حكومة أولمرت وسيناريوهات التسوية
بقلم :د. إبراهيم البحراوي
مع إعلان تشكيل
الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة إيهود أولمرت المتحمس لسيناريو التسوية من جانب واحد، يثير تكوين
الحكومة سؤالاً رئيسياً يقول: هل يستطيع أولمرت أن يمرر
هذا السيناريو في ضوء مواقف شركائه الائتلافيين؟ هناك بعض المراقبين يرون أن هذا
السيناريو سيمضي في طريقه، وسينتهي أولمرت إلى ترسيم الحدود النهائية لدولة إسرائيل دون أي مفاوضات مع
السلطة الفلسطينية. ويعتقد هؤلاء المراقبون أن خطوات هذا السيناريو ستسير على النحو التالي:
أولاً، سيقوم أولمرت أثناء زيارته القريبة إلى واشنطن بإقناع الإدارة
الأميركية أن خطته للتسوية من جانب واحد تناسب موقفها من حكومة "حماس" وتحقق
تهميشاً سياسياً كاملاً لهذه الحكومة، باعتبارها حكومة لا تحظى برضا واشنطن.
ثانياً، بعد حصول أولمرت على المباركة المبدئية الرسمية لخطته من جانب الإدارة
الأميركية، سيقوم خلال بضعة شهور بإعلان أنه لا يجد شريكاً فلسطينياً في التسوية
وبالتالي يعمد إلى إعلان أن الجدار العازل يمثل الحدود
السياسية الفاصلة بين "إسرائيل" والمناطق الفلسطينية.
ثالثاً، سيقوم بسحب
المستوطنات المبعثرة في أنحاء الضفة الغربية وتجميع سكانها في داخل الكتل
الاستيطانية الكبرى من جانب واحد، مع الإعلان عن اعتبار نهر الأردن خط الحدود مع
المملكة الأردنية الهاشمية.
في تقديري أن المراقبين الذين لا يرون سوى هذا
السيناريو، يغفلون عنصرين رئيسيين:
العنصر الأول يتصل
بمواقف الشركاء الرئيسيين لأولمرت في الحكومة
الائتلافية، وهما حزب "العمل" وحزب "شاس".
أما العنصر الثاني فهو قدرة الدبلوماسية العربية
على التحرك مع حكومة "حماس" نحو اعتبار مبادرة السلام العربية أساساً
متفقاً عليه عربياً لدفع الروح في خطة "خريطة الطريق".
فيما يتعلق بالعنصر
الأول يتعين أن نلاحظ أن حزب "العمل" برئاسة عامير
بيريتس، الذي يحتل منصب وزير الدفاع، يرى أن التسوية من
جانب واحد عمل قاصر يترك باب الصراع مفتوحاً مع الفلسطينيين، ومن هنا فهو يصمم في
إطار الاتفاق الائتلافي، على ضرورة طرق أبواب التفاوض مع الفلسطينيين أولاً،
واستنفاد كل الطرق المتاحة للتوصل إلى اتفاق معهم قبل اللجوء إلى الحل من جانب
واحد. كذلك ينبغي أن نلاحظ أن الشريك الثاني الكبير في الحكومة الائتلافية، وهو
حزب "شاس"، يمثل عقبة في وجه مخطط الحل
المنفرد، ذلك أن موقف الحزب محكوم برؤية الزعيم الروحي الحاخام "عوفاديا يوسف" الذي يعتبر كل أرض الضفة جزءاً من "أرض
"إسرائيل"" لا يجوز التنازل بشأنها دينياً، إلا مقابل أمر شديد
الضرورة والحيوية وهو حقن الدم اليهودي وحمايته من الهدر،
وهو أمر لا يمكن أن يتحقق من خلال الحل المنفرد، الذي يعني إخلاء بعض المستوطنات
اليهودية مجاناً ودون الحصول بالمقابل على تعهد فلسطيني بإنهاء الصراع، وعدم
التعرض لأمن "إسرائيل". ومن هنا فإن موقف شاس
يعتبر أكثر تشدداً في معارضة الحل أحادي الجانب وينذر بتفكك الحكومة الائتلافية
ذات الأغلبية المحدودة (67 عضو كنيست من مجموع 120 عضواً)، إذا ما أقدم أولمرت على تنفيذ خطته دون اتفاق مع الفلسطينيين. ومعنى هذا
أن حزب "العمل" إذا ما اقتنع بعد بضعة شهور برؤية أولمرت
بعدم وجود شريك فلسطيني في عملية التسوية، فإن حزبي "كاديما"
و"العمل" سيواجهان موقفاً يهدد استمرارهما في الحكم نتيجة لموقف "شاس" المبدئي الصارم المعارض للحل من جانب واحد.
إذن فإن الوضع
الداخلي الخاص بالمواقف داخل الحكومة الائتلافية يجب التركيز عليه من الجانب
العربي، وعدم المرور عليه مرّ الكرام، فهو وضع إذا ما التفتنا إليه بالدرجة
الكافية وعملنا على استثماره، يمكن أن يمثل سنداً للجهود العربية الرامية إلى قطع
الطريق على خطة الحل من جانب واحد. وإذا أضفنا إلى ذلك العنصر الثاني المؤثر في
إجهاض خطة أولمرت وهو الجهد الدبلوماسي العربي الهادف
إلى إقناع حكومة "حماس" بتبني مبادرة السلام العربية، وعملنا على تنشيط
وتسريع هذا الجهد، فإنه يمكننا بالفعل بناء حائط صد قوي ضد الحل المنفرد.
إن الموقف الدبلوماسي
العربي قادر بدرجة معقولة من الاحتشاد والتنسيق والوعي السياسي، على إحباط محاولة أولمرت للحصول على مباركة واشنطن لخطته. ذلك
أن واشنطن تلقى متاعب كافية في المنطقة العربية، وبالتالي فإنها سترحب بانفراج
الوضع التفاوضي بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وما يحمله من تخفيف لمشاعر
الاحتقان المعادية بين الشعوب العربية.