حكاية المعايير القومية للتعليم وتوابعها

دراسة ناقدة ورؤية بديلة

 

 

 

 

بقلم :د. أحمـد المهـدى عبـد الحليـم

   أستاذ المناهج وطرق التعليم – غير المتفرغ – في جامعتي حلوان والأزهر

 

مهاد:

أبدأ باسم الله، وبالصلاة على أنبيائه ورسله، وأقدم الشكر جزيلاً لمجلس إدارة الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس- الأستاذ الدكتور/ محمود الناقة والزملاء الأعزاء أعضاء المجلس على فضل استكتابي في موضوع المؤتمر السنوي السابع عشر تحت عنوان "المناهج ومستويات المعايير القومية".

وأحسب أن البحوث والندوات والمداولات التي سوف تُجرى في إطار المؤتمر تجئ في موعد مناسب جداً؛ ليقول أعضاء الجمعية- وهم نخبة مِهْنية متخصصة- رأيهم بصراحة مِهْنية، وفق ما يمليه عليهم حسهم الوطني، وضميرهم المِهْني، ومتطلبات الوفاء بواجب "التناصح" فيما يحقق الخير لأمتنا، والتناهي عما يعوق مسيرتها، ويبعثر جهود التنمية البشرية فيها.

إن وصف "النقد" الذي وسمت به عنوان هذه الدراسة يمثل في التحليل النهائي "شهادة" لله، وللوطن، وللمهنة. ومن يكتم الشهادة فإنه آثمٌ قلبه، والساكت عن قول الحق شيطان أخرس. وصدق الله العظيم إذ يقول جَلّ علاه: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً{ [سورة النساء: الآية 135].

وأستأذن في أن أضع مِهَاداً للدراسة، يوجز أبرز المسلمات أو الافتراضات التي بنيت عليها:

افتراضات أساسية:

1-   التربية المدرسية أو التعليم Education ليست علماً على النحو الماثل في الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات، وأحسب أنه لن يكون كذلك، ولا ينبغي أن يكون كذلك؛ استناداً إلى طبيعة التربية ومقاصدها بالنسبة للفرد وللمجتمع وللأمة. وقد أثرت منذ أكثر من أربعين عاماً أن أصف التربية أو التعليم المقصود بأنه: علمٌ من علوم الأداء أو الممارسة Praxiology كالطب والزراعة، لا تغني فيه المعارف النظرية الواردة إليه من روافد كثيرة: الفلسفة، والسياسة، والاقتصاد، وعلم النفس- في فروعه المتعددة - ودينامية الجماعات، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وعلوم الإدارة ونحوها؛ إذ إن صدق هذه المعارف في مجال التعليم يتوقف على مدى صدقها وثباتها- نسبياً- في الممارسات التعليمية، التي تنهض بها فئات مختلفة في مستويات متعددة.

2-   نظام التعليم Education System ليس نظاماً مستقلاً أو مكتفياً بذاته؛ وإنما هو نظام تكتنفه أنظمة تؤثر فيه وتتأثر به؛ بعضها يعلوه كالنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبعضها يواكبه كنظام الإعلام والإدارة، وبعض آخر ينبثق عنه كنظام التوظيف، والقوى العاملة، ونظم التدريب والخدمات وغيرها من الأنظمة التي يُؤسس التعليم للانتظام فيها.

3-   من الحقائق الثابتة علمياً – الآن- أن إصلاح التعليم في البلاد المتقدمة والنامية – على سواء- يواجه صعوبات كثيرة؛ لعل أبرزها:

أ‌-     عدم فقه طبيعة نظام التعليم، وضعف استيعاب أولويات إصلاحه أو تطويره أو إعادة بنائه، وهشاشة السياسات والخطط التي توضع لتغييره؛ إن مشكلات التعليم وقضاياه مشكلات وقضايا "مراوغة" أو قل: إنها "زئبقية"؛ بمعنى أنك حين تأخذ في تشخيص مشكلاته، سعياً لإصلاحه أو تطويره أو إعادة بنائه، يمكنك أن تمسك ببعض أطراف المشكلة، ولكنك تفاجأ بأنها تفلت من يديك لأنها موصولة بأطراف أخرى متباينة في طبيعتها، ومؤثرة في تجسيم المشكلة؛ حيث تواجه أنظمة أعلى من التعليم كنظام الحكم والميزانيات المالية، والإدارة السياسية العليا، ومنها ما ينتمي إلى مدخلات النظام: المتعلمون وما لديهم من فروق تتصل بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي نشئوا فيه في الأسرة، وما أفرزه في مستويات نضجهم العقلي والوجداني، ومستوى دافعيتهم للتعلم، والمعلمون بما لديهم من معتقدات ومعارف، واتجاهات وميول، وتكوين: تخصصي، ومهني، وثقافي، وما لديهم – أيضاً- من سمات شخصية تؤثر في طلابهم- بوعي أو بغير وعي- وبمدى رضاهم عن عملهم في مهنة التعليم.

