حزب كاديما عنوان انهيار مشروع اسرائيل الكبرى

شارون عام 2003: لن نبقى فى جنين و نابلس و بيت لحم!

..حتى التخلى عن القدس الشرقية أصبح مطروحا بقوة!

انتصار حماس يتوج مرحلة مظفرة من المقاومة و الجهاد

و استعادة فلسطين سيتم – كما فقدناها – بالتدريج

 

 

بقلم: مجدى أحمد حسين

magdyhussien@hotmail.com

 

كان هضم الضفة الغربية و غزة مما هو متفق عليه بين كل الفرقاء الصهاينة فى أعقاب حرب 1967 و كان سيناريو الترحيل الاجبارى للفلسطينيين (الترانسفير) جاهزا ، على الأقل فى شكل الاجبار على الرحيل من قسوة و ضيق المعاملة ، و لكن الفلسطينيين تعلموا الدرس ، و لم يعتمدوا على الجيوش و الأنظمة العربية و بدأوا طريق المقاومة المسلحة من الأردن ثم من لبنان حتى انتفاضة الأقصى .

و بعد تراجع مخطط الترحيل بسبب المقاومة و بسبب الظروف الاقليمية و الدولية بدأ الاسرائيليون ينقسمون الى معسكرين رئيسيين: (1) حزب العمل الذى يقول بضرورة الحفاظ على النقاء اليهودى لاسرائيل و عدم ضم كل الضفة الغربية و غزة الى الكيان الصهيونى خاصة و ان عدد الفلسطينيين على كامل أرض فلسطين أصبح يقترب من نصف عدد السكان (49%). و ان التنازل الاقليمى مسألة أمنية و عقائدية ضرورية للحفاظ على الطابع اليهودى للكيان و منع نشوء دولة ذات قومتين.

(2) حزب الليكود كان مايزال يتحدث بلغة "يهودا و السامرة" باعتبارها الأرض التى وعد بها الله اليهود و لايمكن التنازل عنها أو التفاوض حولها ، و انما يمكن الحديث فحسب عن حكم ذاتى تحت السيطرة الصهيونية ، و لكن مع استمرار تراجع الحديث عن سيناريو الترحيل (الترانسفير) الذى بدأ يفقد واقعيته.

فى البداية كان هذا الانقسام حقيقيا،و خلافا على أسس ايديولوجية ، حيث نحا حزب العمل نحو الروح العملية لحل المشكلة بينما ظل الليكود متمترسا خلف المقولات الايديولوجية.

أما الآن فقد أصبح الجميع يتكلمون لغة واحدة و هى لغة حزب العمل أو اليسار (حسب المصطلح السياسى الاسرائيلى) و هى الانسحاب من معظم أراضى الضفة الغربية فى سبيل التخلص من صداع الحروب و الصراعات الدموية مع الشعب الفلسطينى .

كلما تصور الاسرائيليون أنهم قد وصلوا الى نقطة "النصر" أو "الاستراحة" يفاجأون بأنهم مايزالون فى نقطة الصفر فعندما أخرجوا الأنظمة العربية من دائرة الصراع تصوروا أن الأمر قد انتهى ، فكانت هزيمتهم المدوية فى لبنان . و عندما تصوروا أنهم قضوا على القضية الفلسطينية بالقضاء على منظمة التحرير فى لبنان ، ظهر الشعب الفلسطينى عملاقا بالداخل (الانتفاضة الأولى).

و ظهر للاسرائيليين ان الصراع من الخارج كان أخف وطأة ، فالآن يجرى الصراع فى داخل أحشائهم و فى أزقتهم و شوارعهم و مدنهم و مستوطناتهم فى قلب الكيان و ليس على أطرافه .  

و قد كتبنا من قبل عن التأثيرات المدمرة للانتفاضة الثانية على الكيان الصهيونى .. و لكن دعنا نتوقف أولا عند فاصل غزو العراق .

 

التمدد اليهودى فى العراق:

نحن لا نرصد الجوانب السلبية لتطورات المشروع الصهيونى وحدها ، حتى نرسم الصورة وردية ربما تكون غير واقعية ، بل نحاول رصد الوضع الاجمالى للمشروع و هل هو فى تقدم أو تأخر ، و نجزم ان الصورة العامة – باعتراف الصهاينة أنفسهم – تشير الى التأخر و التراجع.

و لاشك ان الغزو الأمريكى للعراق كان فى جزء أساسى منه بايعاز من اليهود و الصهاينة فى أمريكا و اسرائيل ، و لاشك ان هذا الغزو كان نقطة تقدم و وثوب بل اعادة احياء لمشروع اسرائيل الكبرى بمعناه الواسع "من النيل الى الفرات" ، و جاء اختفاء آلاف الألواح الأثرية من بغداد خاصة تلك التى تصور مرحلة الأسر البابلى ، كرمز للوجود الصهيونى فى قلب الغزو ، و كرمز للعلاقة الوثيقة بين خطة الهيمنة الاستعمارية الصهيونية – المسيحية الأمريكية و بين الأبعاد الدينية اليهودية – الصليبية لهذه الغزوة .

