جريمتنا أم جريمة الغرب 6\7

(  الاستشراق )

 

 

 

 

بقلم:د. يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

 

ماذا يمكن للوفد الذي يخطط له الداعية الأستاذ عمرو خالد عندما يذهب إلى جحر الثعابين  للحوار بشأن الرسوم المسيئة ؟ ماذا يمكنه  أن يفعل في هذا المؤتمر الذي قام على أكذوبة (  أن  الحكومة الدنمركية – كما يقول الأستاذ نوفل المعاوي الكاتب التونسي المقيم بالنرويج في مقاله " ماذا وراء مؤتمر عمرو خالد في الدنمرك؟! " 07-3-2006  - ترغب فعلا في الحوار, في حين أن الواقع غير ذلك ، ولا تزال الحكومة الدنمركية – مصرة على الاستكبار والصلف والتجاهل لمطالب المسلمين في الدنمرك والعالم, وسياسة الهروب إلى الأمام, مشددة على ادعاء أن الأزمة التي أحدثتها الرسوم المسيئة لمقام النبي صلى الله عليه وسلم هي أزمة مختلقة

 

وإمعانا في المغالطة- كما يقول الأستاذ نوفل المعاوي - قامت الحكومة الدانمركية بتشجيع جمعية "شبكة المسلمين الديمقراطيين" التي يقودها النائب في البرلمان الدنمركي وعضو حزب اليسار الراديكالي, ناصر خضر ـ السوري الأصل ـ الذي عرف بإنكاره لأحكام الشريعة ، وقد ضمت هذه الشبكة مجموعة من العلمانيين من ذوي الأصول المسلمة ممن يجمعهم الحقد على الإسلام , …. وقد صرح ناصر خضر: "لقد اشترطنا على من يريد الانضمام إلينا  التوقيع على حقوق الحرية ، وأن يعترض على حكم الإعدام ، و الشريعة الإسلامية كقانون , بينما يحق له أن يعترف بها كدين لا دنيا"!

وقد سارع رئيس الحكومة إلى مقابلة قيادات هذه الجمعية التي يراد فرضها ناطقة باسم المسلمين في الدنمرك, لأنها تمثل الإسلام المطلوب, في حين لا يزال يرفض مقابلة القائمين على "اللجنة الأوروبية لنصرة خير البرية"، التي تمثل أغلب المسلمين في الدنمرك، أي أغلب الجمعيات والجاليات المسلمة الكبيرة فيها، وخاصة العربية والتركية والباكستاية والصومالية, و يرأسها الشيخ رائد حليحل . )

فأين يجد عمرو خالد نفسه بين الفريقين هناك ؟  وبخاصة – وكما يقول الأستاذ نوفل – بعد أن  ( صرح طارق رمضان المعروف بدعوته لما يسميه بـ"الإسلام الأوروبي" لبعض الصحف  قائلا: "أحمل الأئمة مسؤولية كل ما جرى, لأنهم حولوا القضية من شأن داخلي في الدنمرك إلى قضية عالمية"، وقد كانت تصريحات طارق رمضان تلك طعنة لأئمة المسلمين في الدنمرك بأنهم متطرفون لا يمثلون المسلمين المعتدلين, حسب توصيف الحكومة الدنمركية)

فأين يجد عمرو خالد نفسه بين الكفتين والحال أنه لقد أطلق دعوته دون تنسيق مع مسلمي الدنمرك والتزم مبدئيا بالتنسيق مع الحكومة الدنمركية, التي لم توجه لهم دعوة للحضور. كما التزم بالتجاهل التام لأئمة المسلمين في الدنمرك طبقا لما صرح بقوله : ( "لن ألتقي بالمتطرفين من الجهتين"، وهو انحياز شبه تام – أراد أم لم يرد - للحكومة الدنمركية التي تصف الأئمة بالتطرف, لأنهم قاموا واستنكروا الإساءة إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم أنهم لم يوصلوا الأمر إلى البلاد العربية والإسلامية, إلا بعد أن فشلت كل محاولات الحوار مع الحكومة الدنمركية … )

 