ب‌- أن من يصفون سياسة إصلاح التعليم أو تطويره أو إعادة بنائه يحاولون – في الأغلب الأعم- أن يحققوا في وقت واحد أقصى ما تشير إليه مجموعة من القيم التي تبدو متناقضة؛ يصارع بعضها بعضاً، خذ أمثلة لمثل هذا التصارع:

÷    قيمة "المساواة" التي هي حقٌ عام لكل إنسان، وهي القيمة التي يعبر عنها في التعليم بمصطلح "تكافؤ فرص التعليم"، هذه القيمة تدعو إلى التوسع الكمي في عدد المدارس لمد خدمات التعليم إلى كل مستحقٍ لـه.. وهذه القيمة – في الممارسة العملية- تنافس قيماً أخري مثل جودة التعليم أو امتيازه، وقيمة التأكيد على نوعه لا على كمه.

÷    قيمة حرية الآباء في اختيار المدرسة التي يتعلم فيها أبناؤهم، وحرية المتعلمين في اختيار المقررات التي يدرسونها في تنازعها مع ضرورات القدر المشترك المفروض في مناهج التعليم لتدعيم التناسج الاجتماعي، والانتماء الوطني، وتوحيد الولاء لثقافة المجتمع الذي يعيشون فيه؛ حمايةً لكيان المجتمع في حاضره ومستقبله.

÷    وثمة قيم أخرى كثيرة مثل: مركزية تخطيط التعليم وإدارته ورسم سياسة إصلاحه في مقابل "اللامركزية"، وجعل المدرسة الواحدة "وحدة الإصلاح" أو التطوير التعليمي، وقيمة ضبط العاملين في التعليم، ومراقبة أدائهم في مقابل قيمة الاستقلال الذاتي الذي من شأنه زيادة كفاءتهم العقلية، وترقية فاعليتهم الاجتماعية. وكذلك قيمة مجانية التعليم في مقابل أن يتكفل المستفيدون من التعليم أو أولياء أمورهم بدفع نفقاته.

هذا، وتنافس القيم – على الوجه الذي عرضته- واقعٌ يجب أن يتعامل معه من يتصدون لإصلاح التعليم بذكاء، وصبر طويل؛ كي يستخلصوا من خلال التناقض أو التنافس أوضاعاً جديدة؛ تحقق لنظام التعليم توازنه وزيادة فاعليته، "والتوازن" قيمة مطلوبة في الحياة بعامة، وفي الكائنات الحية بخاصة، وأقدر هذه الكائنات على التوازن هو "الإنسان" في انفراده وفي اجتماعه؛ فهو مخلوقٌ مريدٌ، عاقلٌ، مفكرٌ، قادرٌ على استشراف مستقبله متخطياً في ذلك حدود الزمان والمكان؛ ومرد ذلك أن خالقه – جَلّ عُلاه- قد فطره على قابليات بدنية وعقلية ونفسية واجتماعية أهلته ليكون المستخلف عن الله في عمران الحياة. وجعلته سيداً في الكون، وسخر له ما عداه. وتاريخ الحضارة الإنسانية يثبت أن الناس قادرون على تغيير أنفسهم، وتغيير ما يكتنفهم من بيئات.

4-   التعليم ظاهرة معقدة – وليست بسيطة – ويمكن في وصفه، وفي تشخيص أدوائه، ورسم سياسات إصلاحه أو تطويره أو إعادة بنائه- أن يُلجأ إلى النظرية العامة للنظم General Theory of Systems وأنا واحد من أوائل من طبقوا مبادئ هذه النظرية العامة للنظم على ظاهرة "المنهج" منذ أكثر من أربعين عاماً في بحثي المكمل لمتطلبات حصولي على درجة دكتوراه الفلسفة في التربية(1)*، وقد دلتني متابعة ما يكتب عن التعليم بوصفه نظاماً System أن خطأ جسيماً يرتكب، حين نسوِّي بين نظام التعليم: في مكوناته، ومدخلاته وعملياته ومخرجاته، وتقويمه وبين نظم الصناعة: التسليح، والأدوية، والأغذية، ونظم إدارة المؤسسات الاجتماعية الأخرى.

ولذا فإني أزكي رؤية التعليم على أنه يتسم بالمنظومية Systematicness ويجب أن نتعامل معها بوصفها منظومة ثقافية أيكولوجية. وذلك على النحو الذي سأعرضه في استقصائي لنقائص إصلاح التعليم من خلال مدخل "المعايير القومية والمحاسبية". الذي بدأ الحديث عنه، وشرع في تطبيقه في الولايات المتحدة الأمريكية في أوائل العقد الأخير من القرن الماضي. وهو المدخل الذي حاولت وزارة التربية والتعليم في مصر استنساخه لتطوير التعليم في عهد وزيرها السابق الأستاذ الدكتور/ حسين كامل بهاء الدين، وأصدرت الوزارة في شأنه ثلاثة مجلدات(2).

5-   إصلاح التعليم أو تطويره أو إعادة بنائه ليس عملاً عشوائياً سهلاً؛ وإنما هو عمل في غاية التعقيد، ويقتضي التدخل في نظام التعليم إنجاز ثلاث فرائض: الأولى أن يكون لدى من يحاولون إصلاحه خريطة صادقة لواقعه، يتجلى فيها إيجابيات هذا الواقع مقرونة بسلبياته؛ خريطة تبين ما في هذا النظام من خلل أو تدهور سواء في ذلك فلسفة التعليم بعامة، وطموحات التعليم في مراحله المختلفة، خريطة تكشف عن أداءات جميع العاملين: طلاباً ومعلمين وهيئات معاونة. هذا بالإضافة إلى "العتاد" المدرسي كالبنايات والمختبرات والأجهزة. 

