الخيانات العربية... محاولة للتفسير

 

 

 

 

بقلم :د. ليلى بيومي

 

 ظاهرة الخيانات في العالم العربي تستحق الوقوف عندها والتعامل معها بجدية وموقف يتجاوز الشجب والإدانة والاستنكار كما يحدث عادة، فهذه الظاهرة أصبحت متكررة وهي تمتد إلى أبعاد تاريخية سحيقة كما أنها تحدث في أوساط متعددة سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى العام في أعلى درجاته حيث السلطة والحكم.

 

 وتتفرع الخيانات ما بين خيانة للوطن نفسه وخيانة للنظام الحاكم أيا كانت طبيعته وخيانة للمؤسسة التي ينتمي إليها الفرد سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو تعليمية... كما أن هذه الظاهرة تهبط إلى مستويات مختلفة من العلاقات الشخصية والأسرية وعلاقات العمل والتجارة ولذلك فلابد من البحث في جذورها وأسبابها.

 

فهل ترجع هذه الأسباب إلى خلل معين في التنشئة الاجتماعية لا يعتني بقيم الصدق والأمانة والإخلاص، أم أنها تعود إلى ضغوط مادية تستجيب لها النفوس الضعيفة والمريضة فتنهار بسرعة وتفرط في أمانات كان يجب أن تحافظ عليها... وقد تعود الظاهرة وبالذات عندما تحدث على المستوى السياسي أو العسكري إلى أسباب أخرى منها مخالفة العقيدة أو المذهب أو الفكرة السائدة في المجتمع والرغبة في إيذاء هذه العقيدة بالكيد لها والانقلاب عليها وتشجيع وخدمة خصومها.

 

 كذلك ترجع هذه الظاهرة في تلك المستويات السياسية إلى طابع الكثير من نظم الحكم المعاصرة التي قامت هي أصلا على خيانات من خلال انقلابات على أنظمة سبقتها أو من خلال انقلابات على مبادئ دينية وقانونية مستقرة ولذلك فإن الخيانة هي طبع وسمة مستقرة أصيلة فيها مما يسهل أن يخونها

 

المنضمون إليها بدورهم، كما كانت هي مع من سبقوها.

 

 

 

ومن السهل في هذا المناخ أن ينقلب الإنسان على النظام الذي ينتمي إليه لأنه نظام لا يقوم على أسس أخلاقية وإنما ينشأ على أساس من السلب والنهب وفرض السيطرة بالقوة وبالحيلة وبالخداع. ولكن أيا كانت أسباب هذه الظاهرة فهي بالقطع تحتاج إلى معالجتها والقضاء عليها بكشف هذه الأسباب مع ملاحظة أن القضاء على هذه الظاهرة عندما تكون أسبابها ومستويات حدوثها هي المستويات السياسية فإن هذا أمر صعب لأنه يحتاج إلى معالجة لكامل النظام السياسي القائم وليس فقط معالجة بحسن التربية والتنشئة كما هو مطلوب من القضاء على الخيانة عندما تحدث في مستويات العلاقات الشخصية والأسرية أو العلاقات التجارية.

 

ونحن عندما نتوقف عند الخيانات السياسية نفعل ذلك لأنها لا تؤثر فقط على مجموعة أفراد أو مجتمعات ولكنها قد تؤثر على مصير أمم بأكملها ونذكر هنا على سبيل المثال حوادث فاصلة في تاريخ أمتنا بدءً بابن العلقمي، ومروراً بالمعلم يعقوب، ووصولاً إلى بعض زعمائنا المعاصرين، وانتهاءً بحسين كامل وعبد الحليم خدام.

 

 

 

وابن العلقمي، اسم يدل على الخيانة والغدر، فقد كان وزيراً للخليفة العباسي المستعصم، وكان هذا الوزير الرافضي يخطط للقضاء على دولة الخلافة، وإبادة أهل السنة، وإقامة دولة على مذهب الرافضة، فاستغل منصبه، وغفلة الخليفة لتنفيذ مؤامراته ضد دولة الخلافة، وكانت خيوط مؤامراته تتمثل في ثلاث مراحل :

 

المرحلة الأولى: إضعاف الجيش، ومضايقة الجند، فكان يجتهد في صرف الجيوش، وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في أخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف مقاتل، ولم يزل يجتهد في تقليلهم ، إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف.

 

المرحلة الثانية: كاتب التتار، وأطمعهم في احتلال البلاد، وسهل عليهم ذلك ، وحكا لهم حقيقة الحال ، وكشف لهم ضعف الرجال.

