حديث الحرب رقص في الظلام

 

 

 

بوب هربرت

 

يقول السياسي البريطاني (الراحل) ونستون تشرشل: «إياك ان تصدق على الاطلاق ان هناك حربا سلسة وسهلة، أو ان ايا كان يقوم بالرحلة المجهولة بإمكانه تقدير حجم المدّ والجزر والاعاصير التي ستصادفه. إن الحاكم الذي يستسلم لحمى الحرب يجب ان يدرك انه مع اعطاء الأوامر لا يعود سيد الموقف، بل يصبح عبدا لاحداث غير متوقعة وخارجة عن دائرة التحكم».

اننا في الولايات المتحدة لا يزال متاحا امامنا تفادي الحرب مع العراق، رغم انه من الواضح كم يتوق الرئيس بوش اليها بكل جوارحه.

الواقع انه اذا اصرت الولايات المتحدة على تصويب مدافعها الى بغداد، بموافقة الأمم المتحدة او بدونها، يبقى على الشعب الاميركي ان يعي بوضوح مقدار خطورة ما سينتج من عواقب محتملة.

ان ادارة بوش باستعمالها للبلاغة الطنّانة، واعلانها بالصوت العالي عن استحداثها لاسلحة تفوق التي استُعملت في حرب الخليج تقنية، ستشعر بالامتنان ان هي اقنعت الرأي العام الاميركي كم هي سهلة هذه الحرب.

لقد سألت حديثا صاحب دكان في احدى مدن ولاية فلوريدا عن رأيه في احتمال نشوب حرب مع العراق. في البدء تردد في الاجابة، لكنه عاد فقال: اني أؤيد الرئيس في قراره، ان صدام حسين رجل سيئ، وعلينا مطاردته عاجلا ام آجلا، بإمكاننا القيام بذلك، ولننه المهمة.

براولي مواطن اميركي، اختصاصي كهرباء متقاعد في ميسوري كان اكثر حماسا حين قال: فلنهجم عليه، اننا قلقون من انهم سيقذفوننا بالقنابل الكيميائية والبيولوجية والذرية، فلْنُبدْهم قبل فوات الأوان!

كم تبدو العملية سهلة، ولكن في الواقع شعب الولايات المتحدة، بدءا بأكثر المعتدلين حماسة، ووصولا الى اشد الصقور ضراوة في ادارة بوش، ليست لديه رؤية واضحة، ويسيء الحسابات حول هذا الموضوع، لا احد يعلم حقا النتائج المترتبة على هجوم عسكري اميركي على العراق.

لا شك انه يمكن القضاء على نظام صدام، ولكن ماذا بعد، هل حقا نريد احتلال العراق، الى متى، كم سيدوم هذا الاحتلال وبأي ثمن، وما الهدف، هل نكون بهذا نستأصل تهديدا خطيرا، او بالاضافة نقوم بمد رأس جسر ساحلي على حدود غنية بالنفط، وماذا عن الازمة الانسانية التي ستنتج بعدما تكون احدث القنابل، وسواها من الاسلحة الفتاكة، قد اتمت مهمتها؟

هل سنكون جاهزين وراغبين في التصدي للنقص الغذائي والمائي الحاصل، والاهتمام بالجرحى المدنيين والخائفين، بمن فيهم الاطفال، وماذا عن البنية التحتية المحطمة والمهجرين البائسين؟

هل نحن جاهزون، وما هو المخطط للعثور على اسلحة صدام للدمار الشامل وجعلها آمنة؟

في فوضى الحرب يسهل على المرء ان يتصور مدى خطورة انتشار هكذا نوع من الاسلحة لدى شبكات الارهاب، داخل العراق وخارجه. ولهذا الغرض، نسأل: هل هناك خطة لتحديد مكان صدام، وضمان زوال خطره؟

الجنرال نورمان شوارزكوف، قائد القوات العسكرية في عملية «عاصفة الصحراء» قال قبل ايام في مقابلة تلفزيونية: اعتقد انه اذا كان علينا ان نخوض الحرب فسيكون الهدف رقم واحد صدام حسين.

الكلام سهل والفعل صعب. اقول هذا لاننا فشلنا في الوصول الى صدام حسين خلال حرب تحرير الكويت. ان شراسة تلك الحرب تبدو اليوم بعيدة بالنسبة لمعظم الاميركيين، فهي اشبه ببرنامج تلفزيوني خاص، او لعبة فيديو. ولكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر (ايلول) 2001 اعادت عنف الارهاب الشرس الى عمق اعماق كل مواطن اميركي عادي.

الارهاب، وليس العراق، يبقى حاليا الخوف الاكبر. ذلك الخوف لم يتقلص الاسبوع الفائت عندما صرح مدير المخابرات المركزية، جورج تينيت، امام لجنة خاصة في الكونغرس بأن الخطر من هجوم ارهابي داخل الولايات المتحدة هو الآن اكبر مما كان عليه في الصيف السابق للحادي عشر من سبتمبر. كيف يمكن لحرب في العراق الا تحول الانتباه والامكانيات الثمينة نحو جوهر حرب ملحّة يجب ان تشن على تهديدات ارهابية مباشرة؟

وفي هذا السياق نلاحظ ان مجموعة من العمليات الارهابية لها صلة بتنظيم «القاعدة» بما فيها التفجير في بالي في اندونيسيا الذي أودى بحياة قرابة مائتي شخص جرى في الاسبوع نفسه الذي كان فيه الكونغرس يعطي الرئىس بوش الموافقة، التي طالب بها للهجوم على العراق منفردا.

في عالم بخطورة ما وصل اليه عالمنا اليوم، صارت الاسئلة حول التداخلات العميقة لهجوم الولايات المتحدة على العراق تستحق حصة اكبر من الوضوح في الاجابة مما هو متوفر الآن.

ان الولايات المتحدة لم تكن يوما احوج مما هي عليه الآن لقيادة حكيمة، وعادلة ويقظة. ليس هذا وقت الرقص في الظلام.

 

نيويورك تايمز