري القائم منذ عام 1971.

 

ورغم أن التعديلات في الحالة الأخيرة مدفوعة أساساً بالرغبة في تذليل عملية نقل وتوريث السلطة وعملية الاندماج في تيار العولمة السائد من ناحية تبني المفاهيم الرأسمالية لتحل محل مفاهيم أخرى اشتراكية أو اجتماعية كانت سائدة إلا أن قضية المادة الثانية من الدستور [الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع] أقحمت فجأة ومن جانب الدوائر العلمانية الناشطة في الإعلام الرسمي المصري في الموضوع بدون سبب ظاهر أو معلن.

 

لكن السبب الحقيقي هو أن عملية نقل وتوريث السلطة والاتساق والتمشي مع المطالب الأمريكية والغربية منه يسمى بالإصلاح السياسي [وهو السبب المعلن والمضمر كذلك وراء طرح قضية التعديلات الدستورية] تقتضي التحول إلى نظام علماني صريح وهو في الواقع المطلب الغربي الجوهري من مصر ومن أي بلد عربي آخر في تلك الفترة. بل إن إدخال نظام علماني هو من وجهة نظر الغرب السبب الوحيد الذي جعل البلاد الأوروبية بالذات [وأمريكا إلى حد أقل] تقبل بأن يمر توريث الحكم في مصر من الوالد وهو الرئيس الحالي إلى الابن الأصغر وتقبل بإدراج مصر في منظومة النظام الرأسمالي المسمى بالنظام العالمي الجديد. وأياً كان الحال فإن المطلب العلماني عبّر عن نفسه كما هي العادة بالتستر والتمويه حيث طرح قضية وضع الإسلام في الدستور من خلال الحديث المبهم حول الإصلاح الدستوري والسياسي الذي يتفرد العلمانيون وحدهم بتحديد مضمونه.

 

وفي هذا الإطار ـ أي إطار المغالطات العلمانية ـ يكتب مثلاً أحد الصحفيين المقربين من نظام الحكم في مصر والداعمين لفكر العلمانية مقالاً مطولاً في جريدة 'الأهرام' الحكومية  [في 18] فبراير ليعلن خوف 'الكثيرين' [دون أن يقول من هم ومن قال إنهم كثيرون] من أن المادة الثانية من الدستور تمهد لقيام ما أسماه بدولة دينية على غرار إيران أو قد تستغل لتبرير تلك الدعاوى فوق أنها لا تنص على مصادر تشريع أخرى تفتح الباب لتطوير الأوضاع بما يتلاءم مع احتياجات العصر [وهو غمز ولمز من طرف خفي في الشريعة الإسلامية بمعنى أنها لا تصلح لذلك]. ووجه المغالطة الواضحة في هذا الكلام العلماني هو أن المادة الثانية قائمة منذ ما يزيد عن الخمسة وثلاثين عاماً ولم يستخدمها أحد في التمهيد لدولة دينية من أي نوع [على فرض أن الدولة الدينية أمر سيئ وهو غير صحيح أو على الأقل فرض يحتاج إلى مناقشة وليس بديهي كما يسعى العلمانيون إلى تصويره] وإنما كل أو أي إشارة إلى هذه المادة كانت تأتي فقط في نطاق بالغ الضيق في بعض قضايا الأحوال الشخصية حيث كانت تتهدد ثوابت الشريعة في هذا المجال من خلال المسعى العلماني الدائم لهدم أسس الشريعة في مجال الأسرة أو كانت الإشارة في إطار دفاعي وقانوني كذلك عندما كانت تجري محاولات علمانية لتسريب مبادئ لا دينية في مجالات كالتعليم مثلا.

 

لم يحدث إذن أي استخدام أو إشارة لتلك المادة الدستورية في إطار الدعوة إلى إقامة دولة دينية بل كل الذي صوره هو مجرد إشارات في أطر قانونية وفي سياق دفاع الخط الأخير عن الثوابت المطلقة للشريعة. وفي نفس الإطار لم تستخدم هذه المادة لإقصاء أي مصادر تشريعية أخرى إذ ظلت الحكومات المتتابعة على مر ما يزيد عن الثلاثين عاماً تصدر مئات التشريعات دون أن تشعر بأن المادة تضع قيداً على تشريعاتها التي كانت في أحيان كثيرة يناقض بعضها بعضاً ويستند إلى مصادر غير الشريعة الإسلامية. وحتى عندما كان بعض الأفراد أو الجهات تقوم بخطط تشريعية تحت عنوان تطبيق الشريعة الإسلامية ولو استناداً إلى تلك المادة [وهو شيء آخر غير الدعوة إلى إقامة دولة دينية لأنه يتعلق فقط بتشريعات قانونية محدودة للغاية] كانت الحكومة ترفض ذلك متعللة بنفس المادة الثانية من الدستور التي فسرتها المحكمة الدستورية العليا منذ ما يزيد عن الربع قرن [وهذا ما لا يشير إليه العلمانيون في نقاشهم] بأنها لا تعني تطبيق الشريعة بل هي بمثابة مناشدة شبه أدبية إلى المشرّعين أن يتحرّوا مبادئ الشريعة العامة أو ما أسمته بقطعية الثبوت والدلالة عند وضع التشريعات.

 

إذن المغالطة العلمانية واضحة تماماً في هذا الموضوع لكن العلمانية لا تعتمد في طروحاتها الحالية إلا على التدليس والتزوير مستندة إلى إعلام احتكاري وسند رسمي. وهذه فقط إحدى أكبر مغالطاتها الآن، وهي مغالطات كثيرة نحاول تعقبها الواحدة تلو الأخرى.