وشهد شاهدان من أهله !!
بقلم :محمود كعوش
kawashmahmoud@yahoo.co.uk
شهدت
الدانمرك حديثاً صدور كتاب جديد للصحافيين الأخوين كلاوس وميجل
روث ستين حمل عنوان "قنبلة في العمامة" . ولو أن صدور هذا الكتاب جاء في
ظروف طبيعية لكان مثله مثل باقي الكتب التي تصدر بشكل اعتيادي في هذا البلد بين
الحين والآخر ، إلا أن توافق ذلك بعد الأزمة التي أثارها نشر الرسوم الكاريكاتيرية
في العام الماضي مباشرة أضفى إليه نكهة أخرى مميزة ، خاصة وأن مؤلفيه الدانمركيين
أكدا فيه أن جريمة النشر هدفت بشكل أساسي إلى كسر شوكة المسلمين.
القراءة المتأنية للكتاب تُظهر أن المؤلفين
الدانمركيين تابعا عن كثب تطورات الأزمة التي أحدثتها صحيفة "يولاند بوستن" بنشرها تلك
الرسوم التي أساءت للرسول الكريم محمد بن عبد الله (ص) والإسلام والمسلمين ،
وأثارت أكبر أزمة دينية في العصر الحديث بين المسلمين والغرب وخاصة في الدانمرك
وأحرجت الحكومات الغربية ووضعتها في موقف لم تحسد عليه .
وقد أظهر مسح للرأي العام شمل 35 دولة بينها 4
دول إسلامية تدهور صورة الدانمرك خلال الأشهر الستة الماضية بسبب الفعلة الشنيعة
للصحيفة سيئة الذكر ورفض حكومة كوبنهاجن الإعتذار عن تلك الفعلة بزعم حق الصحيفة في النشر . وأثارت الرسوم موجة
عارمة من الإحتجاجات الغاضبة بين مسلمي العالم ، وبدأت
حملة كبيرة لمقاطعة البضائع الدانمركية أدت لخسائر فادحة تكبدتها الشركات
الدانمركية .
المؤلفان
أرجعا سبب تصاعد أزمة الرسوم إلى جهل كبير عند أقطاب الحكومة الدانمركية وبعض
أقطاب المعارضة الدانمركيين بالدين الإسلامي "لأنهم لا ينظرون إليه إلا كدين
يصدّر الإرهاب" . وكما رأينا في أزمة الرسوم الكاريكاترية
، فإن تعصب الغربيين لقيمهم على حساب قيم الآخرين وإغماض أعينهم عن رؤية الحقيقة
التي لا تعجبهم جعلاهم يضربون عرض الحائط بقيم الثقافات الأخرى وعلى وجه الخصوص
قيم الثقافة الإسلامية.
كلاوس
وميجل روث ستين حددا في الكتاب أشخاصاً بعينهم حملاهم
المسئولية المباشرة لتفجر الأزمة وتفاقم الأوضاع بين المسلمين والحكومة
الدانمركية، في مقدمهم رئيس الوزراء الليبرالي أناس فوغ
راسموسن، ووزير التربية برتل
هوردا، والوزيرة الإشتراكية
السابقة كايين ياسبسن،
وزعيمة حزب الشعب الدانمركي اليميني المتطرف بيا كياسكو . ورأيا أن هؤلاء مالوا في تعاملهم مع أزمة الرسوم إلى
العنصرية أكثر من ميلهم إلى إيجاد حل يخرج الدانمرك من أزمتها، واستغلوا هذه
الأزمة لجني مكاسب سياسية وتحقيق مآرب وأهداف شخصية وتضليل الرأي العام من خلال بث
الأكاذيب المختلقة ، التي لم تعد تنطل على عامة الناس لضعفها وافتقارها للحد
الأدنى من الموضوعية والمنطق .
وفي ما يمكن اعتباره سخرية متعمدة ومقصودة ،
أطلقا على هؤلاء الأشخاص تسمية "أبطال الحروب في العالم" بسبب تبنيهم
الأعمى والأحمق لسياسات إدارة المحافظين الجدد في واشنطن ودعمهم اللامحدود لها في حربيها العدوانيتين على العراق وأفغانستان .
ورأى المؤلفان أن تحول الدانمرك من اليسار إلى اليمين هو ثمرة ضغوط مكثفة مارستها
الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة التي تدعم الحكومة الحالية بعد أحداث 11
أيلول 2001 ، الأمر الذي عكس نفسه سلباً على العلاقات
بين الدول الإسلامية والدانمرك منذ ذلك التاريخ .
لم تكن الرسوم بحد ذاتها مشكلة بالنسبة
للدانمركيين الذين "اعتبروها شكلاً من أشكال الحرية التي كفلها لهم الدستور"،
إلا أنها كانت بالنسبة للمؤلفين كلاوس وميجل مشكلة كبرى
لأنها في نظرهما كانت مقصودة وثمة من وقف وراء رسمها ونشرها بهدف كسر شوكة
المسلمين أو إيذائهم انتقاماً للضربات الموجعة التي وجهتها بعض الجماعات الإسلامية
المتطرفة لبعض العواصم والمدن الغربية الكبيرة والهامة خلال الأربع سنوات الأخيرة .