ويكشف الكاتب الأستاذ نوفل كشاهد مقارب لأحداث القضية عن كذبة أخرى راجت حول تأييد طائفة من كبار العلماء لدعوة السيد عمرو فيقول : ( , وقد ذكر لي الشيخ رائد حليحل, أنهم اتصلوا بجملة ممن ادعى عمرو خالد اعتزامهم المشاركة في مؤتمر الحكومة الدنمركية, فنفوا ذلك نفيا قاطعا مثل الشيخ سلمان العودة والأستاذ الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي والمفتي الأستاذ الدكتور علي جمعة, )

ثم يذكر نقاط الاعتراض على دعوة عمرو خالد لهذا المؤتمر كما أوجزها له الشيخ رائد حليحل - ومن أهمها : عدم التنسيق مع العالم الإسلامي ومرجعياته الدينية، بينما أن القضية تهم أمة المسلمين جمعاء, و لا يكفي فيها جهد فردي مهما كان تميزه. فضلا عن عدم التنسيق مع  مسلمي الدنمرك, الذين لم توجه الحكومة الدنمركية لهم دعوة للحضور

 

ويلفت الأستاذ نوفل – جزاه الله خيرا - النظر إلى الجانب الأهم في القضية وهو جانب المحافظة على إسلام الأجيال الجديدة من المسلمين في أوربا عموما والدانمرك خصوصا والذي لا يجوز لعاقل أن يضحي به مقابل حفلات التهدئة والتبرئة وتبويس اللحى المسماة " حوارا .  مجلة العصر 7\3\2006

 

 

أما نحن ولكي نلفت النظر هنا إلى المجرم الرئيسي القابع وراء هذه الأحداث : الاستشراق

فإننا نتساءل :  ماذا يمكن للوفد الذي يخطط له الداعية الفاضل الأستاذ عمرو خالد عندما يذهب إلى الدانمرك للحوار بشأن الرسوم المسيئة ماذا يمكنه أن يفعل بإزاء  مواريث الاستشراق تلك التي تظهر على  " جلد  الدراسات الإسلامية في جامعة أوسلو وهي تعتمد على كتابات  المستشرقين الممتلئة بالمغالطات و الجهالات ….  والتي أثمرت بعض ثمراتها  في البيان العدواني الدولي الذي أصدرته مجموعة من المفكرين والمثقفين ؛ يطالبون فيه  بالقيام بحرب على الإسلام ، بحجة أنه نظام شمولي يسعى إلى إقامة عالم تسوده الفوضى والحقد ؟؟  و نشرته صحف عديدة من بينها صحيفة "جيلاندر بوستن" الدنماركية التي كانت الحلقة الأولى في مسلسل نشر الرسومات الكاريكاتورية…

ووقع على البيان اثنا عشر شخصا : يأتي في مقدمته من النساء: تسليمة نسرين (كاتبة من البنغلاديش) ومن  الرجال : سلمان رشدي (صاحب آيات شيطانية) وابن ورّاق (صاحب كتاب "لماذا لست مسلما". المصدر : مجلة العصر

ويأتي هذا البيان كما علقت عليه مجلة العصر  :  ( ليؤكد النظرة العدائية التي يحملها الغرب عبر مؤسساته لكل القيم الإسلامية، ليس بغطاء "رُهاب الإسلام" كما يؤكد أصحاب البيان أنفسهم، ولكن بدعوى أنه دين لا يمكن التعايش معه ولا احترامه لأنه دين مبني على الحقد والكره والبغضاء، بحسب أولئك المفكرين…. )

ويفيدنا  الكاتب التونسي المقيم بالنرويج  نوفل المعاوي تحت عنوان " بين "الظاهرة العمرو خالدية" و أعداء الإسلام السافرين أن "  )  كتاب ابن وراق " لماذا لست مسلما" يعد ضمن المراجع الضرورية في إحدى مواد الدراسات الإسلامية في جامعة أوسلو, التي تقتصر فيها المراجع على غير المسلمين , اللهم إلا كتب طارق رمضان التي تحظى بحضور معتبر في الدراسات الإسلامية في جامعة أوسلو , والسبب معروف لمن يعرف أفكار رمضان الذي يشبهه بعض الدارسين الغربيين بلوثر... !! … إذ يعتمد في ذلك على كتابات أمثال المستشرق الألماني شاخت الممتلئة بالمغالطات و الجهالات ….  !! …

