نظام دينه الكذب!

 

 

راشد عمار

 

يحار لب المرء حين يحاول نعت هذا النظام المتعفن الجاثم على أنفاس شعب مصر، أهو خائن؟ أهو عميل؟ أهو متجبر؟ أهو تنظيم عصابيّ للسرقة و النهب؟ أهو مجرم؟  يشعر المرء حينها أن ما تعج به قواميس اللغة و ما جادت به قريحة أدباء و شعراء العرب عن بكرة أبيهم، تضن بالوصف الملائم على اللب الحائر الباحث عن صفة أو نعت..

و لما كانت الكروب و المحن تتنفس عندما تضيق و تشتد، فقد هتف هاتف يقول بل هو كذاب أشر.. نعم هو كذاب أشر..

هي تلك الصفة المشتركة التي تجتمع مع كل الصفات القبيحة الأخرى، لذا فقد كانت أرذل و أقبح العادات و الآفات في أي مجتمع إنساني، و هي كفيلة إن استشرت في مجتمع ما أن تهدم بنيانه و تقوض دعائمه.. فبالكذب يصبح الحق باطلا و يمسي الباطل حقا, و يصبح الشريف آثما و الآثم شريفا، و يعامل الفاجر معاملة الصالح و يعامل الصالح معاملة الفاجر.. فبالكذب تنقلب موازين الحياة و نواميس الخلق، و يعيش الناس في تيه كبير عنوانه غياب الحقيقة، فلا أحد يعرف ما هو الصواب و أين هو الحق ، و تلتبس الأمور بعضها ببعض و تصير فتنة..

و لا عجب أن بلاد الغرب، صاحبة الحضارة المادية المخاصمة للدين، اعتبرت هذه الآفة من أشد الجرائم و أفظعها، و جعلوها من الجرائم التي تخل بالشرف, و توجب لصاحبها التقبيح و التحقير و الشواهد كثيرة، أما في الإسلام فقد أفاض في بيان حرمتها و تغليظ عقوبتها لعظم أمرها و أثرها المدمر.. فيقول الله تعلى( ألا لعنة الله على الكاذبين) و يقول ( قتل الخراصون ) أي الكاذبون، و يقول ( إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب) ، و في الحديث الشريف( أن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار ، و ما يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) و هي من آيات النفاق، و في الحديث أيضا ( كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو به مصدق و أنت له به كاذب )..

فإذا عدنا إلي نظامنا-المنكوبة مصر به- نجد أن دعائمه كلها تقوم علي الكذب، و أسسه كلها راسخة بالكذب، و الكذب يصبغ كل شيئ فيه, فأفراده لا ينطقون إلا كذبا و لا يتنفسون إلا كذبا، و هم قد بلغوا من الكذب مبلغا عظيما لا يضاهيهم فيه أحد أبداً، فهم يكذبون و يكذبون حتى يصدقوا ما قالوه كذبا، فإذا ما وصلوا إلى هذه الحد، انقلب تكلف الكذب و لجلجته و اضطرابه يقيناً ، فإذا بنبرة التردد ورعشة ارتكاب الإثم تتحول إلى نبرة صدق و يقين، و لسان قويم، و حماسة متدفقة، و لما لا وهم قد صدقوا ما كذبوا به و أصبحوا يدافعون عن الحقيقة.. أو بعد هذا ضلال؟ بدأ الفرعون الهالك حكمه بكذبة كبيرة، فقال أنه لا يريد أن يمكث في الحكم أكثر من فترة واحدة، و أنه زاهد في المنصب، فاستبشر الناس خيرا.. و مرت الأيام و السنون فإذا بأحوالهم من سيئ إلى أسوأ، و الضنك يشتد، فإذا ما تساءلوا تولت كتائب الكذابين مهمة الرد ، وأبدع أساطين النفاق و التدليس و الغش فنونا من الكذب، لنرى وزيرا يتقدم إلى مجلس الشعب – في محاولة لإنقاذ سيده الكاذب الأكبر- ليقسم بشرف أمه أن موازنة الدولة بها فائض لأول مرة يربو على الأربعمائة مليون.. أي أن الرخاء قد عم البلاد و العباد و تلبسهم من كل جانب, و بهت الناس فهم لا يرون شيئا، و لكنهم سرعان ما مالوا إلى تصديق حال الرخاء و السعادة الكاذبة على أن يظنوا سوءاً بأم الوزير!

