أمريكا نصبت أعواد المشانق لمرضى فلسطين
بقلم :ربيحة علان علان*
"الدواء غير متوفر"؛ هذا ما عرفه والد الطفلة آيات بعد
توجهه صباحا للحصول على الدواء الخاص بطفلته آيات البالغة من العمر اثنتي عشر عاما
والمصابة منذ عام بمرض سرطان الدم. كان والد آيات يصرف العلاج عادة عبر التأمين
الصحي الحكومي مقابل مبلغ رمزي مقداره ثلاثة شواقل. ومع
أنه كان مبلغا بسيطا يقارب مبلغ أجرة السيارة العمومية التي تقله من قريته قبيّة إلى رام الله -في اتجاه واحد- إلا أنه كان مبلغا يشغل
بال هذا الوالد المسكين. فهو أب لسبعة أطفال أصغرهم لم
يتجاوز العامين والنصف. وهو رجل بالكاد يجد عملا يحاول
من خلاله سد الحاجات الأساسية لعائلته وكثيرا ما كان يخفق في ذلك. وعلى الرغم من
محاولات زوجته أم آيات مساعدته في مصروف البيت بصناعة بعض الأشغال اليدويّة وبيعها
إلا أن شح الدخل الذي كانت تحصل عليه دفعها لتوقف عن العمل بعد أن تدبر أكبر
أبنائها- وهو بالكاد عبر سن الطفولة- عملا يساعد به والديه.
توجه والد آيات إلى
صيدلية تلو صيدلية لشراء العلاج لطفلته. كان يسير في
شوارع رام الله المزدحمة وهو لا يرى إلا صورة طفلته التي تساقط شعرها الجميل
وتوارى بريق عينيها البريئتين خلف المرض والفقر. يفكر في مدى الألم الذي ستشعر به
طفلته وكل العائلة إن عاد دون العلاج، خاصة وأن الطفلة تستجيب للعلاج والأمل كبير
بتحسنها إن شاء الله. في نفس الصورة يتخيل الوالد المكلوم
وجه صيدلي وهو يخبره أن سعر الدواء ثلاثون شاقل. رقم
افترضه عقل هذا الوالد المسكين معتبرا اياه أسوأ
الاحتمالات فيسهب في التفكير كيف سيداوم على توفير العلاج أسبوع بعد أسبوع بدفع
ثلاثين شاقل بعد ثلاثين ثم يفكر بالمصاريف الأخرى
للطفلة المريضة من جلسات علاجيّة في المستشفيات وغيره.
سأل والد آيات أكثر من صيدلي عن الدواء، فلم
يُجب، حتى اهتدى لصيدليّة وجد فيها مطلبه. وفجأة وبعد
لحظات من قراءة الصيدلي للوصفة الطبية؛ شعر الوالد المسكين بنفسه يكاد يقع أرضا،
دوار فظيع يعصف برأسه، وبما بقي له من طاقة قال للصيدلي وعيناه جاحظتين تحاولان
استجماع شيء من النور:" ماذا تقول؟؟؟!!" أجاب الصيدلي: " تسعمائة شاقل".
"تسعمائة شاقل – 900 ساقل- تسع.. مائة... شاقل...." صوت ظل يضرب رأس والد آيات وهو يترك الصيدلية حتى وجد كرسي على
مدخل محل تجاري فوقع عليه جالسا. يقتله التفكير وحساب الأرقام. وأخذ يتمتم لا يشعر
بمن حوله:"900 شاقل مقابل 30 حبة دواء، و آيات 8
حبات يوميا، فكم 900.... آآآآخ ..آآآآه..."
. يضع كفيه على وجهه ويعيد تدوير الأرقام، ويكرر وضع يديه على رأسه فتحسبه يلطم. فتكلفة
العلاج ترهق عائلة ثريّة فما حال هذا المسكين وأمثاله... وهل بعد الأمل الكبير في
نجاح علاج طفلته سيعيش الآن كابوس موتها البطيء...