الدور اليهودى و الاسرائيلى فى غزو العراق ملف كبير و متخم بالمعلومات و لا نريد أن نخرج عن موضوعنا الأساسى و لذلك نكتفى بالتركيز على عدد من النقاط :

(1)     ان غزو العراق كان مشروعا أمريكيا – صهيونيا مشتركا و انه يعتبر نقطة تقدم كبرى فى مجال تحقيق دولة اسرائيل الكبرى. و المحاولات مستميتة لايجاد علاقة علنية بين أطراف عراقية و اسرائيل .

(2)     ان المشاركة الاسرائيلية كانت مباشرة فى هذه الحرب من خلال التخطيط و امدادات السلاح و حتى بعض الأفراد ، كما كانت مباشرة من خلال اليهود الذين يحتلون البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكى) و البيت الأبيض. و ان نشاط الموساد (المخابرات الاسرائيلية) و الشركات الاسرائيلية على أرض العراق مسألة لم تعد محل شك بعد سقوط بغداد .

(3)     يظل الاختراق  الاسرائيلى الأساسى للعراق فى منطقة كردستان الشمالية ، و الواقع ان هذه مشكلة مزمنة و ليست مسألة جديدة رغم وجود قفزات بلاشك فى العلاقات الكردية – الاسرائيلية. فقد كانت استراتيجية اسرائيل تركز على محاصرة الوطن العربى بالتحالف مع الأقليات أو الدول الواقعة فى أطرافه كرد على محاصرة الوطن العربى لاسرائيل ، و هكذا كانت العلاقات المميزة لاسرائيل مع تركيا – أثيوبيا – ايران الشاه – حركات التمرد الكردية – و فى جنوب السودان . علاقات اسرائيل مع أكراد العراق بالتحديد علاقة قديمة بدأت منذ عام 1943 أى قبل قيام الكيان الصهيونى و تعززت علاقات زعيم الأكراد مصطفى البرازانى (والد البرازانى الحالى) مع اسرائيل و زارها مرتين ، و كان يتلقى المساعدات العسكرية الاسرائيلية عبر ايران الشاه .(1)

الانفصال الفعلى لشمال العراق الكردى عن الوطن الأم حدث بالفعل منذ عام 1991 ، و هذا الانفصال ساعد على زيادة النفوذ الأمريكىالصهيونى ، و قد وصل الأمر الآن (2006) الى حد نشر صحيفة يديعوت أحرونوت الاسرائيلية عن قيام جنود اسرائيليين بتدريب أكراد شمال العراق من رجال و نساء على حمل السلاح مع صور لعمليات التدريب .

* * * * *

و يظل مصير التقدم الصهيونى على أرض العراق مرهونا بمصير الاحتلال الأمريكى الذى يعانى من تعثر حقيقى ، و هناك الآن شبه اجماع فى دوائر النخبة الحاكمة الأمريكية أن أمريكا لا تستطيع أن تحقق الأهداف الأصلية للعدوان و أن عليها أن تبحث عن وسيلة "مشرفة" للانسحاب لحفظ ماء الوجه ، مع أقل الخسائر الممكنة من الناحية الاستراتيجية.

و بالتالى فان الانكسار النهائى ، أو الهزيمة المتوقعة للاحتلال الأمريكى للعراق خلال عام 2006 أو ما بعدها ستنكس معها المكاسب الصهيونية على أرض الفرات ، و الفضل للمقاومة العراقية الباسلة .

ستبقى مشكلة كردستان العراق و هى مشكلة مزمنة كما ذكرنا و لكن النفوذ الصهيونىالأمريكى فيها مرتبط بالتحالف الثنائى (برازانىطالبانى) ، و أكثر ما يهدده هو المد الاسلامى المتصاعد فى كردستان كما فى كل أنحاء العالم الاسلامى ، و هو المد المتمحور تنظيميا حول الاتحاد الكردستانى الاسلامى الذى خرج عن عباءة التنظيمين الرئيسيين و دخل الانتخابات مؤخرا بلائحة منفصلة و حصل على خمسة مقاعد انتزعت من فك الأسد ، و المفترض انه حصل على 12 مقعدا تم تنزيلهما لخمسة بالتزوير بالاضافة للعدوان الوحشى الذى تعرضت له مقرات الاتحاد من قبل سلطة برازانى  طالبانى و ما أدى لاستشهاد بعض أعضائه.

و الواقع ان تحالف البرازانىطالبانى هو امتداد شائه لحالة الأنظمة العربية الاستبدادية التابعة للنفوذ الأجنبى .

و وفقا لآخر أرقام انتخابية للمجالس المحلية فان التيار الاسلامى الكردى حصل على 29% من أصوات الناخبين. باختصار شديد فان مكاسب الصهاينة فى العراق مهددة بالضياع و أن تصبح أثرا بعد عين خلال المدى المنظور و القريب مع الثقة المتزايدة فى الاندحار القريب للاحتلال الأمريكى ، و أنها مسألة وقت على أى حال .

