ترتيباتٌ لحلف شمال الأطلسيّ لإدماج الكيان الصهيونيّ في منظومةِ تعاونٍ عسكريّ وأمنيّ مع دول عربية!

 

 

 

تندفع الدول العربية إلى علاقات تعاونٍ عسكريّ وأمني غير معلنة مع الجانب الصهيونيّ، لا تكتسب طابعاً مباشراً، عبر منظومة شراكةٍ استراتيجية يسعى حلف شمال الأطلسي "ناتو" إلى بلورتها.

 

فبعد تجربة "عملية برشلونة"، أيْ الحوار الأوروبي المتوسطي، الذي يديره الاتحاد الأوروبي منذ سنة 1995 مع دول "شرق أوسطية" واضعاً الطرف الصهيونيّ ضمنها؛ تأتي المساعي الأطلسية على نهج مشابه، لإدماج الآلة العسكرية والأمنية للكيان الصهيونيّ في نسق دول المنطقة.

 

ويتعلّق الأمر بكلٍّ من الأردن ومصر وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، التي توضع في نسقٍ يضمّ الكيان الصهيونيّ الغاصب، كشريكٍ للمنظومة الأطلسية. وقد كانت الجزائر محطّة للمضي قُدُماً في هذا المشروع الذي يجري التكتّم على تفاصيله، مع الاكتفاء بإطلاق تصريحاتٍ مثيرة للشكوك والتأويلات.

 

كانت الجزائر هذا الأسبوع محطّة من محطات المساعي الجارية في هذا الاتجاه. فقد قال مصدر عسكري جزائري: إنّ اللقاء الذي يُعقَد في الجزائر، ويشارك فيه عددٌ من المسؤولين العسكريين من مختلف القطاعات والاختصاصات، ويتواصل على مدار ثلاثة أيام، بمشاركة عسكريين أجانب من حلف شمال الأطلسي "ناتو"، يندرج في إطار "البرنامج العسكري للحوار المتوسطي لحلف الشمال الأطلسي لسنة 2006".

 

وقال العميد الجزائري عمّار عمراني الذي افتتح الملتقى الثلاثاء (9/5): إنّ اللقاء المدرج في سلسلة نشاطات التعاون بين الجيش الوطني الجزائري وبين حلف شمال الأطلسي، يرمي إلى "تمكين إطارات (قادة) الجيش الوطني الشعبي من امتلاك معارف، والحصول على رؤيةٍ أكثر دقة حول عمليات دعم السلم".

 

وأشار عمراني إلى أنّه فضلاً عن دروس دعم السلم؛ فإنّ هناك مجالات أخرى مسجلة في برنامج التعاون بين الطرفين، من بينها تكوين قادة الجيش في ميادين "التحكم في اللغة الإنجليزية والمصطلحات العسكرية لحلف شمال الأطلسي وتكوين المكونين ومكافحة الإرهاب وغيرها"، كما نقلت عنه صحيفة /الخبر/ الجزائرية في عددها الأربعاء (10/5).

 

هذا ويتزامن الملتقى الذي يكشف عن مدى انفتاح الجزائر على حلف شمال الأطلسي، مع مشاركة اللواء فايد صالح رئيس الأركان العامة للجيش الجزائري، في الاجتماع الرابع للجنة العسكرية لرؤساء الأركان العامة، لدول منظمة الحلف الأطلسي، ونظرائهم السبع بدول حوض المتوسط، والذي ينعقد بمقر القيادة العامة لحلف الأطلسي بالعاصمة البلجيكية بروكسل منذ يوم الثلاثاء (9/5) الجاري.

 

هذا ويندرج "اللقاء الدولي" في إطار اللقاءات الدورية التي تعقد لتقييم وبحث آفاق تطوير مسار الحوار الذي انطلق بين حلف الأطلسي وبين دول منطقة حوض المتوسط الذي بدأ في العام 1995، وانضمّت إليه الجزائر في العام 2000، طبقاً لما جرى الإعلان عنه.