ثم يحذر صاحب التعليق ( من محاولات تمييع عقيدة الولاء و البراء التي يقوم بها العصرانيون … الذين يخدمون مخططات العدو وهم يحسبون أنهم يخدمون الإسلام , و لنا مثال فيما يخطط له عمرو خالد مع الحكومة الدنمركية من مؤتمر تسعى له لتبييض وجهها و عزل أئمة المسلمين في الدنمرك الذين كشفوها للعالم , تمهيدا لطردهم من البلاد) الأستاذ مصطفى فرحات بجريدة " العصر " الألكترونية :   بتاريخ 4 - 3 - 2006

 

***

ونتساءل نحن على هامش الدعوة إلى الحوار سؤالا نوجهه لأصحاب هذه الدعوة وأمثالهم   : كـيـف تريدون منا أن نرجع هذه العداوات جميعاً إلى سوء العرض منا ؟؟ أوسوء الفهم منهم ؟ وكأننا بقدر من سذاجة جميلة الملامح في وفد ربما كان بريء النوايا ، يمكننا  القضاء على المشكلة ؟

وإذا كان من الحق أن جدار " الغرب " الثقافي   الصفيق ــ مع توابعه من أبواق الإعلام الشرقي الرخيص  هو ما يقطع الطريق بين الحضارتين ….فإن جريمة " المؤسسة الاستشراقية " – كما جاء في التعليق السابق على سبيل المثال – تتمثل في كونها  الرافد الأساسي لهذا الجدار بل هي مهندسة بنائه   ، وأنها العامل الأساسي في تشويه صورة الإسلام عمداً في الغرب ، وهي لا تقتصر على صوت شاذ لمستشرق مفرد اسمه شاخت أو غيره من الأسماء ، ولكنها مصرف " غير صحي يستعصي على " التطهير " ما يزال متدفقا  بوساخاتهم منذ قرون وإلى اليوم .. ! لا يكاد يقضي عليه في نظرنا  غير طوفان كطوفان نوح  ، وبالتأكيد فإنه لا تزول منه قطرة بيد وفد دعوةٍ وإن حسنت منه النية  .

إن مثلهم في ذلك ومثلنا معهم كقوم نوح : إذ قال فيهم رسولهم عليه السلام شاكيا إلى ربه : ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ، ثم إني دعوتهم جهارا ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ) 5-9 نوح إلى أن قال : ( قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ،  ومكروا مكرا كبارا ،  وقالوا لاتذرن  آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ، وقد أضلوا كثيرا ، ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) وما أكثر أصنامهم اليوم تلك التي يعبدونها بعد أن ينحتوها ، وإن تبدلت أسماؤها .

وهم منذ أكثر من عمر نوح ، منذ أكثر من  ألف عام ، منذ أربعة عشر قرنا حتى اليوم وإلى غد وما بعد  غد يستزيدون ضلالا إلى ما كانوا فيه من ضلال : .إنهم يستزيدون ضلالا منذ قاوموا الدعوة الإسلامية التي وصلتهم طاهرة نقية في جنوب الامبراطورية الرومانية ، وقاوموها بسد الباب أمام دخولها إلى  فرنسا ، واشتدوا في مقاومتها بالحروب الصليبية ، وقاوموها بطمس ضوئها  بالأندلس ، وقاوموها بسعار محاكم التفتيش ،  وقاوموها بالقضاء عليها في يوغوسلافيا وعموم أوربا الشرقية ، وآسيا الصغرى والبلقان والقوقاز والهند والفيليبين ,وفي محاولاتهم المستميتة في الشرق الأوسط ..ينتقلون في كل ذلك من ضلال إلى ضلال ، ويستزيدون ضلالا إلى ضلال ، من ضلال الأحبار إلى ضلال الأمراء إلى ضلال المرجفين إلى ضلال المنافقين ، إلى ضلال المستشرقين إلى ضلال شعب ضل أكثرهم وما يزالون ، فحققوا  في أنفسهم  قول نوح عليه السلام ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا )

ولمن شاء أن يرجع  إلى رائعة الأستاذ الدكتور " ادوارد سعيد " عن دور المستشرقين في هذه المأساة وهذا التضليل ، بعنوان ( الاستشراق : الإنشاء . المعرفة . السلطة ) تعبيرا عما أسماه " شرقنة الشرق " ، هذه الشرقنة التي وضعت الإسلام فى سجن التصور الاستشراقي منذ صلة أوربا بالشرق حتى اليوم .

