(علماء متدربون في الولايات
المتحدة ربما كانوا بالنسبة لخطرالعراق بأهمية أسلحته الحربية)
إذا
عاد مفتشو الأمم المتحدة قريبا إلى العراق، فلن تكون أسلحة الدمار الشامل فقط هي
التي سيبحثون عنها. ربما كانت مهمة في مثل ذلك أهمية محاولة إيجاد الأشخاص الذين
يعرفون كيف يصنعونها.
وبينما
تتجادل الولايات المتحدة والأمم المتحدة حول نظام جديد للتفتيش، يحذر مفتشون
سابقون عن الأسلحة من أن يصبح المفتشون منهمكين في البحث عن صواريخ، وقنابل
ومختبرات، وينبهون إلى ضرورة أن يركزوا أكثر على إيجاد كبار خبراء الأسلحة
العراقيين.
لقد
جمع الزعيم العراقي صدام حسين على مر السنين جيشا من علماء البيولوجيا المجهرية، والمهندسين الكيميائيين،
والعلماء النوويين الذين، إذا تم استجوابهم بعناية، يمكن أن يكشفوا عن تطوير
الأسلحة العراقية بقدر ما يمكن أن يكشف تفتيش عن صحون بتري أو أنابيب الومنيوم.
يقول
ديفيد كاي، كبير مفتشي الأمم المتحدة السابقين عن الأسلحة النووية في العراق، إنه
بخلاف المعدات الحربية، سيكون من الصعب على صدام حسين أن يعوض عن "الرأسمال
البشري." وهو يقول، "إن بإمكانك أن تدمر المنشآت، غير أن صدام لديه
المال الكافي لشراء أفضل المعدات. الشيء الوحيد الذي لا يتوفر لديهم بكثرة هو
الرأسمال البشري الأساسي."
ومن
السخرية أنه إذا عثر المفتشون على أي من صانعي القنابل، فقد لا يكون من الضروري
الاستعانة بمترجم. ذلك لأن الكثيرين من خبراء تطوير الأسلحة العاملين في خدمة صدام
حسين تلقوا تدريبهم كما يبدو في جامعات في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأوروبا.
إسألوا فقط خضر حمزة الذي نال شهادته
الماجستير في معهد مساتشوستس للتكنولوجيا والدكتوراة في الفيزياء النووية من جامعة
فلوريدا الولائية. وقد أصبح بصفته مدير برنامج الأسلحة النووية العراقي، أكبر عالم
يفر من العراق عام 1994.
تحدث
الدكتور حمزة عن اجتماع عقد في أواخر السبعينات عندما جلس هو وعدد آخر من العلماء
العراقيين لتخطيط برنامج عراقي جديد لتطوير الأسلحة النووية. وجلس معه حول
الطاولة، كما يقول، هشام شريف وميسر الملاح، وكلاهما خبيران نوويان درسا في جامعات
أميركية.
وهو
يقول "إن معظم العلماء الرئيسيين في برامج العصر النووي السابقة، تدربوا في الولايات
المتحدة. وكنا نقول لهم في الواقع إلى أين يرسلون الطلاب العراقيين."
خطة
تعليمية كبرى
على
أنه عند حلول عقد الثمانينات، بدأ علماء متدربون في بريطانيا، وروسيا، وأوروبا يشغلون المناصب الكبيرة. وعند
نهاية العقد كان نصف الثلاثين أو حوالي ذلك العدد من كبار الخبراء النووين
العراقيين، قد تدربوا في الولايات المتحدة، كما قال. وكان التنوع جزءا من خطة صدام
حسين التعليمية الكبرى.
إلا أن صدام حسين صحا لنفسه، كما يقول
حمزة، "عندما وجد أن العلماء المتدربين في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي
لا نفع منهم على الإطلاق. كان بحاجة إلى خبراء جامعات يتكلمون بالإنكليزية، وهكذا
اختارهم من الولايات المتحدة، وبريطانيا وكندا."
وحتى
بعد حرب الخليج، بقي كثير من الطلاب العراقيين ملتحقين بجامعات أميركية لدراسة
الفيزياء والهندسة النوويتين. وقد اكتشف هذا الدكتور كاي، كبير مفتشي الأسلحة
السابق، أثناء زيارة قام بها إلى جامعة مشيغان في آن آربور عام 1993. فأثناء
إلقائه محاضرة أمام عدد من طلاب صف التخرج في الهندسة النووية كانوا يملأون
الغرفة، دهش إذ وجد هناك حوالي أثني عشر طالبا عراقيا.
وهو
يقول "إن ذلك كان بعد حرب الخليج-- وكانوا هناك بصورة شرعية كليا. وكنت أتحدث
عما تعلمناه عن العراق. وقد طرحوا أسئلة جيدة جدا، ومعظمهم كان ينوي العودة إلى
بلدهم."