 

ومن المتوقّع أنْ تجري خلال اللقاء حوارات بين الحلف وبين مختلف دول البحر الأبيض المتوسط، بهدف "دعم التوجّه الجديد لهذه المنظمة في علاقاتها بدول المنطقة، من أجل المساهمة والتنسيق والتعاون الأمنيين بينها"، كما ورد.

 

وأوضحت مصادر الاجتماع أنّه يرمي إلى "تغيير نظرة دول منطقة البحر المتوسط المشاركة في هذا الحوار للناتو"، ويشارك فيه من دول المتوسط إلى جانب الجزائر، ست دول أخرى، وهي مصر وتونس والمغرب وموريتانيا والأردن علاوةً على الكيان الصهيونيّ.

 

وطبقاً للمصادر؛ يتركّز الحوار أساساً على ثلاث قضايا أساسية؛ وهي الدفاع والتنمية والديمقراطية، وهي المبادئ التي يقول حلف شمال الأطلسي إنّه يعمل على تجسيدها في الواقع، عن طريق فتح المجال أمام الدول السبع بالبحر الأبيض المتوسط للمشاركة في نشاطات وبرامج، بقِيَت إلى حدّ الآن حكراً على الدول الأعضاء ودول الشراكة في السلم، وهو توجّه يشكّك فيه الكثير من المراقبين، ويعِدّونه تغطية على الأبعاد الحقيقية في الاقتراب من دول جنوب المتوسط، وهي أبعاد أمنية بالدرجة الأولى.

 

هذا وتُعَدّ عملية "أكتيف أندوفر" أهمّ البرامج التي قام حلف الأطلسي بطرحها، وقد أُطلِقَت عقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وتُعَدّ من أهم برامج الحلف في ما يسمّيه "مكافحة الإرهاب بالبحر الأبيض المتوسط"، وتتمحور حول الوقاية، ورصد "النشاطات الإرهابية" في المنطقة، وتبادل المعلومات بين مختلف الدول وبين المنظمات المعنية.

 

وتجري القوات البحرية الدائمة للناتو كلّ 3 أشهر دوريات بالبحر الأبيض المتوسط، في إطار عملية "أكتيف أندوفر"، وتساهم فيها عدة دول، منها إسبانيا واليونان وتركيا وإيطاليا، والتي توفر الإمكانيات البحرية، بينما توفر دول البحر الأبيض المتوسط بصورة واسعة الدعم اللوجستي. وتقول مصادر من الحلف: إنّ عملية "أكتيف إندوفر"، تساهم بقوةٍ في حماية أمن واستقرار المنطقة. وشهدت العلاقة بين "الناتو" وبين الجزائر تطوّراً ملحوظاً، أصبحت بمقتضاه الجزائر أحد الشركاء الهامين في إطار ما يُسمّى بـ"مكافحة الإرهاب".

 

وتُبدي دول جنوب المتوسط حماساً متزايداً للتعاون مع الحلف الأطلسي، الذي تحسبه الإطار المناسب الذي يساهم بقوة في حفظ استقرارها، ووقايتها من أيَّة هزاتٍ أمنية محتملة، وفق ما يتردّد في بعض الأوساط الاستراتيجية في المنطقة. وتحرص دول المغرب العربي على تقديم المساعدة، ووضع إمكانياتها تحت تصرّف "الناتو"، من أجل حصولها على امتيازات أمنية واقتصادية؛ ترى أنها تمكّنها من تحقيق "الاستقرار الداخلي"، الذي كثيراً ما يُتخَوّف من اهتزازه بسبب عوارض الانسداد السياسي والأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.

 

ويعتقد مراقبون أنّ الاهتمام الغربي المتزايد بالدول العربية الواقعة جنوب المتوسط والتعامل معهم مضافٌ إليهم الكيان الصهيونيّ، يأتي في إطار رؤية أطلسية متكاملة، تحقّق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية للحلف، الذي ولّى وجهه شطر جنوب المتوسط، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وتفكك الحلف الاشتراكيّ.