فأنى لنا أن نخرجه من هذا التصور السجين بينما لا يزال كبار المثـقـفين منا يَحرقون البخور تحت أقدام المستشرقين ؟

إنه بالرغم من ادعاء الغرب الموضوعية فى المنهج العلمي فقد أصبح من الواضح ــ طبقـاً لدراسة " ادوارد سعيد " - أنه فقد هذه الموضوعية تماماً فى دراسته للشرق في جميع أدواره ، إذ أصبح الشرق عنده هو الشرق الذى يصنعه لأغراض في المعرفة والسلطة ، أو هو الشرق الذي يشرقنه " على حد تعبير إدوارد سعيد " .

وكما يقول نورمان دارييل ــ حسب الدراسة التي قدمها د.إدوارد سعيد : ــ

لم يكن الغرب ليقبل أن ما يقول المسلمون إنهم يؤمنون به هو فعلاً ما يؤمنون به إلا بدرجة كبيرة من التقاعس .

فقد كان ثمة صورة مسيحية ــ أى عن الإسلام ــ لم يتخل الغرب عن تفاصيلها ــ حتى تحت ضغط الحقائق الواضحة ــ إلا إلى أدنى درجة ممكنة ، أما خطوطها العامة فإنه لم يتخل عنها أبداً .

وكانت جميع التصويبات التى أدخلت ... مجرد دفاع عما كان قد اتضح حديثاً أنه عرضة للنقد ، أى تدعيماً لبنية طرأ عليها الضعف ، فالرؤية المسيحية كان نُصُبًا عالياً لم يكن من الممكن أن يقوض حتى من أجل إعادة بنائه .)

وقد ازدادت ــ كما يقول د . إدوارد سعيد ــ هذه الصورة المسيحية المشوهة الصارمة للإسلام حدة وتوتراً بطرق لا تحصى .

كان بينها ــ خلال العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة تشكيلة واسعة .. وبحلول هذا الوقت كان الشرق الأدنى قد أدغم تماماً فى التصور المسيحي اللاتيني للعالم ، على نحو ما حدث فى أغنية رولان ، حيث تصور عبادات العرب على أنها تشمل ماهومت ، وأبولو.

وماهومت فى اللفظ الأوربى هو محمد  !!

وأصبح التصور المسيحي للإسلام ليس هو الإسلام نفسه بقدر ما هو تمثيل الإسلام للمسيحي فى القرون الوسطى .

 

وتستمر عملية التزييف للإسلام ــ فى الرؤية الغربية ــ منذ العصور الوسطى إلى اليوم .

يقول د. إدورد سعيد ( هكذا نجد فى القرنين الثاني عشر والثالث عشر تصديقاً عاماً لكون الجزيرة العربية على حواشي العالم المسيحي ملجأ طبيعياً للهراطقة العصاة .... بينما يأتى مستشرق باحث ومختص ألمعي زلق في القرن العشرين ليشير إلى أن الإسلام ليس في الحقيقة إلا هرطقة آرية من الدرجة الثانية .

وفى كتاب هام " المكتبة الشرقية " لبارتلمي ديربيلو ــ كتب في آخر القرن السابع عشر وظل المرجع الرئيسي السائد فى أوربا حتى أوائل القرن التاسع عشر ، نجده يقول عن أشرف خلق الله : ( هذا هو المنتحل المشهور ماهومت ، المؤلف والمؤسس لهرطقة اتخذت لها اسم الدين نسميها نحن "الماهومتية " ... وقد نسب مفسرو القرآن ، وفقهاء الشريعة الإسلامية أو الماهومتية إلى هذا النبي المزيف كل المدائح التي نسبها الآريون والبولسيون والهراطقة الآخرون إلى يسوع المسيح مجردين إياه فى الوقت نفسه من ألوهيته ... ) .

وهل يعرف القارئ ماذا فعل " دانتى " فى جحيمه الذي احتفل به نُخبة المثقفين في البلاد الإسلامية في العصر الحديث ، ورأوا فيه هرماً عالياً من أهرامات الثقافة الأوربية ، وقمة من قمم الأدب الأوربي ، ونشروه في طبعات مترجمة متتالية ، وأخذوا يقارنون بينه وبين رسالة الغفران ، ويعقدون الصلة بينهما دون أن يشيروا ولو من طرف خفي إلى تشويهه للإسلام ؟ أهم  بدون أن يقرءوه قد احتفوا به ونشروه ؟ أم احتفوا به ونشروه لأنهم وجدوا فيه بغيتهم حين قرءوه ؟

إنه وضع موميتو فى الدائرة الأعمق من الجحيم .. فـقـبل أن يبلغ دانتى إلى موميتو فى رحلته فى الجحيم يمر عبر دوائر تحتوى على أناس آثامهم من مرتبة أدنى " حتى إذا وصل إلى موميتو فإنه لا يبقى بعده فى الدائرة الأعمق غير يهوذا وبروتس ، ثم يصل إلى قعر الجحيم ، حيث يوجد الشيطان ذاته.