وثاني الفرائض أن يكون لدى من يتصدون لإصلاح التعليم أو تطويره أو إعادة بنائه "بوصلة" تهدى كل الفئات العاملة، والمؤثرة في التعليم، وأعنى بها التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمهنية التي يهتدي بها كل المشاركين في عملية ترشيد التعليم. ومن شأن هذه "البوصلة" أن تستغل أفضل ما هو متاح في مجال التعليم لترشيد حاضره، وإثراء مستقبله بما تم اكتشافه في مجالاته المختلفة؛ سواء في ذلك: التقدم الحادث في بنية العلوم المختلفة، والتقدم الحادث في مجالات العرفان والتعلم، والتطور الحادث في مجال التقويم ونحو ذلك.

والفريضة الثالثة هي أن يكون لدى من يتصدون للتدخل لتصحيح مسار التعليم رؤية لأبعاد الأفق الاستراتيجي الذي تتحرك كتيبة إصلاح التعليم في إطاره. ومغزى هذه المقولة هو أن إصلاح التعليم يحتاج إلى نظرية شاملة؛ تربط الحركات الجزئية التقنية برؤية مستقبلية بعيدة المدى؛ تقلل احتمال انتكاس حركة تطوير التعليم.

وأنهي هذا الافتراض بتأكيد أن نقطة البَدْء في إصلاح التعليم هي مخاطبة واقعة الراهن في كافة مكوناته، وذلك من خلال رؤية مستقبلية واستراتيجية تتسم بالوضوح، وتنأى عن منافقة الواقع أو تجميده؛ رؤية تتسم بالصراحة والشفافية، وتبرأ من النرجسية الذاتية والثقافية، وتنفي شخصنة النظام التعليمي، أو استغلاله لصالح أيدلوجيات معينة تُفرض على النظام من خارجه، أو تطوعه لصالح فئات معينة في المجتمع.

 


ماهية المعايير

المعيار أو العيار- لغة- يعني معايرة شيء أو كيان مادي بتقدير منضبط؛ لا يختلف رأي الناس فيه، ويكون هذا التقدير بالوزن (الكيلو جرام وجزئياته ومضاعفاته) وبالكيل، وبتحديد المساحة المكانية بالمتر ومضاعفاته، وتعيين المسافة الزمنية بالفانتو ثانية، والثانية، والدقيقة، والساعة، ونحو ذلك. وتستخدم المعايير الكمية في كثير من أعمال الصناعة وأعمال التشييد، وأعمال الخدمات، ويستوي في هذا الاستخدام للفظة "معيار" صناعات الأسلحة والسيارات والأجهزة والأدوية والأغذية، كما يستخدم المعيار في الطب وفي الأعمال التجارية والمصرفية، وتنشئ الدول أجهزة معينة "للقياس والمعايرة"؛ توخياً لضمان جودة الإنتاج، وتحقيق العدل بين أطراف التعامل.

والمعايير ضرورية لتقدير المحسات والكميات والمساحات، والمعدودات. وتستخدم فيها الملاحظة المباشرة، ويستعان في تقديرها بالأجهزة والأدوات التي تعين على ضبط المقادير، وتقنينها؛ استهدافاً للوقاية والسلامة... ويستعمل مصطلح "المعيار" في كل ما سبق استعمالاً لغوياً حقيقياً.

وقد انتقل مصطلح المعيار إلى مجالات العلوم التربوية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية؛ حيث يستعمل المصطلح بصورة مجازية، وليست حقيقية، في اختبارات الذكاء والتحصيل، واختبارات التشخيص، واختبارات الاستعداد والاتجاهات والميول، كما يستخدم المعيار في تقدير متوسط الدخل، وفي نسبة النماء الاقتصادي، وفي مدى توازن الميزانيات المالية. وفي هذه الحالات يشير المعيار إلى عدد، يمثل متوسط مجموعة أعداد؛ ولكنه لا يشير إلى واقع أو وقائع حيوية، إذ إن المعايير الرقمية ليست حقائق؛ وإنما هي "تمثيل رمزي" Symbolic Represention. وقد يفيد هذا التمثيل الرمزي في رسم السياسات العامة كأن يقال: معيار القبول للصف الأول الابتدائي هو أن يكون الطفل في سن السادسة من عمره وهذا المعيار لا يعني أن الأطفال دون السادسة غير قادرين على التعلم، أو كأن يقال "المعيار" في متابعة الدراسات العليا هو ألا يقل "المعدل التراكمي" لإنجازات الطالب في المقررات المختلفة التي أنجزها عن (3) درجات من درجة نهاية هي (4). وتوصف هذه المعايير بأنها تأشيرية، وليست تعبيراً عن الواقع، أو تجسيماً للوقائع الفعلية في الحياة المعيشة.