* * * * *

انتفاضة الأقصى:

انتفاضة الأقصى كانت آخر تحدى يتعرض له الكيان الصهيونى ، و كانت زلزالا من الداخل و ثبت للصهاينة أن الثورة من الداخل أشد خطرا من المناوشات العسكرية على الحدود اللبنانية – الفلسطينية لأنها تطال قلب الكيان لا أطرافه ، و ثانيا لأنها تعيد القضية الى المربع رقم واحد: تنازع "شعبين" على نفس قطعة الأرض ، و هو يعود ليخلق حالة أزمة وجود لدى اليهود ، و هل سيستمرون فى العيش داخل هذا الكيان أم لا ؟ أما بالنسبة للشعب الفلسطينى فهو بعد أن فقد كل شئ ، أصبح برنامجه واضحا و يكاد يكون من نقطة واحدة يتبناها الطفل و الكهل و الشيخ ، و الرجل و المرأة على السواء ، و هو الالتصاق بالأرض حتى الموت ، و هكذا تحول شعب اللاجئين الى شعب المجاهدين. و هكذا فانه فى صراع الإرادات فان الشعب الفلسطينى مستعد للتضحية بل و تقديم مزيد من التضحيات و بالأخص بعد استحكام البعد الدينى العقائدى فى أفئدة الفلسطينيين ، فى مواجهة جماعات يهودية آتية من شتى أصقاع الأرض لا تملك نفس اليقين ، بل فقدت الكثير من حماسة و اندفاع الانطلاق الاستيطانى الأول ، جماعة يهودية تميل الى الاستكانة و الراحة و الاستمتاع بملذات الحياة ، و متع الاستهلاك .

و بالتالى فان الأمن (السلام) يجب أن يتحقق فى أقرب فرصة ممكنة ، لأن غياب الأمن هو المنغص الرئيسى لحياة هذه الجماعة التى تود الاستمتاع بالحياة الدنيا على أى رقعة ممكنة من الأرض.

الانتفاضة الأولى اندلعت فى أعقاب وصول مفاوضات مدريد الى طريق مسدود ، فرأى الشعب الفلسطينى ان العدو لا يستجيب حتى للتنازلات الجوهرية التى تقدمت بها منظمة التحرير (الاعتراف بالكيان الصهيونى ) .

نحن أمام شعب واع و مدرك و مسيس و بالتالى لا ينفجر لأسباب عرضية ، فرغم جسامة حدث اقتحام شارون للمسجد الأقصى مع 3 آلاف جندى لحمايته ، و رغم ان المقاومة الشعبية لهذا الاقتحام و التى استخدمت أدنى وسائل التسليح (الأحذية!!) كانت هى شرارة انتفاضة الأقصى (الثانية) ، إلا ان هذه الانتفاضة استمرت 5 سنوات ، ليس بسبب هذا الحادث الاجرامى لشارون ، و لكن بسبب وصول مفاوضات كلينتون – باراك – عرفات الى طريق مسدود ، حيث أدرك الفلسطينيون مجددا أنهم  يجب أن ينتزعوا حقوقهم بأيديهم .

و لا يمكن القول ان هذه الموجة النضالية الجديدة قد انتهت ، فانتفاضة الأقصى ماتزال مستمرة ، (2006) و نتوقع لها الاستمرار ، لأنها استفادت من تجربة و دروس الانتفاضة الأولى ، فقد أدرك الفلسطينيون ان هذا العدو الاستيطانى لا تجدى معه أساليب العصيان المدنى ، فقد كان الاعلام الصهيونى يتحدث عن ارهاب "أطفال الحجارة" و ارهاب "المظاهرات السلمية" و يقمع هذا التحرك السلمى بمنتهى القسوة و الوحشية. لذلك لاحظنا أن الانتفاضة الأولى فى نصفها الثانى بدأت تنحو نحو العمل المسلح و كانت الولادة الحقيقية لمنظمة حماس. و بعد فاصل أوسلو حتى مفاوضات كامب ديفيد الثانية عادت الانتفاضة من حيث توقفت ، و مزجت بين العمل السياسى و الجماهيرى ، و العمل الفدائى المسلح.

كان التأثير الاقتصادى للانتفاضة مماثلا لخسائر حرب أكتوبر 1973 وفقا لكافة المؤشرات الاقتصادية ، و لكن التأثير النفسىالأمنى ، هو التأثير الأخطر على كيان يعانى من أزمة يقين. و الموضوع الأول الذى يبحثه و يناقشه: هل سيستمر وجودنا؟ و الى متى؟ و كيف؟ و هو نوع من النقاش غير موجود فى أى مجتمع فى الدنيا. و قد عاش الكيان الصهيونى برهة واحدة من الاحساس المبالغ الزائف بالأمان و الاطمئنان و تطور الى حد العجرفة و الغطرسة و تلك البرهة بين يونيو 1967 – اكتوبر 1973. و يكفى لحرب أكتوبر أنها حققت هذا الانجاز. حيث عاد الكيان الصهيونى من جديد لمناقشة هل يمكن أن نستمر ؟! و الى متى ؟ و كيف؟! منذ اكتوبر 1973 حتى الآن .

انتفاضة الأقصى هزت الكيان الصهيونى من الأعماق لأنها جاءت على تراكم ثلاثة عقود: حرب 1973 – حروب لبنان – الانتفاضة الأولى – تصاعد العمليات الاستشهادية فى قلب الكيان .

و كان لجوء الاسرائيليين الى شارون و هم أكثر من كشف "عيوبه" ، و هم الذين حققوا معه لمسئوليته عن مجازر صابرا و شاتيلا ، و كان شخصية مثيرة للجدل بين اليهود أنفسهم باعتباره "يسيئ" الى "سمعة" اليهود.. و مع ذلك يرى الجميع انه الجزار الذى يحسن اللجوء اليه عند الضرورة القصوى .