ولا نحدثك عن العقاب الذي فصله تفصيلاً في هذه الدائرة فهو مما لا يطاق ذكره فى هذه الإشارات .

وهكذا تظهر حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : إنهم يسبون مذمما أما أنا فمحمد !!

 

وبالرغم من أن سيمون أوكلى فى كتابه " تاريخ العرب " الصادر عام1708  قد أوضح دائماً ( أن الإسلام كان هرطقة مستنكرة ) فإن كشفه لحقيقة أن الأوربيين يدينون للمسلمين بأول ما عرفوه عن الفلسفة كان صدمة مؤلمة للجمهور الأوربي ، أدت إلى طرده من كمبردج عام 1709  .

وهكذا تظهر  صدقية ما يسمى " الحركة الراجعة " في الصلة بين النخبة والجمهور ، ومن ثم تظهر  أكذوبة الاعتذار بحياد الجمهور وهي مستمرة حتى اليوم

 

والحقد الأكبر لأوربا ضد الإسلام فيما يقوله هنرى بيرس .. يبدأ من ظهور الإسلام إلى اليوم إذ كانت نتيجة الغزو الإسلامي الذي بدأ في القرن السابع إزاحة مركز الثقافة الأوربية بعيداً عن البحر الأبيض المتوسط الذي كان آنئذ منطقة عربية وباتجاه الشمال.

 

وقد كان الشرق الإسلامي بخاصة هو الذي تحدى حركة الاستعمار الأوربي في العصر الحديث .

فــ ( بالنسبة لأوربا كان الشرق ــ باستثناء الإسلام ــ حتى القرن التاسع عشر ميداناً ذا تاريخ مستمر من السيطرة الغربية التي لم تنافس  .. إلا أن الشرق العربي والإسلامي بشكل عام كانا الوحيدين اللذين واجها أوربا بتحد لم تجد له أوربا حلاً على الأصعدة السياسية والفكرية ، ولزمن قصير : على الصعيد الاقتصادي أيضاً ...

لقد كان الإسلام دون شك استفزازاً حقيقياً بطرق عديدة . فقد كان قريباً من المسيحية قرباً مقلقاً جغرافياً وثقافياً .. وكان بمقدوره أن يفاخر بنجاحات لا تنافس عسكرياً وسياسياً ، بل إن ذلك لم يكن كل شئ ، فالأصقاع الإسلامية مجاورة للأصقاع التوراتية ، بل حتى فوقها ، وأكثر من ذلك فإن قلب المجال الإسلامي كان دائماً ولا يزال الإقليم الأكثر قرباً إلى أوربا ..

وفى العصر الحديث نجد نابليون يعتمد فى حملته على مصر على دراسات كونت دوفولنى ــ وهو رحالة فرنسى نشر كتابه " رحلة إلى مصر وسورية " فى مجلدين عام 1787 م ، وكان فولنى يرى : أن ثمة ثلاثة حواجز فى وجه السيطرة الفرنسية فى الشرق ، وأن أية قوة فرنسية لابد أن تحارب لذلك ثلاثة حروب : الأولى ضد انكلترا ، والثانية ضد الباب العالى العثمانى ، والثالثة : وهى أكثرها صعوبة : ضد المسلمين.

ولقد آمن فيكتور هوجو بمجد نابليون التكتيكى فى حملته الشرقية ، وجسده فى قصيدة رآه فيها : ابن المعجزة الذي أذهل أرض المعجزات . .. . كان نبيلاً جليلاً ظهر للقبائل المذهولة . مثل " ماهومت " غربى !!