إذا شاهدتهم هذا
الرجل ستعرفونه... ستدلكم
عليه قسمات وجهه التي تنطق بالألم والدهشة والأسئلة التي لا تنتهي عن السبب الذي
يجعل دول عظمى وأثرياء العالم يعتدون على رجل فقير يعيش ليله نهاره راكضا خلف لقمة
عيش لصغاره، لا يعرف من السياسة إلا أمثال روايات أمه عن مذبحة قريته التي نجت
منها العائلة بأعجوبة لتعيش اليوم مذبحة أشد بشاعة... مذبحة
كل لحظة. مذبحة مئات آلاف من المرضى المحاصرين الآن في
فلسطين. "لا يوجد دواء"... فأمريكا واسرائيل
وأعوانهم يمنعون وصول الدواء والمساعدات الإنسانية إلى المرضى الفلسطينيين.
بعد مشاهدتي لهذا
الوالد المكلوم وما يشيع من أخبار مرضانا في ظروف
الحصار الحالية؛ توجهت إلى صديقة تعمل في صيدلية لأتأكد من رقم 900 شاقل، لانه رقم مهول بالنسبة لنا
كفلسطينيين خاصة أنه علاج يومي، فقبل أن أذكر لصديقتي اسم الدواء ولا سعره: بادرت
بالقول:"أدوية هذه الأمراض كالسرطان مثلا غير متوفرة عندنا، هي تصرف في
المراكز الطبيّة الحكومية والمتخصصة لأنها مكلفة جدا والناس لا يستطيعون شرائها. فتوفرها
لهم الحكومة والمراكز المساعدة. نحن فقط نصرف علاج ثانوي
يصفه الطبيب لهؤلاء المرضى، وأما العلاج الرئيسي فنوفره فقط عند التوصية ونقوم
بطلبه من جهات إسرائيلية أي يأتينا عبر الإسرائيليين. ومثال على ارتفاع سعر هذه
الأدوية أن مريضة بسرطان الثدي – مرحلة متقدمة- طلبت علبة دواء خاصة بها تحوي 30 حبة ، فأدهشني السعر عندما طلبناه لها لدرجة لم
انسه حتى الان فقد كان السعر 1164 شاقل.
وشخص آخر أوصى بإبر علاجيّة، كان سعر الإبرة 2200 شاقل".
يحاول أهل الخير المساعدة ولكن المبالغ المطلوب
توفيرها لا يطيقها السواد الأعظم من الفلسطينيين وكما قال أخ كريم معقبا على حال
آيات وأمثالها:" قد يوفر ذوي الخير والأقارب قسم من هذا المبلغ مرة أو مرتين..
ولكن هل يمكن أن يوفروه دوما؟!!! هذا
غير ممكن لأن المبلغ ضخم بالفعل وهو علاج يومي وأيضا كلنا تحت الحصار والضائقة
تعصف بالجميع وتزداد خطورتها مع الوقت".
يوم الجمعة (5-5-2006) نشرت صحيفة القدس خبرا عن
تبرع مؤسسة محمد بن راشد الخيريّة بمبلغ 10 ملايين درهم لشراء أدوية للفلسطينيين. فبارك
الله بهم وبأمثالهم.. لكن هل ستصل هذه الأموال الخيرة أم ستحجز وتمنع ككل التبرعات
والمستحقات الخاصة بالفلسطينيين؟؟!!. وإذا كان حصار
العراق قد قتل في بضع سنين أكثر من نصف مليون طفل عراقي؛ فكم طفل فلسطيني سيموت
قبل صرخة حق....
يا إخوة الإسلام... يا إخوة العروبة... يا
ذوي الضمائر الحيّة في كل العالم ... إذا
كانت أمريكا وإسرائيل وأعوانهم قد نصبوا لإخوتكم المرضى في فلسطين أعواد المشانق،
فلا تكونوا حبالها.
-------------------------------
*مخيم الجلزون-
رام الله
Rabeeha_jineen@yahoo.com
www.arabiancreativity.com/rabeeha.htm