لقد أشعلت تلك الضربات موجة غضب وكراهية وحقد على الإسلام في نفوس الغربيين ما
لبثت أن تنامت وتمددت حتى وصلت إلى الدانمرك حيث كانت
العلاقة بين الأغلبية والأقلية تسير بشكل صحيح وسليم لكنها اختلفت في الآونة
الأخيرة بعدما اتُهم المسلمون بالإرهاب، ولم يعد الغرب المتحضر يفرق بين حرية
التعبير عن الرأي وحرية الدين والعقيدة، ولم يعد يحاول خلق توازن بينهما فطغى
أحدهما على الآخر، وانقلبت موازين القوى إلى الطرف الضعيف ليصبح قوياً ويقلب كل
المعادلات المتعارف عليها بعدما أيقن في هذه الأزمة أنه مستهدف .
لقد
استيقظ الدانمركيون على أسوأ أزمة خارجية في تاريخهم الحديث قسمتهم إلى فريقين : واحد
وقف موقف الصامت المتفرج، وآخر قاوم الغضب الإسلامي الذي عبر عن ذاته بالتظاهر
والمقاطعة ، مما أزعج واربك الأقطاب السياسيين وبعض
الأقطاب الحزبيين في كوبنهاجن وحشرهم في زاوية ضيقة . وبدل أن يُحسنوا التعامل مع
هذه الأزمة شديدة الحساسية تمسكوا بقيمهم وعقائدهم على حساب قيم وعقائد الآخرين،
في حين أكد المسلمون مرة جديدة مكارم أخلاقهم من خلال سعيهم الجاد لتطويق الأزمة
ووضعها على سكة السلامة ، والجنوح بها إلى حوار الثقافات
لتجنب أزمة مماثلة في المستقبل.
وهكذا
أماط المؤلفان اللثام عن مشكلة جديدة في الدانمرك عندما تساءلا حول قدرة صناع
القرار الدانمركيين في محاولة فهم وتفهم الآخرين واحترام الأديان وعدم المساس
بالرموز الدينية ووضع رقابة على حرية الرأي والتعبير التي يعتزون بها في غياب أشياء أخرى غيرها يعتزون بها
!! ولكن يبدو أن هؤلاء - كما يقول المؤلفان - لا يملكون فضيلة الاعتراف بخطئهم
تجاه المسلمين، فقدم لهم المسلمون مثالاً آخر جديداً عن مكارم الأخلاق والفضيلة
عندما رفضوا تعقيد الأزمة التي كان يطالب بتصعيدها معظم الشارع الإسلامي .
إن
جهل الغرب بمن فيهم الدانمركيين بالإسلام واعتقاد المسلمين بالله الواحد الأحد
واعتزازهم بدينهم ونبيهم الكريم (ص) خلق حالة من الذعر في الدانمرك استغلتها بعض
وسائل الإعلام المحلية والدولية التي تسيطر عليها الصُهيونية العالمية لتضليل
الناس بأكاذيب عن الإسلام وبالأخص اتهامه بالإرهاب ، متعمدة التعمية ووضع ستارة
سوداء على الوجه الآخر للدين الإسلامي الرائع بكل ما فيه من تسامح ومساواة وعفو
عند المقدرة . وضللوا الناس بقيم طارئة وغير موروثة أقنعوهم بأن عليهم التشبث بها ، ولو كان ذلك على حساب الآخرين ، وهو ما دعا الصحافيين
الأخوين إلى التساؤل في الكتاب عن الوجهة التي يقود صناع القرار في الدانمرك
مواطنيهم إليها بعد زرع الكراهية في نفوسهم تجاه الدين الإسلامي ، في الوقت الذي
تمنح الحرية التي يتبجحون بها كل الناس الحق في اعتناق
الدين الذي يريدون والحق في الدفاع
عنه .
لا
شك أن كتاب "قنبلة في العمامة" لمؤلفيه
الأخوين كلاوس وميجل روث ستين جاء متأخرا بعض الشيء ،
إلا أنه مثل في كل الأحوال عودة للوعي الدانمركي ، وجدت نفسي حيالها مدفوعاً
للكتابة عن أزمة الرسوم التي ما تزال الحدث الأهم والأبرز في الإعلام الدانمركي الذي
يفتقر للأحداث المحلية الهامة التي ربما تشغله عن هذه الأزمة فيما لو توفرت . فبعد
أن صدر هذا الكتاب الذي "شهد فيه
شاهدان من أهله" كان لزاماً علي الكتابة حتى لو كان لي رأي آخر في السابق ...
فأنا ما أسقطت المراهنة على المثقفين الدانمركيين لحظة واحدة
.