ويرى د. إدوارد سعيد فى كتاب " وصف مصر " الذى كان الثمرة العلمية ــ التى يفخر بها المصريون اليوم ــ والذى طبع فى ثلاثة وعشرين مجلداً ضخماً بين 1809 و 1828 م ، يرى فيه ( المصادرة التملكية العظيمة لبلد من بلد آخر ) ، حيث انطلق الباحثون من تصور عبر عنه فوربييه فى مقدمته للكتاب من أن مصر بلد ( غارق الآن فى البربرية ) تغزوه ( حضارة بلغت حد الكمال ) ،.

 

ويأتى الاستعمار الغربى بعد ذلك  أو مع ذلك ليتعامل مع البلاد الإسلامية من منظور استعلائى بغيض . يقول د. إدوارد سعيد عن آرثر جيمس بلفور .. الشخصية السياسية البريطانية المرموقة فى أوائل القرن العشرين ، صاحب وعد بلفور المشئوم -  إنه لا ينكر  فى أى سياق فوقية بريطانياً ودونية مصر. وهو يقول فى خطبة له بمجلس العموم مبرراً احتلال مصر ( إن الأمم الغربية فور انبثاقها فى التاريخ تظهر تباشير القدرة على حكم الذات لأنها تمتلك مزايا خاصة بها ، ويمكنك أن تنظر إلى تاريخ الشرقيين بأكمله دون أن تجد أثراً لحكم الذات على الإطلاق ، كل القرون العظيمة التي مرت على الشرقيين ، ولقد كانت عظيمة جداً ( !! ) انقضت فى ظل الطغيان . ) وماذا يعنى هذا فى منطق بلفور . إنه يعنى أنه ( خير لهذه الأمم العظيمة ( !! ) أن نقوم نحن بممارسة هذا النمط من الحكم المطلق عليها . ) .

ويقرر اللورد كرومر رؤية الغرب للشرق في عنصرية واضحة : ( أن الدقة كريهة بالنسبة للعقل الشرقي ) بينما الأوربى ( ذو محاكمة عقلية دقيقة ، وتقريره للحقائق خال من أي التباس ، وهو منطقي مطبوع ).

*  *  *

ولقد كان لابد ــ تحت رعاية الأدب ــ أن يتجذر العداء فى عنصرية الأوربى المثقف ـ الذي يقرأ ـ على سبيل المثال من عيون الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر في رواية والترسكوت ( الطلسمان ) وهي الرواية التي وجدت حفاوة بارزة في المترجمات العربية - ما جاء على لسان المسيحي ــ في أيام صلاح الدين ــ وهو يكتشف عدوه المسلم ، ما يأتي : ــ

( لقد اعتقدت أن عرقك الأعمى قد انحدر من سلالة الشرير الرجيم الذي ما كنتم لتستطيعوا دون عونه أن تحتفظوا بأرض فلسطين هذه في وجه هذا العدد من جنود الله الشجعان ( يقصد الصليبيين !! ) وأنا لا أتحدث بهذه الطريقة عنك أنت بالذات ــ أيها المسلم ــ بل بشكل عام (  !! ) عن قومك ودينك ، ومع ذلك فالغريب في نظري ليس أنك تنحدر من سلالة هذا الشرير، بل إنك ــ أيضاً ــ تفاخر بذلك ) .

وفى هذا النص ــ فضلاً عن أثره فى وجدان الأوربى ــ يظهر التعالى العنصري  المتمثل في لعنة شعب بأكمله " بشكل عام " مع شئ من الأدب النفاقي الذي يجيده هؤلاء في عبارة " أنا لا أقصدك أنت بالذات " وهكذا وتحت هذه العبارة النفاقية السخيفة مازلنا نسمع أقذع الشتائم  والسباب .

وكما يقول د. إدوارد سعيد : ( إن الأمر ليبدو كما لو أن ثمة برميلاً اسمه " الشرقى " تطرح فيه دون تفكير جميع آراء الغرب السلطوية ، اللامنسوبة ، التقليدية حول الشرق . ).

 

وعلاوة على ذلك فمن أجل أن يفهم الغربي الإسلام عليه قبل كل شئ أن يعاينه لا بوصفه " ديناً " أصيلاً " بل بوصفه شيئاً من محاولة شرقية فاشلة لاستخدام الفلسفة اليونانية في غيبة للإلهام الخلاق الذي نجده ــ كما يقول بـِكَرـ فى أوربا عصر النهضة . ) هكذا !