هذه الظروف (انتفاضة الأقصى) هى التى أمدت فى عمر شارون السياسى ، و هى التى عادت و رفعت من أسهم حزب الليكود فى انتخابات عام 2003 ليحقق 38 مقعدا و هو ما لم يحققه منذ انتخابات 1988 حيث ظل فى اندحار متواصل منذ ذلك التاريخ .

جاء شارون بوعد القضاء على الانتفاضة خلال 100 يوم و لكن قرابة 4 سنوات مضت و الانتفاضة لاتزال فى عنفوانها حتى  خلال ما يسمى مرحلة التهدئة لأن اسرائيل لم تلتزم بها و بالتالى قامت منظمات المقاومة بالرد على الخروقات الاسرائيلية.

و بينما ظهر عجز شارون العسكرى ، أو بمعنى أصح عجز الخيار العسكرى ، و الاستخدام المفرط للقوة فى كسر إرادة الشعب الفلسطينى. فقد كان على شارون أن يعلن فشله أو يبحث عن حلول سياسية على الأرض. واصل شارون أعماله الوحشية غير المسبوقة (كاغتيال الشيخ أحمد ياسين و الرنتيسى) ، و لكن فى كواليس مزرعته و حزبه و حكومته ، كان هناك خيار سياسى جديد يتبلور ، و هو خيار جديد من حيث الشكل فحسب ، أما من حيث المضمون فكان هو خيار التنازل الاقليمى (و هو الأطروحة التقليدية لحزب العمل) ، و ليست المسألة مجرد فكرة شيطانية نبتت فى رأس شارون ، فهناك المؤسسة العسكرية و المؤسسات الأمنية و السياسية ، و لم يظهر هذا التوجه دفعة واحدة ، و كان يصعب أن يحدث ذلك من جانب شارون زعيم التطرف.

بدأ الأمر بفكرة الجدار العازل ، ثم انتقالها إلى حيز التنفيذ ، و رغم أن هذه فكرة عنصرية شيطانية ، تقتطع أجزاء من الضفة الغربية (تتراوح بين 10 – 20%) و تضمها مع القدس الى جانب الكيان الصهيونى ، و رغم الكوارث الانسانية و البيئية الناجمة عن هذا الفصل العنصرى ، و رغم ان العرب حققوا أكبر انتصار دبلوماسى بصدور حكم محكمة العدل الدولية بادانة هذا الجدار العنصرى. و رغم كل ذلك فان سياسة الجدار تعود باليهود الى المربع الأول من جديد ،و لتؤكد الاعجاز القرآنى الذى قرر هذه الحقيقة

(لا يقاتلونكم جميعا إلا فى قرى محصنة أو من وراء جدار) الحشر 14

فهذا الجدار:

(1)     يعيد اليهود الى فكرة الجيتو ، حيث كانوا يعيشون فى مناطق معزولة داخل أوروبا (محاطين أحيانا بالأسوار) كمنبوذين . و الجديد أننا أمام جيتو كبير و مسلح تسليحا حديثا و لكنهم هم الذين يختبئون وراء الجدار ، عاجزين عن التعايش مع الأغيار بأى صيغة من الصيغ .

(2)     ان هذا الجدار ذو طابع سياسى و ليس مجرد جدار أمنى لحماية الكيان من العمليات الاستشهادية و نقصد بالطابع السياسى انه أول بداية لرسم حدود لما يسمى دولة اسرائيل منذ نشأتها ، حتى و ان كان من جانب واحد. و انه اشارة الى استعداد اليهود بقبول 20% من الضفة الغربية مع القدس و ترك الباقى.

(3)     الجدار كان اعلانا عن افلاس الحل العسكرى ، و ان اليهود لا قبل لهم بالاشتباك اليومى مع الفلسطينيين على كل شبر من أرض فلسطين رغم الفارق الرهيب فى القوة المادية . و يبقى أن هذا الجدار لن يمثل حماية أمنية كاملة لليهود ، فالعمليات الاستشهادية لاتزال ممكنة حين يقرر أى فصيل القيام بها داخل الخط الأخضر (فلسطين المحتلة عام 1948) و رغم أنف الجدار. كما أن قيام المجاهدين باطلاق صواريخ قسام من جنين على الكيان الصهيونى ، (ديسمبر 2005) لأول مرة من الضفة كانت رسالة إحباط مركزة للصهاينة ، فما أسهل على الصواريخ أن تجتاز هذا الجدار الموهوم. و هذه التكنولوجيا متوفرة لدى الفلسطينيين فى غزة ، و كان من المتوقع نقلها الى الضفة الغربية. و لكن ما يجرى فى كواليس الكيان الصهيونى اتضح أكثر بالاعلان عن خطة الانسحاب من جانب واحد من غزة. و من خلال ربط هذه الخطة التى تحولت الى واقع عملى فى سبتمبر 2005 مع خطة الجدار العازل ، نرى ان الكيان الصهيونى قد اتخذ قرارا عمليا بالانكماش الاستيطانى .

 

كيف تحول شارون من صقر الى حمامة:

رغم أن شارون لم ينتم يوما لأى حزب دينى ، فمن نافلة القول انه كان رمزا لغلاة المتطرفين الصهاينة بالفعل و ليس بالقول فحسب ، و كان اسمه مرتبطا بأشهر المجازر الصهيونية منذ شبابه حتى كهولته و شيخوخته.