وثمة نمط آخر للمعيار – حين يعرض في رموز- وذلك عند صياغته في كلمات وجمل وفقرات تُنسج وفقاً لضوابط المعاني والمباني في اللغة. ويتدرج هذا النمط اللفظي للمعيار على متصل يتميز بالبساطة في أحد طرفيه ومثاله مقولة: "السرعة القصوى على الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية 100كم/ ساعة"0إن من يقرأ مثل هذه اللافتة من السائقين يعرف متطلباتها، وعدم التزامه بما تنص عليه يعرضه للمحاسبة. ويتميز الطرف الثاني في هذا المتصل بالتعقيد والغموض والإبهام. ومثاله في مجال "المدرسة الفعّالة" في الوثائق الصادرة عن وزارة التربية والتعليم المصرية ما جاء تحت عنوان "المناخ الاجتماعي المدرسي" حيث صيغ على الوجه التالي:

"يشمل المناخ جملة ونوعية المعتقدات والقيم والتفاعلات الاجتماعية بين التلاميذ بعضهم بعضاً، والعاملين وأولياء الأمور"

وذكر أن المعيار الأول في هذا المجال هو(3):

"التنمية الخلقية لدعم وبناء معتقدات وقيم إيجابية0

وذكر أن المؤشرات التي تدل على تحقق هذا المعيار هي:

·        تتبع [المدرسة] أساليب تحقق النظافة وتنمي الإحساس بالجمال.

·        يلتزم العاملون والطلاب الصدق.

·        يسود المدرسة الاحترام المتبادل بين الجميع.

·        توفر سبل وآليات العناية بالتلاميذ ومساعدتهم.

·        يتسم العمل فيها بالتعاون والجماعية.

·        يتسم سلوك العاملين بالانضباط والشعور بالمسئولية.

·        يتوفر في المدرسة جو يساعد على الإنجاز والإنتاج.

·        تتوفر في المدرسة بيئة تتسم بالأمن والأمان للعاملين فيها.

·        يتسم سلوك العاملين بالمدرسة بالنزاهة والعدل.

·        يقوم العاملون بالتأمل والتقويم الذاتي.

إن تأمل هذا المعيار ومؤشراته على النحو المذكور يسوغ أن نقول عنها:

(1)   إنها ليست وصفاً لواقع؛ وإنما هي وصف لحالات "مثالية" تجريدية، يتمنى من صاغوها أن تتحقق مؤشراتها في المدرسة.

(2)   وسَوْق هذه التمنيات، دون أن تكون لدى من صاغوها خريطة لتضاريس الواقع المطلوب تغييره والواقع التعليمي المراد تطويره عبثٌ، ومحاولة لضرب الماء بالسيف لقطعه، أو للبناء عليه، وهذا هو مغزى إحدى الفرائض التي بُنيت عليها هذه الدراسة (ضرورة وجود خريطة واضحة للواقع التعليمي).

(3)   في صياغة المعيار ومؤشراته غموض وإبهام لا يسوغان الاتفاق على ما يعنيه كل معيار - وتلك طبيعة اللغة- خذ أمثلة على هذا: مدى الاختلاف في تحديد المراد بما يلي:

×     "التنمية الخلقية": ما حقيقتها؟ ما صلتها بالدين؟ ما المجالات التي ينبغي أن تهتم بها المدرسة في هذا الجانب؟ وما وسائل هذه التنمية في المدرسة؟ وما دور الأسرة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى في هذه التنمية؟ 

×     "الصدق": فيم؟ في القول- في الفعل- مع الذات- مع الآخر المناظر- مع الآخر الأعلى مكانة؟ مع من هم في نفس المستوى- مع من هم أدنى مكانة- مع الله- مع الحاكم؟

×     "النزاهة": ماذا تعنى؟ تعنى أن يبرأ الإنسان ويتنزه عن قول القبيح أو فعله، وأن يتحرر من الأهواء الذاتية، والتعصبات: القبلية والجنسية والاقتصادية. ماذا تستطيع المدرسة أن تفعل في تحقيق النزاهة في مجتمع تتجلى فيه سيادة القيم المادية، وتكثر فيه حالات "الهبر" والتربح والتحايل على القانون لتحقيق صوالح شخصية مالية ومعنوية؟ ماذا تفعل المدرسة لتنمية النزاهة في مجتمع تمت فيه محاكمات لوزراء ولمحافظين بتهم أدت إلى سجن بعضهم.

 ومغزى هذا هو أن من يُنشئون المعايير لديهم معان للكلمات المفتاحية فيها، ومن يتلقونها لديهم تصورات وتركيبات عقلية ليست بالضرورة هي ما أراده "ترزية" المعايير، وأكثر من هذا فإن المعاني لدى كل من مولدَّ اللغة ومن يتلقاها سابحةٌ في أفق ثقافي، ويتم اختيارها من السياق الثقافي الذي يحيا فيه منشئ اللغة ومتلقيها. وتصدق هذه التساؤلات على ألفاظ أخرى في المعيار ومؤشراته مثل: "العدل"، و"التأمل الذاتي"، و"التقويم الذاتي"، و"الإحساس بالجمال"، و"آليات العناية بالتلاميذ"، و"الأمن والأمان".