و هكذا مضت مسيرة النظام طوال ربع القرن تتخذ من الكذب سبيلاً أوحد للإستمرار و التدليس على الشعب المسالم المغلوبِ على أمره، مستعيناًٍ في ذلك بجيوش من الكذابين الذين رباهم علي عينه و جبلهم على أخلاق الجبن و انعدام الكرامة و الشرف و المروءة.. و على مدى سنين طوال و في أعقاب كل إنتخابات أو استفتاء يخرج علينا رأس النظام ليعلن إجراء أنزه انتخابات في تاريخ مصر! هو باليقين – حال هذا الإعلان- يعلم أنه يكذب، و يعلم تماما أنه قد جلس إلى وزير داخليته  و اتفقا سويا على الأرقام والنسب وأن هذا كله ليس مما له علاقة بانتخابات من قريب أو بعيد، هو يعلم هذا يقينا و لكنها القلوب التي اسودت و استمرأت الكذب فأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة.. و بالأمس القريب كان من هاجم كنائس الإسكندرية مختلاً عقليا، و من قبله كان صاحب مذبحة بنى مزار مختلا عقليا  و من حاول مهاجمة الرئيس في بورسعيد كان أيضا مختلا عقليا و حتى سليمان خاطر كان مختلاً عقليا.. ترى من هو المختل عقله بالفعل؟ و بالمثل كان و عد الرئيس بإلغاء عقوبة الحبس للصحفيين، و للأسف الشديد، قد صدقته النخبة ذاهلين عن تاريخه الأسود في الكذب، و أيضا كان وعده بإلغاء قانون الطوارئ حال انتخابه – و هنا كان يعلم أيضا أنه لن ينفذ هذا أبداً- و لكنه وجد أيضا من يصدقه، ليسفر بعد ذلك عن طبعٍ أصيل في الكذب.. و هو لم يمل هو وولده من التأكيد على أنه لا نية لتوريث الحكم.. و لنا أن نستنتج جميعا- فى ضوء ما سبق- ما يدبراه سويا في الخفاء.. و يعانى عشرون ألف معتقل من خيرة شباب مصر في السجون بدون تهم و لا محاكمة لسنوات طوال و يعاني عائلاتهم و أبنائهم لتصبح أكبر مأساة إنسانية في مصر و تبدأ منظمات دولية في التحدث عنهم, ليخرج علينا أحد سدنة النظام المتمرسين على الكذب ليعلن للعالم أجمع أنه ليس في مصر معتقلين!!! أليس هذا فجرا في الكذب!  

و أخيرا و ليس آخرا، أذهلنا جميعا عندما خرج علينا بوجهه الذي ترتسم عليه قسمات الموت، ليعلن أنه لا دخل لنظامه بتاتاً بما يحدث للقضاة و أنه يتمنى أن يحل القضاة مشاكلهم بأنفسهم..!

يقول هذا و ما ارتفعت عصا في يد جندي لتهوي على رأس أحد المتظاهرين أمام نادي القضاة إلا بأمره.. يقول هذا و هو يديرمعركته مع القضاة لحظة بلحظة بغشمٍ و جهالة و قسوة قلب و بلادة حس اشتهر بها، إلا أن ما يثير الحزن ، أن ترتفع بعض الأصوات – ومنهم قضاة – لمطالبته بالتدخل لحماية القضاة!

لقد آن للدنيا كلها أن تعرف حقيقة أن في مصر نظام كاذب، يكذب على شعبه و يكذب على العالم كله ، و رئيسه هو كبير الكذابين، لا يقول إلا كذبا، و لا يعرف للصدق و الأمانة طريقا و لا معنى..

و للحق ربما تكون الحقيقة الوحيدة التي نطق بها، ما قاله في إحدى سنوات حكمه السوداء الطويلة ( أن هذا العام أسود و ما يليه هو أشد منه سواداً... )..

ألا لعنة الله على الكاذبين..