خيار التدمير البناء

 

 

 

عكيفا الدار 

 

تفرغ ديفيد ساترفيلد، المبعوث الاميركي السابق والادنى رتبة الذي وصل الى القدس قبل شهرين للاستماع الى عرض استراتيجي من الجنرال غيورا آيلاند وكبار ضباط هيئة الاركان العامة للجيش في تل أبيب. وحظي أحد البدائل التي عرضها الضباط لتسوية الأزمة في المناطق بتسمية <<التدمير البناء>> (constructive destruction). ومعنى ذلك: تدمير السلطة الفلسطينية من الاساس، واستعادة اسرائيل سيطرتها الامنية الكاملة، كما كان الوضع قبل الانتفاضة الاولى، والتوصل الى تسوية مفروضة مع حكام كانتونات طيعين. ورغم ان رجال الجيش سارعوا الى استبعاد خيار <<التدمير البناء>> عن جدول أعمالهم فان أصداء هذا الخيار وصلت القدس وواشنطن.

ولم يتخذ المستوى السياسي ايضا اي قرار رسمي بتبني هذه الفكرة. ومع ذلك فان اختبار النتائج الوضع التدميري في المناطق عمق في قلب القيادة الفلسطينية الشبهات بأن أرييل شارون عقد عزمه على تصفيتها. ويبدي كثيرون في المؤسسة الامنية وفي وزارة الخارجية الاسرائيلية تقديرهم، بأن هذا التعبير المهووس <<التدمير البناء>> لم يولد في دماغ متحمس لضابط موهوم. ويتعذر عليهم تصديق ان رئيس الحكومة لا يفهم المستقبل الناجم عن اجتماع زيادة الضغط على السكان الفلسطينيين وكبح الضغوط الديبلوماسية على اسرائيل.

ويتقدم الفصل الاول تدمير السلطة بسرعة مرضية. وحادث القرية الصغيرة يانون، التي لم يعد بوسع سكانها تحمل تنكيل الزعران الذين يطلق عليهم اسم <<مستوطنين>> فأخلوا بيوتهم الفقيرة، ليس سوى إشارة لصيرورة <<ترانسفير طوعي>>. وتشي جهات امنية وكذلك ديبلوماسيون أجانب خدموا سنين طويلة في المناطق الى ميل متزايد للهجرة من المناطق. ومعظم المهاجرين هم من ابناء المدن (حيث شرع السكان المسيحيون في التلاشي)، وكذلك أبناء الطبقتين العليا والوسطى من التجار والمثقفين. وهذا يعني النخب التي كان تحرك الاقتصاد الفلسطيني الى ما قبل عامين عند ولادته.

وهذه الظاهرة تسبب الارتياح لدى المخلصين ل<<تراث زئيفي>>. اذ ليست هناك اية اشارات بأن هذه الظاهرة تقض مضاجع شارون. فهل من الجائز انه لا يعرف ما الذي جرى لمجتمعات قامت بتصفية الطبقة الوسطى المنتجة فيها؟ ولا أحد لا يفهم ان اقتصادا مشلولا لا يدفع ضرائب، وانه في ظل غياب مداخيله الداخلية وتجميد عوائد ضريبة الاستيراد المحتجزة لدى اسرائيل، فان رجال الشرطة يضربون واللصوص يحتفلون؟ هل يأخذون بنظر الاعتبار مخاطر ان تسيطر الفوضى على المناطق؟ الا يدركون ان عصابات الاجرام بإلهام قرآني وعصابات الاجرام بإلهام توراتي سوف يحولون المناطق الى مزيج من الجزائر والبلقان؟ ومن الجائز ان كل ذلك في نظرهم ليس سوى آلام ولادة ضرورية لتنفيذ المرحلة الاخيرة من فصل التدمير وإعادة توليد ارض اسرائيل الكاملة.

ومن الجائز ان كل هذه التوصيفات ليست سوى وهم، وان شمعون بيريز لا يضلل أحدا بقوله ان التنازلات المؤله لدى شارون تشمل اقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة (ويجب الافتراض، ان شارون يعلم ان الجيش الاسرائيلي لن يتمكن من الدخول والخروج الى رام الله المستقلة على هواه او ان يقصف غزة ذات السيادة وقتما يريد). والسؤال الهام، ربما الأهم هو، هل ان الفلسطينيين يؤمنون ان اسرائيل تتجه نحو تسوية يمكن ان تكون مقبولة لديهم؟ ان سلسلة حوارات مع شخصيات فلسطينية تعتبر براغماتية ومتوازنة تشير الى ان هذا الخيار يختفي من إدراكهم وهو نفس التعبير المحبب كثيرا لدى الجنرال موشيه يعلون.

وبدلا من الأمل، باستخلاص العبر من ان العنف واتخاذ خطوات حازمة ضد الارهاب سيفتح من جديد باب المسار السياسي، يسيطر التقدير بأن تخليد الطريق المسدود ليس بالضرورة الخيار الأسوأ. وقد كتب واحد من هذه الشخصيات، وزير العمل الفلسطيني غسان الخطيب في الموقع الاسرائيلي الفلسطيني المشترك على شبكة الانترنت (بيتر ليمونز) ان الفلسطينيين يخشون من ان شارون <<المعروف بسجله الاجرامي>> سوف يستغل التطورات الدراماتيكية المتوقعة حول حرب الخليج لتوسيع القتل المتواصل للفلسطينيين والتدابير العقابية بحقهم.

ويكتب الخطيب عن الخشية من <<ترانسفير التفافي>> عن طريق ترهيب السكان، وفق صيغة عمليات المنظمات اليهودية عام 1948. وروى وزير فلسطيني هذا الاسبوع لصديق اسرائيلي ان الكثير من الفلسطينيين وبشكل متزايد على قناعة بأن الخيار الوحيد الذي يتركه لهم شارون هو شيء ما بين نكبة جديدة او العودة الى أيام الاحتلال المتنور. وهو يقول: ان الفلسطينيين سوف يختارون القتال حتى الطلقة الاخيرة. وهذه هي <<خارطة الطرق>>

الحقيقية.

 

هآرتس