حزب العمل

 

إلي فخامة الرئيس موريس لوينبرجر

رئيس جمهورية سويسرا الاتحادية

 

فخامة الرئيس

 

    تابعنا باهتمام بالغ تصريحاتكم لشبكة الجزيرة الفضائية حول حماس والانتخابات الفلسطينية. لقد وجدنا في هذه التصريحات منطقا صحيحا بخلاف ما تعودنا عليه من المسئولين الأمريكيين وحلفائهم في أوروبا. لقد تحدث هؤلاء وأولئك طويلا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحين انتخب الشعب الفلسطيني حماس، قاطعوا الحكومة المنتخبة وفرضوا الحصار على الفلسطينيين.

    والحق أن الصهيونية العالمية تستخدم أمريكا وحلفاءها لتحقيق مصالحها، وكل من يبدي اعتراضا تسارع بمحاكمته بدعوى معاداة السامية. وهذه أول الخرافات في مسلسل الأكاذيب الصهيونية. فمسألة السامية هذه تعود إلى تقسيم الشعوب إلى سلالات بحسب أبناء نوح عليه السلام، وتزعم أن اليهود من نسل سام بن نوح، وعلى فرض صحة ذلك؛ فإن العرب والفرس والروم جميعا من نسل سام: فالعرب أبناء إسماعيل بن إبراهيم، واليهود أبناء يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، والروم والفرس أبناء العيص بن إسحق، فالجميع يلتقون في إبراهيم بن نوح، وعلى فرض صحة هذه النظرية فهي لا تعطي اليهود اختصاصا بسام. والقدر المتيقن منه أن نوح عليه السلام هو الأب الثاني للبشر، وأن الجميع من ذرية آدم عليه السلام.  

    والحق أن البشر جميعا خلقوا من نفس واحدة، وأنهم في الكرامة الإنسانية سواء: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) (1/النساء).

    ثم تأت ثاني هذه الأكاذيب، وهي المحرقة اليهودية، وإذا سلمنا بأن هذه المحرقة قد وقعت فعلا، فإنه يكاد يكون من المستحيل التسليم بصحة العدد الذي يقولون إن هتلر قد أحرقه - وهو ستة ملايين شخص. فكيف تتمكن ألمانيا النازية من حرق ستة ملايين شخص في أقل من ست سنوات هي فترة الحرب العالمية الثانية، أي بمعدل مليون كل عام، في وقت كانت مشغولة فيه بالحرب على عدة جبهات؟. إن اليهود الآن في مختلف أرجاء العالم لا يزيدون على 16 مليونا، فكم كان عددهم وقتها حتى يحرق منهم هتلر ستة ملايين؟. وإذا سلمنا جدلا بأن كل هذا صحيح، فلماذا يدفع الفلسطينيون ثمن جرم لم يرتكبوه؟ هل يكون إحراق النازي لليهود مبررا لاحتلال فلسطين؟ هل يدفع الفلسطينيون والعرب والمسلمون ثمن محرقة ألمانيا النازية؟.

    نعم نحن نعلم أنهم سيتذرعون بذرائع أخرى لاحتلال فلسطين، سيقولون إن فلسطين هي أرض الميعاد التي وعدها الرب للآباء، وأن اليهود هم شعب الله المختار، وهذه أكذوبة أخرى. إن الله تعالى قد اصطفى آدم وذريته؛ وهذه الخلافة العامة للإنسان على الأرض ليست مطلقة؛ بل هي مشروطة بأصل التوحيد، وإعمار الأرض، وهذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها من غريزة الإيمان، والتوحيد، ومبدأ الخيرية في النفس الإنسانية (الضمير).

    وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد استخلف آدم عليه السلام وذريته بشرط الخضوع لأوامره، وإقامة كلمته على الأرض فمن المعلوم أنه ليس كل الناس يعبدون الله تعالى؛ بل منهم الملاحدة الذين لا يؤمنون بالله أصلا؛ فيكون المعنى؛ إلا ليعبده العابدون منهم – رغم أن الجميع خاضعون لسلطانه – فالإنسانية مثل الشجرة، والمؤمنون العابدون الله طواعية واختيارا هم الثمرة من هذه الشجرة. والظاهر أن معنى العبادة هنا، وضع هدف أعلى للحياة الإنسانية، يتمثل في رضا الله سبحانه وتعالى؛ وبذلك تكون العبادة اسما جامعا لكل عمل يرضي الله.

    ولأجل ذلك أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الشرائع، واتفقت الرسل في الدعوة إلى الإيمان بالله وحده، والملائكة، واليوم الآخر، ومكارم الأخلاق؛ لأن مصدر الرسالة واحد. وإن اختلفت شرائعهم: باختلاف الأمكنة، والأزمنة؛ إلى أن أذن الله بختم الرسالة بهذا النبي الخاتم، وجعل شريعته هي العاقبة؛ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فالمؤمنون إذن أمة واحدة من لدن آدم عليه السلام، إلى محمد صلى الله عليه وسلم، إلى نهاية البشرية: )قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إلينَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ( (136/البقرة). والخلافة الخاصة بهذا المعنى هي خلافة الاصطفاء التي تثبت لصنف من الناس – قد حازوا الخلافة العامة كسائر البشر – لكنهم فضلا عن ذلك يتمتعون بميزات تجعلهم أكثر أهلية وأكثر مسؤولية لتحمل تبعة هذا الاصطفاء؛ هذه الشروط هي: التوحيد الخالص من الأدران، وإعمار الأرض، وعدم الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وإقامة العدل في المجتمع: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ( (55/النور).        