كما يظهر فى رؤية لويس ماسينيون ــ الذى قد يكون أعظم المستشرقين الفرنسيين شهرة وتأثيراً ــ الذي كان يرى أن أعظم رجال الإسلام ــ لم يكن محمداً ( !!   ) أو ابن رشد ، بل الحلاج القديس المسلم الذي صلبه المسلمون السنيون لجرأته على شخصنة الإسلام !!! .

وهو يقصد بهذه الشخصنة ذلك النوع من التجسد المسيحى للإله ، الذي يلاحظ ماسينونه أن الإسلام يرفضه ( رفضاً منظماً ... ) كما يقول ، وكأنه يتححس البطحة فوق رأسه .

وفى عرف الاستشراق ــ كما يقول إدوارد سعيد ــ ( كان للإسلام معنى يمكن أن يوجد ــ في صياغة هى الأكثر دقة وجلاء ــ فى رسالة رينان الأولى ، فمن أجل أن يفهم الإسلام فهما أفضل ينبغي أن يقلص إلى " الخيمة والقبيلة " . ) .

وتستمر هذه النظرة الاستعلائية العدائية عند المستشرقين المحدثين ــ فى منتصف القرن العشرين ــ تظهر فيما ذكره إتش . أى . آر . جب فى سلسلة محاضراته فى جامعة شيكاغو عام 1945 ، إذ يقول : صحيح أنه وجد بين الشعوب الإسلامية فلاسفة عظماء وأن بعضهم كانوا عرباً ، غير أنهم كانوا استثناءات نادرة . ) .

وعن أثر " جب " في المناخ الثقافي الأوربي من جهة فهمه للإسلام يقول إدوارد سعيد : إن تحيز جب بالرغم من معرفته الفائقة التي تظهر في كتابه ، أو بسببها على الأرجح ( يظل عقبة كأداء في وجه كل من يحاول أن يفهم الإسلام الحديث ) هكذا .

وبالنسبة لموقف الغرب من الشرق عموماً ؛ شاملاً الإسلام بوجه خاص لا يسعنا أن نتجاهل موقف كارل ماركس من الاستعمار الإنجليزى للهند فى القرن التاسع عشر . فبالرغم من أنه كان ينعته بأنه ( مدفوع بأكثر المصالح قذارة .. ) إلا أنه كان يرى فيه رسالة إحيائية تجديدية ، إذ يقول : ( إن على انكلترا أن تحقق فى الهند رسالة مزدوجة : الأولى تدميرية ، والثانية احيائية تجديدية هي :  إفناء المجتمع الأسيوي ، وإرساء الأسس المادية للمجتمع الغربي فى آسيا . ) .ويرى فى هذا العمل بالرغم مما فيه من تعذيب ، وافتراس لأرواح لا تحصى فإنه ( يهبنا متعة أعظم ) .

وماذا عن توماس كارليل الذى يستشهد به فى مجال الإنصاف للإسلام بناء على ما كتبه في ( الأبطال ) عن محمد  ؟

بالرغم من أن كارليل لا يتهم محمداً بالكذب صراحة ــ شأن قلة من المستشرقين ــ إلا أنه كان يرى أن محمداً هو مؤلف القرآن ، شأن كل من لم يؤمن منهم  ، وأن القرآن ــ وناقل الكفر ليس بكافر ــ ( هو خليط مهلهل مشوٌش ممل خام مستغلق ، تكرار لا نهاية له ، وإسهاب وإطناب ، ومعاظلة ، خام  إلى أقصى الدرجات ، مستغلق وبإيجاز : غباء فارغ لا يطاق ) هكذا ، أنظر الاستشراق لإدوارد سعيد صــ 169

ونحن لسنا بحاجة إلى الوقوف بجدية أمام هذا النقد الأبله ، الموجه إلى لغة القرآن من جهول بلغة القرآن العربية ولو كان مستشرقاً أكثر بلاهة !

 

وفى كـتـابه " شذرات تاريخية " 1893م تحدث جاكوب بيركهارد عن الإسلام كشئ " بائس ، عار ، تافه

وقد قام بمثل هذه العمليات بمهارة وحماسة أبلغ بكثير أوستفالد اسبنغلر فى كتابه " تدهور الغرب 1918 ــ 1922!

وهكذا كان ليوبولد فون نولدكة وهو يعلن عام 1887 : أن خلاصة عمله كمستشرق كانت تأكيد رأيه في " المنزلة الوضيعة " للشعوب الشرقية .