شارون فى 14 إبريل عام 1977 قال فى خطاب أمام المستوطنين "اذا أصبحت ذات يوما رئيسا للوزراء سأبيد العرب جميعا و سأقتل كل طفل فلسطينى يولد و سأفتح بطن كل امرأة حامل".(2)

و هذا لم يكن مجرد كلام فقد فعل ذلك فى صابرا و شاتيلا قبل أن يصبح رئيسا للوزراء ، و فعل ذلك عندما أصبح رئيسا للوزراء لمواجهة انتفاضة الأقصى .

و هو لم يغير موقفه إلا تحت وطأة المقاومة الفلسطينية الأسطورية ، فقبل أقل من عام من انسحابه من غزة أعلن أنه يعتبر مستوطنة "نتساريم" فى قطاع غزة مثل تل أبيب لا يمكن التفريط فيها.(3)

لذلك كان انكسار شارون و اضطراره للانسحاب من غزة لابد أن يغطى بتدفقات كبيرة من الدخان عن أنه "رجل سلام" و قاد هذه المهمة جورج بوش و حسنى مبارك !

و كان شارون كاذبا عندما حاول مقاومة ثورة قيادات الليكود على خطة الانسحاب حين راح يؤكد لهم ان "خطة فك الارتباط تأتى لتصفية القضية الفلسطينية و لمنح المشروع الاستيطانى فى الضفة الغربية طفرة هائلة و لتمكين الدولة العبرية من تحقيق مصالحها الاستراتيجية و لتحسين مكانتها الدولية و نقل الكرة للساحة الفلسطينية فى أعقاب أكثر من خمس سنوات على انتفاضة الأقصى التى بدت اسرائيل فيها غير قادرة على انهاء مظاهرها بالقوة المسلحة".(4)

و هو كاذب لأنه أراد تمرير الانسحاب من غزة على أساس التمسك بالضفة الغربية ، فى حين انه كان يضمر الاستعداد للقيام بانسحاب كبير من الضفة أيضا فى مرحلة لاحقة .

و الواقع أن شارون بدأ فى التحدث عن تأييده لاقامة دولة فلسطينية فى سبتمبر 2001.(5)

و الدولة المعنية (و التى نعلم انها فى ذهن الصهاينة كيان منزوع السلاح و تحت السيطرة) لا تكون بدون غزة و أجزاء واسعة من الضفة الغربية .

كان شارون يكذب حين قدم مشروع الانسحاب من غزة و كأنه آخر التنازلات ، و هذا ما أكده فيما بعد مستشاره الاعلامى لمجلة نيوزويك الأمريكية حين قال:

"إن شارون مستعد للانسحاب من نسبة تسعين فى المائة من مساحة الضفة الغربية و انه راغب كذلك فى تقاسم القدس مع العرب بحيث يعيد للفلسطينيين الأحياء العربية من القدس الشرقية".(6)

و لم يكن تكذيب شارون لهذا التصريح إلا مجرد مناورة لكسب الوقت و تهدئة خواطر قيادات و قواعد الليكود ، و ليستكشف مدى قبول الرأى العام الاسرائيلى لهذه الفكرة.

ان تكذيب شارون لا معنى له لأنه نفسه هو الذى قال فى جلسة كتلة الـ"ليكود" فى الكنيست يوم الاثنين 26 مايو 2003 دفاعا عن قرار حكومته بتبنى "خارطة الطريق" قال: "من المفترض برأيى أن نتوصل إلى تسوية. سأقوم بكل جهد من أجل التوصل الى تسوية سياسية لأننى أعتقد أن التوصل إلى تسوية سياسية مهم لاسرائيل . أنا أعتقد أيضا أن الآراء و الأفكار الذاهبة الى أنه من الممكن أن نواصل الامساك بثلاثة و نصف ملايين فلسطينى تحت الاحتلال – تحت الاحتلال نعم ، من الممكن ألا نحب الكلمة و لكن هذا ما يحدث : تحت الاحتلال. و هذا برأيى أمر سيئ لاسرائيل أيضا و للفلسطينيين و لاقتصاد اسرائيل ، هذا لا يمكن أن يستمر بلا نهاية. تريدون أن تبقوا بشكل دائم فى جنين ، فى نابلس ، فى بيت لحكم، دائما؟ لا أعتقد أن هذا صحيح" (7)

إن الخطة التى طرحها المستشار الاعلامى لشارون ، أكدتها صحيفة معاريف الاسرائيلية بعد ذلك حيث كشفت أن شارون قدم الى الادراة الأمريكية خطة سرية ستنفذ بعد الانتخابات الفلسطينية و الاسرائيلية ، تعتمد على أنه لا وجود للسلطة الفلسطينية فى التفاوض و أن توقع الولايات المتحدة اتفاقا بالنيابة عن الفلسطينيين كونهم باتوا عاجزين عن وقف العنف و ستنفذ الخطة فى حالة قيام حماس بعمليات كبرى و تعتمد على أن تقوم واشنطن بتحديد حدود اسرائيل الشرقية التى ستتضمن ضم ما بين 8 و 12% من أراضى الضفة ، و إزالة معظم المستوطنات و السيطرة الاسرائيلية على القدس القديمة و ضم الأحياء العربية فيها الى السلطة الفلسطينية. (8)