    هذه الخلافة الخاصة تنزع، وتزول عند الانحراف، والإخلال بشرطها؛ فقد اصطفى الله تعالى من قوم نوح؛ الذين آمنوا منهم وأنجاهم واستخلفهم، ثم استخلف منهم بني إسرائيل، ثم نزع الاصطفاء عنهم لما بدلوا:) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عليهِمْ رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِما كَانُوا يَظْلِمُونَ( (167/الأعراف).

    وهذه سنة الله في الأمم؛ وهي من سنن التاريخ الثابتة بحسب الرؤية القرآنية لحركة التاريخ البشري؛ فليس ثمة اصطفاء عرقي لشعب من الشعوب أو أمة من الأمم، كما يتوهم اليهود، وكما تنظر بعض الأمم إلى نفسها، وكما يتوهم بعض المسلمين. إن الاصطفاء الإلهي في حركة التاريخ؛ هو اصطفاء يتم على أساس القيم الأخلاقية، والأمانة لمقتضيات الخلافة، والتعامل مع الواقع الموضوعي الصارم. ومن هنا؛ فإن هذه السنة تجري على الأمة الإسلامية، كما جرت على الأمم السابقة دون فرق. وإذا أخل جيل منها بشروط الاصطفاء الإلهي؛ فإن الله تعالى ينزع عنه خلافته وينزل به العقوبة والعذاب نتيجة لانحرافه عن النهج القويم. وهذه العقوبة ليست أخروية فقط، وإنما هي دنيوية أيضا تتمثل في فقدان المركز القيادي، وفي الفتن الداخلية، وفي الفقر والتخلف.

    إن القوة العظمى مسؤولية أخلاقية أولا وقبل كل شيء، واستمرارها كقوة عظمى رهن  بقوة هذا الأساس الأخلاقي أو ضعفه. إن الحضارة الأصيلة هي فقط الحضارة التي تملك رسالة موجهة للإنسان بما هو إنسان لا بما هو أبيض أو أحمر أو أسود أو سامي أو حامي.

    لقد نشأت أمريكا كأمة على أنقاض شعب آخر هو شعب الهنود الحمر، وبدأت كقوة عظمى على المسرح الدولي بإلقاء قنبلتين نوويتين على هيروشيما ونجازاكي. وهي الآن تضع كل ثقلها لخدمة المشروع الصهيوني الرامي إلى السيطرة على العالم. ولذلك تجد الكراهية والبغضاء لا فقط من العرب والمسلمين، بل من كل الشعوب المستضعفة والمقهورة، بل ومن كل أصحاب الفطر السليمة شرقا وغربا.

  لقد تباينت مواقف الإنسان من عالمه تباينات عميقة من عصر إلى عصر؛ فاليونان – بعزوفهم عن التمادي في الكبرياء، وتورعهم عن الاعتداد الفائق بالنفس، حاذروا دائما من الانجراف إلى اتخاذ أي موقف منطوٍ على الاجتراء والعجرفة في مواجهة الكون. ثم اتجه الفكر الحديث إلى إحياء الغرور الإنساني، بقدر جعل الإنسان؛ وقد أوشك أن يصبح إلها على الأرض، يتأله على النحو الذي سبق ودعى إليه البراجماتي الإيطالي جيوفاني بابيني عندما حثَّ الإنسان على أن يحذو حذو الله. وذلك طموح ينطوي على خطر مهلك يمكننا تسميته بالعقوق الكوني، وهو ضرب من الافتقار إلى التقوى الحقيقية والورع يطلق الغرور الإنساني من قيود التواضع تجاه الخالق والكون، ويجعله يخطو خطوة أخرى على درب مفضية إلى نوع من الجنـون الخطر هو الثَمَل بالقوة، وهو جنون يبدي الإنسان المعاصر استعدادا خاصا للإصابة به. وهذا هو أفظع خطر يتهدد العالم في هذا العصر من حيث إنه مفضٍ في خاتمة المطاف إلى كارثة كبرى للعالم كله.

         هذا الثَمَل بالقوة، هو ما يدفع أمريكا إلى غزو العالم: احتلال أفغانستان، ثم احتلال العراق، وهو نفسه ما يدفعها الآن إلى محاولة حرمان إيران من امتلاك المعرفة لاستخدام الطاقة النووية، وهو ما يدفعها إلى حصار حماس، وهذا الغرور القاتل هو الذي سيودي بها في خاتمة المطاف، لا فقط لأنه سيدفع الأمم إلى استكشاف مكامن قوتها لمواجهنة الهيمنة الأمريكية، بل وأيضا لأنه سيكشف للشعب الأمريكي أن حكومته لا تخدم مصالحه بل تخدم مصالح إسرائيل.

        لقد جوبهت الحملة الصهيونية الأمريكية منذ غزو أفغانستان عام 2001، وبصورة أكثر حدة منذ غزو العراق عام 2003،  بمعارضة شعبية عارمة في كافة دول العالم بما فيها أمريكا ذاتها؛ ذلك أن الشعوب قد أدركت بحسها الإنساني الفطري أن العالم مقبل على كوارث ونكبات لا يعلم مداها إلا الله، ذلك بفضل عقدة الغرور التي استحكمت في الإدارة الأمريكية الحالية، وخضوعها الكامل لتوجهات الصهيونية العالمية الرامية إلى السيطرة على العالم.

 فخامة الرئيس

ننتهز هذه الفرصة لكي نعرب لفخامتكم عن عظيم تقديرنا، وللشعب السويسري الصديق عن أطيب أمنياتنا بالتقدم والازدهار.   

 

القاهرة في 12 مايو 2006