 

المرحلة الثالثة: نهى عن قتال التتار، وثبط الخليفة والناس.

 

وهكذا فتح هذا الخائن أبواب بغداد لجيوش هولاكو التي دمرت الحضارة العباسية وقتلت مليونين من المسلمين.

 

 

 

أما يعقوب النصراني فقد تواطأ مع الحملة الفرنسية ضد مصر، وكوّن كتيبة مقاتلة انضمت إلى القوات الفرنسية، ليحارب المصريين المسلمين الذين نشأ بينهم وأكل من خير بلدهم.

 

أما دور نفر من الزعماء العرب المعاصرين ونقلهم الأخبار الهامة والسرية للعدو الصهيوني فهو معروف ومتاح للجميع ويتحدث عنه القاصي والداني، وكان الموقف الأشهر هو الاتصال بجولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني فجراً وإخبارها بموعد قيام الجيشين المصري والسوري بالهجوم على الجيش الصهيوني.

 

وقبل ذلك لا يمكن نسيان ما فعله ملوك العرب من خيانة الأمة عام 1948 سواء في طريقة قيادة المعارك أو في التورط في قضية الأسلحة الفاسدة.

 

ومؤخرا قام حسين كامل صهر صدام حسين بتقديم تقارير للأمريكان بعد هروبه من العراق للأردن مدعيا وجود أسلحة كيمائية وكانت تلك المعلومات المضللة ذريعة بعد ذلك لضرب العراق واحتلالها، بعد أن كانت لجنة التفتيش آنذاك على وشك إعلان العراق خالياً من أسلحة الدمار الشامل. وأخيرا وليس آخرا ما قام به عبد الحليم خدام الذي ظل جزءً من النظام السوري الحاكم لمدة أكثر من ثلاثين عاما وظل طامعا في هذا الحكم حتى آخر يوم في عمره ولما لم يكن له ما أراد انقلب على بلاده.

 

وتعتبر الخيانات الفردية هذه في ظل الاستضعاف العربي بمثابة ذريعة لضرب شعوب بأكملها، تلك الشعوب العاجزة هي الأخرى كلية نتيجة القهر والاستبداد عن أن تفرق بين الحق والباطل، بين العدو والصديق فهناك فصائل ما زالت تقوم هي الأخرى بمواقف خيانة تجاه المخالفين في المذهب في نفس الوطن الواحد.

 

 فما يقوم به ما يسمى بفيلق بدر الشيعي الذي انتهج سلوكا عدائيا شرسا ضد أهل السنة حتى كاد يتفوق على العداء الأمريكي لأهل العراق وقد سار على دربه مجموعات من الأفراد والتجمعات التي كانت ترفع الشعارات الإسلامية وهم في الحقيقة طائفيون يعملون ضد الوطن لصالح القوى الخارجية.

 

 وما يقوم به أيضا الدروز في لبنان وتحت قيادة وليد جنبلاط من تأليب للقوى الخارجية ضد سوريا وضد لبنان أيضا إنما هو صفحة جديدة من صفحات الخيانة والغدر، بل ويقوم الدروز بخيانات عظمى لصالح الصهاينة ضد الفلسطينيين، وما الجاسوس عزام عزام عنا ببعيد , ومما يلاحظ بجلاء أن غالب تلك الخيانات والعمالات إنما تأتي من أصحاب العقائد المنحرفة ..فالشيعة الباطنية تارة والنصيريين تارة والدروز تارة ..الخ

 

 

 

ومثل تلك الخيانات المتكررة والمتداخلة تنهك الجسد العربي المثقل بأعبائه في تلك المرحلة التاريخية.. وتلك الخيانات لابد من التوقف عندها لأنها على وشك أن تكون سمة غالبة لدى العديد من الجماعات والأفراد ذات الأداء السياسي العام وتضر بالمصالح العامة للشعوب العربية المسلمة.

 

وما يسعنا أن نستحضره في هذا الصدد موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث السفينة حيث أكد على أن الخرق إن كان في الأسفل سيصيب حتما من هم في الأعلى وجميعنا في سفينة واحدة وليس بعضنا في مأمن مرحلي مادام الخطر واحد يتربص بنا جميعا .. ولنقرأ الماضي والحاضر ونعي المستقبل لأنه لا سبيل للخلاص على المدى القريب والبعيد والمتوسط إلا بدرء تلك المفاسد .

 

 

 

فقد روى النعمان بن بشير في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: 'مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك! قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء! فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم'.