ويقدم جاك فاردنبرج في دراسته ( الإسلام في مرآة الغرب ) دراسة لخمسة خبراء مهمين كصانعين لصورة معينة للإسلام ، وفى عمل كل منهم تظهر ( درجة عالية من التحيز ، بل حتى من العدائية لدى أربعة منهم ، كما لو أن كل كاتب منهم رأى الإسلام انعكاساً لضعفه الخاص . )

وفى مجموعهم يمثل المستشرقون الخمسة  الأكثر شهرة  : جولدزيهر ، ودنكن بلاك ماكدونالد ، وكارل بكر ، وسى سنوك هيرغرونج ، وماسينون: الأفضل والأقوى فى تراث الاستشراق خلال الفترة الواقعة بين عام 1880م ، وسنوات ما بين الحربين العالميتين ، وهم بالرغم من الفروق الظاهرة فى دراستهم فقد كانت تلك الفروق أقل أهمية من إجماعهم الاستشراقي على طبيعة الإسلام : دونية كامنة ، وقد صاغ هؤلاء الخمسة ( رؤيا للإسلام كان لها تأثير واسع على الدوائر الحكومية عبر العالم الغربي بأكمله ) حيث كانت لهم وظائفهم في الإدارات الاستعمارية في الغرب .

ويبلور ماكدونالد ميزة الشرقي ( المسلم ) في : ( فقدان الحس بالقانون، فبالنسبة إليه ليس ثمة نظام مُرتـِّب للطبيعة راسخ لا يتزحزح ) (وإذا بدت هذه النظرة ــ كما يقول د. إدوارد سعيد- عاجزة عن أن تفسر الإنجازات الفائقة التي حققتها العلوم الإسلامية التي بنى عليها قدر عظيم من العلوم الحديثة فإن ماكدونالد يظل صامتاً ويستمر فى دعواه ) .

.. وكيف ينظر مستشرق شهير معاصر ــ فوق جرونباوم ــ إلى الإسلام؟ إنه كما يقول د. إدوارد سعيد : ( لا يجد فون غرونباوم من صعوبة في الافتراض بداهة أن الإسلام ظاهرة أحادية وحدانية ، بخلاف أي ديانة أو حضارة أخرى ، ثم يمضى بعد ذلك ليظهر الإسلام ضد ــ إنسانى ، عاجزاً عن التطور ، ومعرفة الذات ، والموضوعية ، إضافة إلى كونه  عقيماً سلطوياً غير خلاق  ) .

 

ويعني هذا المنظور الفكري الذي تبنته المؤسسة الاستشراقية عن الإسلام .. يعنى على صعيد عملي ــ على حد قول إدوارد سعيد : ( أنه حين يجاهد الشرقيون ضد الاحتلال الاستعماري فإن عليك أن تقول : إن الشرقيين لم يفهموا أبداً معنى حكم الذات بالطريقة التى نفهمه بها نحن " نحن أى الأوربيين " أو تقول مع برنارد لويس : إنه إذا قاوم العرب الفلسطينيون الاستيطان الإسرائيلي .. فإن ذلك لا يمثل إلا " عودة الإسلام " ، أو كما حددها مستشرق معاصر ذائع الصيت مقاومة إسلامية لشعوب لا إسلامية ، وهو مبدأ إسلامي أسس في القرن السابع ... ) هكذا .

وهكذا ( إذ يجتاح الشعور ضد الاستعمار العالم الشرقي بأكمله ... فإن المستشرق يلعن ذلك كله لا بوصفه إزعاجاً فارغاً فقط ، بل بوصفه إهانة للديموقراطيات الغربية ، ويحذر خبراء العالم الخرافيون فى وزارة الخارجية الأمريكية من مخططات العرب للاستيلاء على العالم ، ويوصف الصينيون الغادرون ( !! ) والهنود نصف العراة (!! ) والمسلمون السلبيون بأنهم حدءات ستنهش عطايانا ).

 

ولم تكن آراء المستشرقين هذه مجرد سطور فى بطون الكتب ولكنها ذات أثر ملموس فى وجدان الرجل العادى فى الغرب ، و" حركة راجعة " ما بين النخبة والجمهور .

وهذا ما نبينه في المقال القادم ردا على ما يقال عن تبرئة الشعوب الأوربية وحياديتها إزار الاعتداء على الإسلام

والله أعلم

يتبع