و من هنا نرى أن هذا المشروع ما كان له أن يمر عبر الاطارات التقليدية لحزب الليكود ، فكان لابد لشارون أن يهرب من هذا الاطار الى حزب جديد (كاديما) ، فالمسألة تتجاوز بكثير مسألة المناورات الحزبية و الطموحات الشخصية ـ و رغم كل ما يعم الحزبية الاسرائيلية من فساد ، و لكن (كاديما) بالذات تحول الى خيار اسرائيلى عام أو بمعنى أصح الخيار الغالب و المتصاعد. و مثل نقطة المركز (الوسط) فأخذ الشرعية الأصلية من حزب العمل برئاسة شيمون بيريز و شريحة أساسية من الليكود ليعبر عن هذا الخيار الاستراتيجى الجديد الذى يقترب مما عرف فى اسرائيل بـ"اليسار". و هذا ما عبر عنه موشيه إيشون فى صحيفة "هاتسوفيه" اليمينية بأن"حزب شارون الجديد هو حزب يسارى يدعو إلى الانسحاب الى حدود ما قبل 1967 و اعادة تقسيم القدس العاصمة الأبدية لاسرائيل. يجب أن نوضح للجمهور أنه لا يوجد فرق بين عامير بيرتس و أريئيل شارون فكلاهما يسير فى الطريق ذاته. كما يجب على زعماء الليكود أن يوضحوا ذلك ، بدلا من الصراع على رئاسة الليكود قبل أن يفوت الأوان.(9)

و الدليل على ان خيار كديما هو خيار استراتيجى جديد لاسرائيل .. أنه رغم موت شارون السريرى ، إلا انه مايزال يشق طريقه على عكس التوقعات السطحية الأولية التى أشارت إلى انهياره ، فآخر استطلاعات الرأى تقول بحصول كديما على 43 مقعدا (له الآن 18 مقعدا!!) و حزب العمل بعده بـ21 مقعدا ، أى أن بامكان الحزبين أن يحصلا على أكثر من نصف نواب الكنيست و يشكلان الحكومة المقبلة.

كذلك فان أولمرت الذى ورث شارون ما فتيأ يؤكد على نهج شارون الجديد ، حول ضرورة الاسراع باتخاذ موقف أحادى بفك الارتباط و اقامة دولة فلسطينية ، بينما تتحدث وزيرة الخارجية الجديدة تذيبى ليفنى عن ضرورة الاسراع بتحديد حدود اسرائيل. و تقول ابنه رئيس عمليات الإرجونهى منظمة ارهابية صهيونية (الليكود) شاركت فى اقامة اسرائيل): وصلت الى نتيجة مفادها أن علىّ أن أختار و اختيارى هو خلق وطن للشعب اليهودى و لكن على جزء فقط من أرض اسرائيل. و انشاء دولة فلسطينية.(10)

و من الواضح ان هذه الخطة متفق عليها مع الادارة الأمريكية ، التى حرصت على متابعة الأمر مع ورثة شارون ، بدعوة إيهود أولمرت لزيارة واشنطن .

فى مجموعة دراسات عن مستقبل اسرائيل. كتب سامى سموحه بجامعة حيفا عام1984 "إن العلاقة بالفلسطينيين فى الضفة هى بلاشك محور لانقسام سياسى عميق يهدد سلامة الحكم فى اسرائيل. و سبب الخلاف الرئيسى هو فكرة أرض اسرائيل الكاملة أو تقسيمها. فموقف الليكود واضح و بسيط: لليهود الحق على كل أجزاء أرض اسرائيل. و عليهم أن يستوطنوا فى المناطق بما فيها المناطق المأهولة بكثافة سكانية عربية و التى يجب ضمها رسميا فى الوقت الملائم و ان عرب المناطق (أى الضفة) هم جزء من اسرائيل مع انهم ليسوا مواطنيها بالتحديد. و هناك أيضا افتراض بأن اسرائيل تستطيع أن تهضم عرب المناطق كما هضمت عرب اسرائيل بعد عام 1948"

و رأى الكاتب أن فكرة الضم غير واقعية لعدة أسباب. (1)كثرة عدد السكان الفلسطينيين فى الضفة و غزة و وعيهم و نضالهم العنيد. (2)المشكلة الفلسطينية مشكلة دولية و ليست داخلية. (3)الضم سيعنى دولة ذات قوميتين و سيكون الخيار بين إلغاء الصهيونية أو تصعيد القمع.

(4)حتى فى اطار الليكود فان فكرة أرض اسرائيل الكاملة تحظى فقط بتأييد الأقلية فى اسرائيل و ان معظم مؤيدى الليكود من اليهود الشرقيين لا يلتزمون بأيديولوجية أرض اسرائيل الكبرى.