وقد
أيدت دراسة جرت مؤخرا لشهادات الدكتوراة المحصّلة في الولايات المتحدة تلك
الملاحظة الشخصية. فقد وجد باحثون في جامعة جورجيا الولائية في أتلانتا أنه خلال
الفترة من 1990 إلى 1999، منحت 1,215 شهادة دكتوراة في العلوم والهندسة لطلاب من
خمس من الدول السبع المصنفة من قبل وزارة الخارجية الأميركية على أنها دول ترعى
الإرهاب.
ومع
ذلك يشكل هذا العدد 2 بالمئة فقط من الشهادات التي منحت لطلاب من مواليد دول
أجنبية، ونال العراقيون 112 شهادة دكتوراة في العلوم والهندسة. ومن هؤلاء، كان 14
طالبا فقط يدرسون مواضيع حساسة كالهندسة النووية، أوالكيميائية، أو البيولوجيا
المجهرية. وليس هناك دليل واضح على عدد الذين عادوا إلى العراق.
غير
أن الأعداد الصغيرة قد تكون مضللة. فالخبراء يقولون إن الأمر يحتاج إلى طالب أو
طالبين موهوبين فقط لإدارة برنامج كامل للأسلحة. تقول بولا ستيفن التي اشتركت في
دراسة ولاية جورجيا، "إن العدد ليس كبيرا، ونحن نعلم بأن عددا من الأشخاص لا
ينوون العودة إلى العراق. أما وقلت كل ذلك، فهو ما زال عددا إيجابيا، أليس
كذلك؟"
ومع
ذلك، قلائل هم الذين يقترحون إغلاق أبواب جميع الجامعات في وجه الطلاب الأجانب،
الذين يشكلون عنصرا رئيسيا من برامج التخرج الأميركية. عوضا عن ذلك، اتخذت حكومة
الرئيس بوش خطوات للتدقيق في طلبات الطلاب للحصول على تأشيرة دخول. وسيجري تدقيق
إضافي في طلبات طلاب من عدة عشرات من الدول لدراسة مواضيع "حساسة"
كالفيزياء النووية. وتم وضع نظام تعقب جديد للتأكد من أن الطلاب الذين يأتون إلى
الولايات المتحدة يلتحقون فعلا بالجامعات.
ويقول
كاي، إن الأنظمة الجديدة مع ذلك قد لا تكتشف الطلاب الذين يقدمون طلبات للإلتحاق
بجامعات أميركية لدراسة التاريخ مثلا، وبعد ذلك بسنة يتحولون إلى الهندسة النووية.
وقال، إن ما ينبغي عليهم أن يتنبهوا له
هو جيل جديد من الخبراء الشبان
الذين سيخلفون علماء أمثال عبد الناصر هنداوي، الذي حصل على شهادة
الدكتوراة في البيولوجيا المجهرية من جامعة مسيسيبي الولائية في ستاركفيل عام
1969، وأصبح في الثمانينات المخطط والمنفذ لبرنامج صدام حسين الخاص بالأسلحة
البيولوجية. وقد حاول الفرار واعتقل عام 1998.
يقول
حمزة، إن أحد الأسباب في أن المزيد من العلماء العراقيين لا يحاولون الفرار هو أن
صدام حسين يمكن أن يقتل كامل عائلة من يفر. ويبدي كثير من العملاء خوفا شديدا أثناء استجوابهم من قبل مفتشي
الأسلحة--خصوصا إذا تم الاستجواب في حضور مندوب عن الحكومة العراقية.
عامل
الخوف
يقول
تشارلز ديويفر، النائب السابق لرئيس لجنة الأمم المتحدة الخاصة، الذي ساعد على
قيادة البحث عن أسلحة، إنه لم يكن أمرا غير عادي أن نلتقي صدفة خبراء عراقيين
تدربوا في الولايات المتحدة.
ويضيف
ديويفر قائلا، "حتى عندما وجدنا أولئك الأشخاص، كان واضحا في الغالب أنهم
يخشون أن يقولوا أشياء غير مناسبة. والمشكلة هي أنه إذا تم الاستجواب وفق الأنظمة
القديمة، فهؤلاء الأشخاص سيبقون خائفين."
ولعل
هذا الأمر كان في ذهن حكومة بوش عندما اقترحت لدى الأمم المتحدة أن يتم إخراج
العلماء وعائلاتهم من العراق لكي تجري مقابلات معهم في الخارج حيث لن يكونوا خائفين من الانتقام.
يقول
الخبراء، إن الذكاء البشري سيكون حاسما في نهاية الأمر. ويقول رتشارد سبيرتزل،
الذي أشرف على تفكيك برنامج العراق الخاص بالأسلحة البيولوجية عام 1990، "إذا
أمكنك أن تخرج الأشخاص الرئيسيين، فإنك تكون قد جردتهم من برنامجهم. لكن أولا، يجب
العثور عليهم."
كريستيان
ساينس مونيتور