        وأوجز القول في الصياغة اللغوية الماثلة في معظم المعايير القومية لإصلاح التعليم في مصر بتأكيد أنها مصاغة في لغة خاصة؛ هي لغة التمني Optative Language ويطلق عليها - أيضاً- أنها "لغة الرغبة" Desiralilty Language وأنها ليست حقائق أو أفعالاً يمكن التحقق من صدقها أو بطلانها، باختبارها تجريبياً؛ ولكنها وصفٌ لأشياء أو كيانات أو ذوات في صورة توقعات Expectations يقوم بها آخرون، وتحقق هذه التوقعات وعدم تحققها يتوقف على مدى فهم المشاركين في عمليات التعلم والتعليم لمضمونها ومغازيها، وتلك حقيقة يفرضها الفهم العام Common Sense – وأكدتها البحوث الحديثة بالنسبة للمعايير والمحاسبية في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك حيث أكد تحليل البحوث والدراسات المتصلة بالمعايير أن تغيير سلوك الأفراد يتضمن مكوناً عرفانياً Cognative Component ويعني أن أول شيء يقوم به من توجه إليهم المعايير من أعلى هو تفسير هذه المعايير، واستيعاب ما ترمى إليه، وهذا الفهم والاستيعاب هما الأساس الذي يتخذ المعلمون ومديرو المدارس قرارهم في ضوئه؛ وذلك: بتجاهل المعايير أو إهمالها، أو بتخريبها، أو بتبنيها أو بمحاولة التكيف معها(4).

        ويتوقف قرار المعلمين والمديرين – أيضاً- على فهم السياق العام الذي يكتنف التعليم بعامة، وعلى الموقف التعليمي الذي تتفاعل فيه القبليات العرفانية، والانتماءات الطبقية لمن ينتظمون في هذا الموقف، وعلى السمات الشخصية للمتعلمين والمعلمين وخاصة مستوى دافعية المتعلمين إلى التعلم، ومستوى رضا المعلمين عن المهنة، ودافعيتهم إلى التعليم وتصوراتهم للمتعلمين.

ý                       نشأة المعايير:

أضحى إصلاح نظام التعليم موضوعاً تكاثرت فيه المعارف، ومجالاً للدراسات والبحوث العلمية، في الدول المتقدمة والنامية على سواء، واتخذ هذا الإصلاح في الولايات المتحدة الأمريكية شكل "الموجات" التي تتزامن وتتلاطم في بحر لجيّ واسع، دون أن تقضي الموجات اللاحقة على ما سبقها من موجات. والثابت أن إصلاح نظام التعليم في أمريكا كان موضع عناية السياسيين والاقتصاديين والفلاسفة والتربويين منذ ثلاثينيات القرن العرشين. ولست بحاجة – هنا - إلى استقصاء هذه الموجات؛ وإنما أذكر إشارات قليلة أملاً أن تغني عن عبارات ومقالات طويلة؛ فلقد دلتني متابعتي لهذه الموجات و الحركات على أن كل موجة اتخذت لها شعاراً يومئ إلى مواطن التأكيد في جهودها وذلك على الوجه التالي:

o                                                       حركة الإدارة العلمية الصارمة للتربية، وقد استهدفت هذه الحركة الباكرة في العقد الثالث للقرن العشرين محاولة أن تجعل التعليم علماً منضبطاً ذا أهداف محددة، ومحتويات معرفية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمشكلات المتعلمين ومشكلات المجتمع.

o                                                       حركة التربية التقدمية Progressive Education movement بقيادة رائدها "جون ديوي" وتلاميذه. وكانت اهتماماتها موجهة إلى أن يكون المتعلم هو غاية التعليم، وصانع التعلم؛ بمعنى أن يقوم المتعلمون في كافة المراحل ببذل جهود تتسم بالنشاط والفاعلية، وكان لكتابيه صغيري الحجم عظيمي الخطر: وهما "الخبرة والتربية" (ترجم إلى العربية)، وكتاب آخر لم يترجم وعنوانه Interest and Effort in Education  - فضل عظيم في إرساء دعائم هذه الحركة، التي لا تزال آثارها فاعلة في التراث التربوي الجاد في أمريكا، وفي العالم حتى اليوم.

وكان جوهر هذه الحركة هو أن يستبدل بالتلقين في التعليم "التعليم بالخبرة" و"التعليم بالعمل" ولا تزال مناطات التأكيد في هذه الحركة تمثل رافداً ثراً لإخصاب التعليم في أمريكا وفي معظم دول العالم.

o                                                       حركة مناهج التعليم القائمة على المشكلات الاجتماعية والحاجات الإنسانية للفرد وللمجتمع. وقد تبنتها كلية المعلمين Teachers College في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك.

o                                                       حركة تحديث بنية العلوم Structure of Disciplives، التي قامت في أمريكا بعد نجاح الاتحاد السوفيتي السابق عام 1957 في إطلاق أول صاروخ في الفضاء لجمع معلومات. وقد اقتضت هذه الحركة إعادة النظر في بنية العلوم كلها، وشاع وصف "جديد" لمناهج المواد المختلفة في المدارس (New English , New Physics , New Mathematic)، وكانت العناية الكبرى في هذه الحركة موجهة إلى محتويات المنهج؛ للتأكد من أنها صادقة Valid بمقاييس التقدم العلمي المعاصر، وأنها مشروعة ومبررة اجتماعياً Socially Justified، وأنها قابلة للتعلم، وكان حجر الزاوية في هذه الحركة مقولة (برونر Bruner, J.): "إنك تستطيع أن تعلم أي شيء للمتعلمين في أي عمر إذا استطعت أن تضع المادة المتعلمة في صورة أمينة وملائمة  للبنية الذهنية للمتعلمين". وتلك معادلة صعبة التحقيق لأسباب كثيرة.