و منذ ذلك الوقت المبكر تنبأ الكاتب بما أصبح شبه سياسة عامة فى الكيان الصهيونى الآن:

[التصور للجيل القادم اذن هو انفصال نظام الحكم عن فلسطينى المناطق. و أن الحل فى اعادة تقسيم أرض اسرائيل و هو مبدأ قبله اليهود عام 1947 لانه الحل الواقعى الوحيد الذى يمكن أن ينقذ الحكم من المصيبة الفلسطينية].(11)

و فى نفس مجموعة الدراسات الصهيونية التى كانت تحت عنوان (اسرائيل على عتبة القرن الواحد و العشرين) انضم جفرائيل بن دور من دائرة العلوم السياسية بجامعة حيفا الى نفس التوقع فى ذلك الوقت المبكر (1984): "إما أن تلجأ اسرائيل الى تصفية الاحتلال و إما ان يقود هذا الاحتلال الى تصفية اسرائيل" . و نفس الموقف اتخذه ألوف هارئيفين (باحث فى مؤسسة فان لير بالقدس) حين وصف قرار تحديد مستقبل الأراضى المحتلة بالقرار الحاسم الأكثر صعوبة الذى يواجه اسرائيل عام 2000 لذات الحيثيات المشار إليها . أما الآن فان الموضوع أصبح محسوما و يشكل نقطة الاجماع الصهيونى ، بمعنى الأغلبية الكبيرة و لكن المتزايدة ، و بمعنى اجماع القوى الرئيسية التى تشكل أركان المجتماع السياسى الاسرائيلى.

 

استطلاعات الرأى:

فى عام 2001   52% من الاسرائيليين يؤيدون قيام دولة فلسطينية.

فى عام 2002   65% من الاسرائيليين يؤيدون فكرة الفصل بما فى ذلك تفكيك المستوطنات التى يقتضى الفصل تفكيكها ، و 52% أيدوا تفكيك المستوطنات بالقوة اذا تطلب الفصل من طرف واحد ذلك .

و أيدت نسبة 66% تفكيك كافة المستوطنات بقطاع غزة ضمن اتفاق مع الفلسطينيين و نسبة 70% أيدت تفكيك المستوطنات المبنية فى مناطق عربية مكتظة بالسكان. كما دعم 60% تفكيك جزء من المستوطنات. أما الموقف الداعى لازالة كافة المستوطنات فى اطار اتفاق سلام مع الفلسطينيين فليس موقف أقلية ضئيلة بل يكاد يحظى بدعم نصف المجتمع الاسرائيلى (45% - 47%) .(12)

و هكذا رأينا هذا الموقف الضاغط منذ عام 2002 ، أى أن شارون كان مضطرا للاستجابة لضغط الرأى العام و نفذ بعض رغباته عام 2005 ، لأنه عجز عن الحسم العسكرى . و لا يعنى ذلك أن الجمهور هو الذى يوجه القادة ، و لكن القادة فشلوا فى ايجاد حل لمعضلة الأمن و الاحساس بالأمن ، و هى معضلة تاريخية لكيان غريب مزروع فى الجسد العربى ، و قانون الطبيعة أن الجسد يلفظ الأجسام الغريبة.

قبل إقامة الحدار بحوالى عام كتب استراتيجى اسرائيلى معروف مقالا بدا عجيبا حين دعا اسرائيل لقصف الفلسطينيين بمنتهى الوحشية بالدبابات و المدافع و الطائرات لفترة من الزمن ثم الانسحاب من المناطق المحتلة الى حدود معينة و اقامة جدار عال بين اسرائيل و بين الفلسطينيين ، و المقصود بالقصف الوحشى و الموجع أن يدرك الفلسطينيون ان الاسرائيليين ينسحبون من موقع القوة لا الضعف !! و الواقع أن شارون نفذ الى حد ما هذا التصور الوحشى الساذج ، و لكن بنسبة 10% لان الاقتراح الأصلى أن يتم قتل عشرات الآلاف على الأقل من الفلسطينيين ، فقام شارون بعملياته الوحشية المعروفة ضد قادة الانتفاضة و ضد المواطنيين و الأطفال و النساء و أقام جدار الفصل العنصرى للاختباء خلفه .

أما وجه السذاجة ، فان هذا الأسلوب لا يمكن أن يفهم منه الفلسطينيون انه انسحاب من موقع قوة لأن هذا الانسحاب لم يكن مطروحا أصلا فى جدول أعمال كل الصهاينة عقب احتلال 1967.

لقد خاض شارون معركته الأولى مع الليكود باللجوء الى الرأى العام ، أو بالأحرى هو الذى ساير الرأى العام الذى انحاز بأغلبية لخطة فك الارتباط ، فى حين أن أغلبية الليكود كانت ضدها. و لكن الانتقال لمرحلة الضفة الغربية كان متعذرا فى ظل الاطار التقليدى لليكود فكان لابد من اختراع كديما .

و فى تطور لاحق بدأت استطلاعات الرأى تشير الى ان نصف الاسرائيليين يؤيدون تقاسم القدس مع الفلسطينيين فى اطار تسوية عامة للصراع .

أما الانسحاب من غزة فقد حظى بموافقة 71% من الاسرائيليين و دعموا رئيس حكومتهم بل ان شعبية شارون و بفضل هذه الخطة وصلت الى رقم قياسى لم يصل إليه أى رئيس حكومة فى تاريخ اسرائيل .