 

ويرى مراقبون مهتمّون بالشأن المغاربي، أنّ ثمة سعياً حثيثاً من قِبَل الولايات المتحدة ودول غربية إلى إقامة رؤية أمنية مشتركة، ونظام أمني تتشابك فيه مصالح واستقرار الدول المتوسطية في الضفة الجنوبية، بشكلٍ جماعي موحد. ومن شأن تحقيق مثل هذه الرؤية أنْ يساعد ويساهم في هضم الدول العربية في جنوب المتوسط "لجارتهم" الدولة العبرية، وتحوّلها إلى جزءٍ من نظامٍ أمني متوسطي دائم.

 

ويرى خبراء أطلسيون أنّ مثل هذه المقاربة من شأنها أنْ تعيد بناء جزء النظام الأمني في منطقة الشرق الأوسط على أسسٍ جديدة، يمثّل الكيان الصهيونيّ فيها جزءاً طبيعياً كحدٍّ أدني، وفي أقصاها أنْ يضطلع الكيان الصهيونيّ بدورٍ محوري، لما لها من إمكانياتٍ لا تتوفّر لغيرها من جيرانها العرب، علاوةً على موقعها الجغرافي الوسيط. وما يرجّح هذه التقديرات أنّ الكيان الصهيونيّ تتمتّع بالفعل بعلاقات شراكة متقدمة وعريقة مع حلف الناتو، سواء كإطار دفاعي أم كدول أعضاء، الأمر الذي لا يجعل من المفهوم حشْرها في سياق علاقة مع دول عربية تقع في مرتبة تعاون أطلسي أدنى.

 

ويرى ناقدون للدور الأطلسي في المنطقة، أنّ الدول الغربية في إطار الحلف تحرص على استثمار التناقضات وتقاطع المصالح بين الدول العربية المختلفة، لاستدراج تلك الدول واحدة بعد الأخرى إلى التعاون الأمني والاقتصادي مع دول الأطلسي، بغضّ النظر عن التناقضات السياسية، وهو ما يتضح في قضية الصحراء مثلاً. إذْ تُبدي كلّ من المغرب والجزائر، مثلاً، حماسة فائقة في العمل داخل "الناتو"، في إطار التسابق على كسب دعم الأطلسي في الموقف من الصحراء الغربية. فالجزائر التي كانت لسنوات خلت تنأى بنفسها كلية على الاقتراب من الحلف الأطلسي، بل كانت من الدول الأقرب في مواقفها إلى حلف وارسو، لا تتردّد اليوم في أنْ تقدّم نفسها الدولة الأكثر تعاوناً وتنسيقا مع "ناتو"، حتى ولو كان ذلك في إطارٍ يجمعها مع الكيان الصهيونيّ. أمّا عن أهمية العلاقة مع الأطلسي لجهة تثبيت الحكم الداخلي؛ فإنّ الحالتين الموريتانية والتونسية تمثّل بالنسبة للمراقبين نموذجين لافتين في هذا الجانب، وإنْ كان يسري على كافة دول المنطقة بعامة أيضاً.

 

وأوضح مراقبون في العاصمة الجزائرية تحدّثوا إلى "قدس برس"، أنّ "ما فشلت فيه اتفاقيات أوسلو من تطبيع العلاقات العسكرية بين الكيان الصهيونيّ والكثير من الدول العربية، انتقل إلى مهمة ينجزها الحلف الأطلسي، بمقاربة مختلفة أكثر ذكاءً، وأقلّ إثارة واستفزازاً لمشاعر المعترضين على التطبيع".

 

ويضيف هؤلاء قولهم: "لا يهمّ اليوم بالنسبة لبعض الدول العربية، من يشارك في هذا الاجتماع أو ذاك، بقدر ما يهمّ كم حجم المكاسب التي ستعود عليها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بضماناتٍ تحفظ استقرار أنظمة الحكم وأمنها، والدعم الاقتصادي الذي يوفّره مثل هكذا تعاون لحكومات لا تعيش مرحلة اقتصادية وردية، وفق تقديرهم".

 

وفي كلّ الأحوال؛ يبدو واضحاً أنّ تفاعلات "أطلسية" تتسارع تحت السطح العربي، مغرباً ومشرقاً، وأنّ ضبابية معلوماتية تحيط بما يجري، وأنّ الشعوب هي كعادتها؛ آخر من يعلم.