o                                                       حركة إصلاح التعليم المؤسسة على تحديد وتنمية كفايات المعلمين وكفايات المتعلمين، وقد شاعت هذه الحركة في البحوث الصادرة عن عدد من الجامعات الأمريكية ومراكز البحث التربوي، وانتقلت إلى العالم العربي من خلال من ابتعثوا للتعلم في أمريكا، ومن خلال الأدبيات الأمريكية التي تمت ترجمتها إلى العربية.

o                                                       موجة إصلاح التعليم القائم على تمكين المعلمين Teachers empowerment وكان جوهرها أن المعلم هو المنوط بالتدريس الذي ينتج التعلم.

o                                                       موجـة الإصلاح القائم على جعل المدرسة "وحدة" إصلاح التعليم أو تطويره School- Based Education Reform.

وقد تبنت هذه الحركة أن يبدأ إصلاح التعليم من قاعدته الأساسية ومواقع إنتاج التعليم. وفي هذه الموجة تمت العناية بتكوين المعلم وبمتابعة تنميته مهنياً، من خلال إتاحة فرص متعددة لتنميته في مجالات: التخصص الذي يقوم بتدريسه، ورفع مستوى أدائه المهني، واستمرار نموه ثقافياً، كما عُنيت بدور المعلمين في تخطيط منهج المدرسة، وسياسات واستراتيجيات تنفيذه.

o                                                       موجة "التعليم للجميع" وقد استهدفت هذه الموجة ضرورة أن يتم الاستيعاب الكامل للمتعلمين في أعمارهم الزمنية المختلفة في مراحل التعليم المناظرة لهذه الأعمار. ويؤخذ على هذه الحركة أنها عمدت إلى تحقيق مبدأ "تكافؤ الفرص في التعليم" لكل الأطفال دون النظر إلى مدى جدوى التعليم الذي تقدمه المدارس في تكافؤ فرص العمل لمن يتخرجون في هذه المدارس.

o                                                       موجة الإصلاح القائم على المعايير القومية للتعليم والمحاسبية Standerds- Based Education Reform and Accountability وهي الموجة التي تم استنساخها لإصلاح التعليم في مصر في عهد وزير التربية والتعليم السابق الأستاذ الدكتور/ حسين كامل بهاء الدين.

وأستأذن في تأكيد أن نقدي لهذا المدخل في إصلاح التعليم موجه إلى النموذج الأصل في أمريكا، وإلى بداياتها في مصر؛ فهي استنساخ للأصل الأمريكي وسوف تواجه المخاطر التي تواجهها حركة المعايير والمحاسبية في أمريكا.

دواعي اختيار المعايير والمحاسبية مدخلاً لإصلاح التعليم في أمريكا

        وتعقيباً على موجات أو حركات إصلاح التعليم التي أشرت إليها سلفاً أقول: إن كل واحدة من هذه الموجات موجهة إلى إصلاح جانب واحد أو أكثر في النظام التعليمي؛ ولا يمكن أن يزعم لإحداها صفة الشمول أو كامل الإحاطة بمكونات النظام التعليمي...

        أما عن دواعي اختيار "المعايير القومية والمحاسبية" مدخلاً لإصلاح التعليم في أمريكا فأقول: إنها "موجة" سبقتها موجات، وستتلوها موجات أخرى دون أن تقضي أية موجة فيها على سوابقها.

ويمكن أن أوجز دواعي اختيار هذا المدخل لإصلاح التعليم في أمريكا فيما يلي:

1- تقوية النسيج الاجتماعي:

يتميز المجتمع الأمريكي بأنه مجتمع تتنوع فيه الأديان والأعراف والمعتقدات والأصل القومي، ويشتد فيه التباين في المستوى الاقتصادي والاجتماعي. وأحسب أن السبب في ذلك هو أن جل المواطنين الأمريكيين قدموا إلى أمريكا – في أجيال متتابعة- مهاجرين من بلاد العالم الأخرى بوصف أنها "بلاد الفرص" Land of Opprtunities للكسب المادي، وللتعليم الجيد، ولتلقي الخدمات عند مستوى يفوق غيرها من المجتمعات... وكان طبيعياً أن توجد في المجتمع الأمريكي قسمات ثقافية ترجع إلى رواسب الثقافات التي قدم منها أجداد وآباء بعض الأمريكيين الآن. ولذا كانت الدعوة إلى أن يكون التعليم "بوتقة" Melting-Pot  تنصهر فيها ومن خلالها المعتقدات والأعراف والعادات والتقاليد الوافدة إلى أمريكا؛سعياً إلى تشكيل مجتمع متناسج طوائفه، والواقع هو أن التعليم في أمريكا- عبر أجيال- قد نجح إلى درجة كبيرة في تنمية الولاء الوطني، والانتماء الثقافي لأمريكا.. وكان التعليم بعامة وتعليم اللغة الإنجليزية [الأمريكية] بخاصة أكبر الأثر في تقوية النسيج الاجتماعي في أمريكا، هذا بالإضافة إلى عناية نظام الحكم ومؤسسات المجتمع المدني في أمريكا بتأكيد الحقوق الإنسانية لكل المواطنين. دون تفرقة تغزى إلى الدين أو العرق أو الأصل القومي أو الانتماء الفكري في ضوء سياسة الحكم الديمقراطي، الذي أصل في دستور الدولة الأمريكية والقوانين الفيدرالية، وفي تشريعات الولايات، وفي أحكام القضاء في مستوياته المختلفة.