و أكثر من ذلك فان الاستطلاعات تراوحت بين 57 – 61% فى نسبة التأييد لاقامة سلام مع الفلسطينيين على أساس مشروع كلينتون الذى تحدث عن دولتين للشعبين فى حدود 1967 مع تعديلات طفيفة بحيث تكون القدس مفتوحة و تشكل عاصمتين ، الغربية عاصمة اسرائيل و الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية.(13)

و هكذا فان أزمة الكيان الصهيونى دفعت القادة و الجمهور إلى ما أسماه شارون "التنازلات المؤلمة" ، و هو التخلى عن فكرة أرض اسرائيل (اسرائيل الكبرى). و بالتأكيد فانهم لا ينتون و لا يرغبون فى نشوء دولة فلسطينية حقيقية ذات سيادة ، و لكن لقد انتهى العهد الذى كانت فيه رغبات اسرائيل أوامر للمنطقة ، و ليس كل ما يتمناه الصهاينة يتحقق ، و الوضع فى غزة صورة مصغرة لما يمكن أن يحدث فى مناطق مختلفة فى الضفة الغربية ، فغزة أطلق عليها الاسرائيليون "حماس ستان" قبل أن تفوز حماس بالانتخابات التشريعية . فغزة بالفعل أصبحت شبه محررة و منفتحة على العالم من خلال معابر رفح رغم ان اتفاقية المعابر ليست ممتازة بسبب ضعف الحكومة المصرية ، فما تزال التدخلات الاسرائيلية موجودة ، و لكنها أكثر على معبر البضائع و أقل على معبر الأفراد الذى يتيح فرصة أكبر لدخول و خروج الفلسطينيين بحرية بالمقارنة مع زمن الاحتلال المباشر للقطاع. و الوضع فى الضفة الغربية أكثر تعقيدا من غزة و مع ذلك فلا مناص من تراجع الاحتلال لعجز أصحابه عن استمرار تحمل تكاليفه. المهم أن نعى أننا كما فقدنا فلسطين بالتدريج فإننا سنستعيدها ان شاء الله بالتدريج. و الأمر البالغ الأهمية ان كل هذه الانجازات الفلسطينية ، و زيادة خور الكيان الصهيونى تأتى فى ظل تواطئ و خذلان و خيانة معظم الأنظمة العربية ، فماذا لو تغير النظام الرسمى العربى؟! كيف سيكون مصير الكيان الصهيونى؟! و لاشك ان الشعوب العربية كانت جزءا من معادلة هذا التقدم الذى حدث بمناصرتها للمقاومة الفلسطينية ، و بمحاصرتها لحكام العرب على الأقل فيما يتعلق بقضية فلسطين.

من المهم الاشارة إلى ان فوز حماس فى الانتخابات و تشكيلها الوشيك للحكومة الفلسطينية يتناغم مع الخطة الاسرائيلية للانسحاب من جانب واحد ، فلا داع اذن للتفاوض المباشر أو الاعتراف ، و حماس من هذه الزاوية ليست فى مأزق ، بل الحلف الصهيونى الأمريكى هو الذى يعانى من مأزق كبير . و ربما نحتاج لحلقة ثالثة و أخيرة لنتحدث عن مواقف ما تبقى من الخريطة السياسية الصهيونية و سنتوقف بشكل خاص عند مواقف حزب العمل بقيادة اليهودى المغربى عمير بيرتس ، و حزب الليكود فى ظل نتنياهو و الأحزاب الدينية و غيرها لتأكيد فكرة اسرائيل الكبرى ، و اتجاه الخط البيانى للكيان الصهيونى من الصعود إلى الهبوط، أى بداية النهاية ان شاء الله .

المراجع

(1)             القصة الكاملة لعلاقة اسرائيل بالأكراد – د.صلاح عبد اللطيف – صحيفة العربى – القاهرة – 8/1/2006

(2)     ملاحظات خاصة جدا عن حالة شارون و الوضع فى اسرائيل – جمال كمال – صحيفة الجمهورية – القاهرة – 12/1/2006

(3)             تراجع نظرية "أرض اسرائيل الكبرى" – نظير مجلى – الشرق الأوسط – لندن – 30/12/2005 .

(4)             الى الأمام – شارون – صالح محمد النعامى- وجهات نظر. القاهرة – العدد 84 يناير 2006

(5)     هاآرتس 25/11/2005 – ألوف بن – مختارات اسرائيلية العدد 132 ديسمبر 2005 مركز الدراسات السياسية و الاستراتيجية – الأهرام – القاهرة

(6)             رنامج حزب كاديما لتسوية القضية الفلسطينية. د.ابراهيم البحراوىالمصرى اليوم 3/1/2006 – القاهرة .

(7)             من يهودية الدولة حتى شارون – عزمى بشارة – دار الشروق – الطبعة الأولى 2005 – القاهرة. صـ341

(8)             نقلا عن صحيفة المصرى اليوم – القاهرة

(9)     فى ظل مناخ الانقسامات و التكتلات – موشيه إيشون هاتسوفيه – 23/11/2005 – مختارات اسرائيلية – مرجع سابق صـ58

(10)       نيوزويك العربية 31/1/2006 – حديث مع وزيرة خارجية اسرائيل صـ60

(11)   الكيان الصهيونى عام 2000 – تأليف نخبة من السياسيين و الباحثين الاسرائيليين وكالة المنار للصحافة و النشر المحدودة – ينتوسيا – قبرص – الطبعة الأولى – مارس/آذار 1986 ًصـ60- 61

(12)       عزمى بشارة – مرجع سابق- صـ363 – 364

(13)       نظير مجلى – مرجع سابق