ولـذا فـإن بعض المفكرين يرون ضرورة أن يكون هناك منهج للتعليم العام Common Curriculum  في المدارس الابتدائية والثانوية، يتناول القدر الضروري من المعارف والقيم والاتجاهات والمهارات الأساسية التي يجب أن يتعلمها المواطن في بواكير حياته التعليمية؛ لأن هذا من شأنه أن يجعل المتعلمين يستوعبون الثقافة الأمريكية التي يحيونها، ويكفل ولاءهم لها، ومدخل "المعايير القومية والمحاسبية" في إصلاح التعليم هو إحدى السبل التي تحقق هذه الغاية العليا.

2- الدواعي السياسية والاقتصادية:

وثمة دواع سياسية واقتصادية تبرر اتخاذ مدخل "المعايير والمحاسبة" سبيلاً لإصلاح التعليم في أمريكا؛ فمنذ انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بزعامة أمريكا والمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي السابق في أواخر عقد التسعينيات في القرن الماضي حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على أن تكون القطب "الأوحد" صاحب الكلمة العليا، واليد الطولى والأقوى في إدارة شئون العالم عسكرياً وسياسياً وثقافياً. وقادت لتحقيق هذه الغاية تيار "العولمة" الذي تحول تحت رعايتها إلى "أمركة" و "أوركة" وتم تطبيق قسمات هذا التيار في منطقة الشرق الأوسط على أنه تيار مختلط خلاصته "الأسرلة"؛ وتعنى رعاية صوالح "إسرائيل"، وضمان تفوقها على الدول العربية كلها في سائر المجالات.

وكان من أدوات دعم سيطرة القطب الأوحد الشاملة اللجوء إلى محاولة عولمة "الاقتصاد" في سائر دول العالم فكانت دعوة الدول جميعها – وبمعاونة "البنك الدولي" وصندوق "النقد الدولي"- على أن تعيد هيكلة اقتصاداتها، لتكون جزءاً من الاقتصاد العالمي؛ دون رعاية للتباينات الفظيعة، والفروق الشاسعة بين الدول المتقدمة والدول النامية. وأن تتبنى الدول كافة تحرير اقتصادها وتوجيهه إلى اقتصاديات السوق الذي تتنافس فيه أضعف الاقتصادات في دول العالم مع أعتى اقتصادات في الدول "الثمانية الكبار".. وبعد مرور ربع قرن تقريباً اتضح لخاصة الناس وعامتهم أن نتائج "العولمة" على المستوى العالمي، وعلى مستوى الدول – أدى إلى أن تزداد الدول الغنية غنى، وأن تزداد الدول الفقيرة فقراً، وتصدق هذه الحقيقة على اقتصادات الدول النامية التي زادت فيها نسبة من يستظلون بظلال الفقر المدقع، وارتفعت نسبة بطالة القوى العاملة في معظم دول العالم النامي، وتأكدت تبعيتها الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية للدول المتقدمة: (أمريكا وأوروبا واليابان). 

وفي نطاق هيمنة أمريكا بوصفها القطب الأوحد والأعظم رأي القادة السياسيون في أمريكا ضرورة اللجوء إلى نظام التعليم وإصلاحه ليكون في خدمة "السوق العالمية".

ووجد أن مدخل "المعايير القومية للتعليم والمحاسبية" هو أكثر المداخل نفعاً لتحقيق الأهداف الأمريكية في السيطرة الشاملة، في نطاق سوق عالمية يأكل فيها القوي الضعيف، وتشتد فيها المنافسات الحرة، في نطاق نظام رأسمالي يصفه بعض الاقتصاديين بأنه "رأسمالية متوحشة".

ورغبة في المحافظة على موقع الصدارة والتميز الذي تشغله الولايات المتحدة الأمريكية في الحضارة الإنسانية المعاصرة؛ شكَّل الرئيس "رونالد ريجان" لجنة رئاسة رفيعة المستوى للنظر في الاستراتيجيات والسياسات التعليمية التي تكفل لأمريكا السبق والتميز في مخرجات التعليم، وتنحية كل أخطار التلكؤ العلمي والتقني على المجتمع الأمريكي وأطلقت شعارات "تعلم لتربح Learn to Earn" وتعلم لتعمل "Learn to Work".

وفي عهد الرئيس جورج بوش "الأب" عقد في سبتمبر عام 1989 اجتماع "قمة تربوية شارك فيها الرئيس، وحكام الولايات في مدينة "تشارلوتز فيل" بولاية "فرجينيا" تمت فيه الدعوة إلى إعداد أهداف تربوية من شأنها أن تحقق لأمريكا موقع الصدارة في التنافس الدولي. وبعد عام ونصف من تلك القمة التربوية صدر عن مكتب الرئيس بوش "الأب" بيان رسمي نشر قبل موعد تجديد رئاسته (التي لم تجدد) وذكرت في هذا البيان الأهداف التي يجب أن يتوخاها نظام التعليم في أمريكا، وبعض المبادئ التي يجب أن توجه قافلة التعليم في الولايات؛ وكان أبرزها ما يلي:

(1)   جميع الأطفال في الولايات المتحدة سيبدؤون التعليم وهم مستعدون له.

(2)   ألا تقل نسبة المتخرجين في المدارس الثانوية عن 90% من أعداد الطلاب الذين أكملوا المرحلة الابتدائية. 

(3)   وجوب إجراء تقويم مطرد ومنتظم لأداءات الطلاب في الصفوف: الرابع والثامن والثاني عشر، ويلزم التأكد من كفاءتهم في العلوم الأساسية: اللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم، والجغرافيا والتاريخ بالإضافة إلى نضجهم الاجتماعي كمواطنين في مجتمع منتج.

(4)   يتعين أن يكون الطلاب الأمريكيون أوائل الطلاب على المستوى العالمي في تحصيل العلوم والرياضيات.

(5)   أن يتحرر جميع الأمريكيين من الأمية، وأن يتسلحوا بالمعارف والمهارات اللازمة للتنافس في سياق النظام الاقتصادي العالمي، وأن تزداد كفاءتهم في ممارسة حقوق المواطنة وواجباتها.

(6)   أن تهيئ جميع المدارس في أمريكا بنية منضبطة تؤدي إلى التعلم الحقيقي وتحرر أمريكا من المخدرات ومظاهر العنف..(5)

وفي 18 إبريل عام 1991 أصدرت وزارة التربية في الولايات المتحدة وثيقة أطلق عليها "أمريكا عام 2000- استراتيجية التربية" وتحولت هذه الاستراتيجية المقترحة إلى خطة شاملة صدرت في عهد الرئيس "بيل كلينتون" عام 1994، وصدرت تحت عنوان "أهداف عام 2000 قانون تعليم أمريكا" ونص في ذلك القانون على الأهداف القومية للتعليم، وعلى ضرورة وضع معايير في مستويات عليا لجميع الطلاب، وعلى ضرورة أن تتغير مناهج التعليم وأنظمة التقويم في الولايات، وأن تتوحد في مضامينها وأدواتها مع المعايير القومية لتجسم جميعها خطاً فكرياً وعملياً موحداً "Alignment".

واعتمد في كل هذا على تطبيق عدد من المفاهيم الأساسية التي تحقق أن يكون التعليم في أمريكا أداة لتنمية اقتصادها فكان مفهوم الجودة الشاملة في التعليم؛ ويتطلب مفهوم الجودة الشاملة أن يتم ما يلي:

أ‌-     تحديد "معايير" تعتبر مرجعيات أساسية في جميع جوانب العملية التعليمية، وأن تتخذ هذه المعايير أساساً للحكم على تحصيل الطلاب، وأداء المدارس المختلفة، ومدى مشاركة المجتمع المحلي والقومي في مراقبة وتقدير عمليات التعليم.

ب‌-أن تتم مراقبة الأداء في التعليم مراقبة "ذاتية"، سواء في ذلك المعلم والمتعلم والمدرسة. وهذا يقتضي إعداد اختبارات تحصيل، وعمل مقاييس أداء تسير في خط موحد مع توجه المعايير، وتلك هي آلية التقويم الداخلي للجودة.

ج- ضرورة وجود آلية تقويم خارجي للجودة، للتحقق من مدى كفاءة المؤسسات التعليمية (الطلاب والمعلمين والمعاونين وأجهزة الخدمات) في تحقيق ما أشارت إليه المعايير ويعهد بهذه المهمة إلى هيئات أهلية مستقلة عن الحكومة وجعل من صلاحياتها جمع المعلومات مقارنة أداء كل مؤسسة- في ضوء المعايير- بأدائها السابق، وتم مقارنة هذه الأداءات بنظيرتها في الولايات الأخرى ومقارنتها بنظيرتها في الدول الصناعية المتقدمة، وتعرف هذه الهيئة باسم هيئة "الاعتماد أو الإجازة" ومن واجبات هذه الهيئة أن تحرص في تقويمها لكل مؤسسة تعليمية على أن تنصب جميع أعمالها واقتراحاتها وما يصدر عنها من تقارير في شأن المؤسسة التعليمية على تطوير الأداء في الجوانب المختلفة للتعليم في المؤسسة وتجويد المدخلات والعمليات والمخرجات.

وقد ساد مدخل "المعايير في إصلاح التعليم" في الولايات الأمريكية والمحليات في تسعينيات القرن الماضي، وفي عام 2001 كان قد مضى على تطبيق هذا المشروع ما يزيد على عشر سنوات في عدد من الولايات والمناطق، وصدرت في شأنه دراسات قام بها عدد من أعلام الباحثين. وتم نشرها في المجلد السنوي الثاني لأقدم وأرفع جمعية مهنية في أمريكا تحت عنوان

From the Copitol to the cleassroom : Standards- Based Reform in the States(6).

وترجمة العنوان: من الكونجرس إلى الفصل