الهجوم على العراق قد يعيد للذاكرة مأساة كوسوفو

 

 

بيتر بوكايرت

 

 

خلال تناول طعام العشاء في كردستان العراق، ظلت كبيرة العائلة التي استضافتني، تسأل مرافقي المترجم سؤالا ساخنا. فقد أرادت أن تعرف مدى صحة ما يقال عن ان الولايات المتحدة ستقوم بالقاء غازات منومة على بغداد، لتتمكن من خطف صدام ورجاله، بحيث يستيقظ الجميع فيما بعد على أنغام العراق الجديد. ذلك انها تتمنى ان يتم الامر بهذه السهولة.

وقد سخرت من هذه الشائعة، لأفاجأ بسيطرة القلق على ملامح وجهها. كيف لا والعديد من أقاربها مايزالون في بغداد.

سوف يشعر شعب العراق بتعرضه لخطر شديد، لو قامت الولايات المتحدة بعمل عسكري في اراضيه. ولتوضيح بعض تلك المخاطر، اصطحبني سائقي الكردي مباشرة الى منزل قريب من موقع عسكري عراقي، يقع في قرية كلك الكردية العراقية. ومن على سطح ذلك المنزل تأملت بفزع قوات الجيش العراقي التي تتمركز فوق سلسلة من تلال على بعد مئات الأمتار فقط. كانت الرسالة واضحة: فأكراد العراق، الذين لا تتجاوز أسلحتهم البنادق الالية، لا أمل لهم في التصدي للقوات العراقية المسلحة بشكل جيد. وحتى الآن، لم تجرؤ القوات العراقية على مهاجمة الأكراد خشية تهديد الولايات المتحدة بالانتقام. وكبح الجماح هذا، قد يزول اذا ما قررت الولايات المتحدة مهاجمة العراق. الأمر الذي يعني ان قرية كلك هي التي ستواجه، بلا حيلة تقريبا، انتقام صدام المحاصر.

فالرئيس العراقي هو رئيس الدولة الوحيد الذي استخدم الأسلحة الكيماوية ضد بني شعبه، وضد القوات الايرانية أيضا، وقد يفعل ذلك مرة أخرى وهو يخوض معركة من أجل البقاء.

وكما تبين من زيارتنا للخطوط الأمامية في كردستان العراق، يمكن لصدام أن يشن هجومه متى ما أراد ـ حتى قبل ان تقوم الولايات المتحدة بعملها العسكري المتوقع ـ وأن يتوقع مقاومة لا تذكر.

لقد أدى الجدل المتعلق بالعراق الى قض مضاجع أميركا، والى اثارة أسئلة حول مدى ملاءمة الاجراء الاستباقي، والحكمة من فرض تغيير النظام بالقوة، وقوة الدليل المتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقية. لكن بغض النظر عن تفضيل المرء للحرب أو معارضته لها (حيث تتبنى منظمة «هيومان رايت ووتش» التي أعمل معها، موقفا محايدا بهذا الخصوص)، من المهم أيضا التفكير في العواقب الوخيمة التي قد تواجه شعب العراق متى ما اندلعت الحرب، اضافة الى وضع خطط عملية للتقليل من تلك المخاطر.

فالخطر المتعلق بوقوع ضحايا مدنيين نتيجة للقتال نفسه، سيكون على وجه الدقة جسيما، وهي مسألة تشغل أذهان العراقيين. ومن المحتمل أن يسعى صدام حسين لجر الولايات المتحدة الى معركة في المدن، وأن يستخدم المدنيين العراقيين كدروع بشرية. ويمكن لمن يتذكر شدة القتال في جنين قبل شهر من الزمن، أو معركة مقديشو الدموية التي صورها فيلم «تحطم الطائرة بلاك هوك» السينمائي، ادراك المخاطر الناتجة عن حرب المدن. فعلى الرغم من التطورات التقنية الهائلة خلال العقد المنصرم، الا أن وزارة الدفاع الأميركية تواصل ارتكاب العديد من الأخطاء القاتلة في هجماتها الجوية، باعتمادها، في الغالب، على معلومات استخبارية غير موثوق بها.

وأخيرا فان على الولايات المتحدة أن تأخذ بعين الاعتبار، امكانية الأثر البالغ لتدمير البنى التحتية كالمنشآت الخاصة بمعالجة المياه، وهو الاجراء الذي تسبب خلال حرب الخليج الأولى في ارتفاع نسبة الوفيات بين المدنيين من ضحايا القصف بحد ذاته.

وبينما لا يتوجب التقليل من خطورة وقوع ضحايا مدنيين نتيجة للعمليات العسكرية الأميركية ، قد يكون الخطر الأعظم الذي يواجه الشعب العراقي متمثلا في الجيش العراقي. فأعداد الضحايا المدنيين للعمليات العسكرية التي شنها الحلفاء خلال حروب الخليج وكوسوفو وأفغانستان مجتمعة لا تساوي شيئا مقارنة بما يقدر بـ30 الف شخص ماتوا خلال قمع صدام لانتفاضات عام 1991، أو مقارنة بما يقدر بـ100 الف كردي قتلوا خلال حملة الابادة الجماعية الشهيرة بأنفال، التي نفذها صدام في أواخر الثمانينات من القرن الماضي.

اذا ما قررت الولايات المتحدة شن الحرب ضد العراق، فسيكون لزاما عليها ان تفعل ما بوسعها لحماية المدنيين من الشيعة والأكراد الذين سيتعرضون للخطر. على اعتبار ان قذائف حلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي أطلقت من الجو في كوسوفو، لم يتسن لها حماية المدنيين مع تصاعد وتيرة أعمال القتل التي مارستها القوات الصربية ردا على القصف الجوي. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح بتكرار تلك التجربة المأساوية.

كما ستتعرض سلامة المدنيين من سكان العراق لتعقيدات شديدة بسبب حقيقة محدودية وجود المساعدات الانسانية في البلاد، وبأن وكالات العون الموجودة محكومة لأهواء بغداد.

في كردستان العراق، لم ألحظ، شخصيا، أي تحضير لمواجهة حدوث أزمة انسانية، أو للتعامل مع هجمات بالأسلحة الكيماوية ـ لأسباب منها ان بغداد تسيطر على تدفق المساعدات الانسانية للشمال. وقد يواجه المدنيون، الذين سيفرون من الحرب، حدودا مغلقة في المنطقة تعيق سعيهم للنجاة. ففي عام 1991، واجه عشرات الالاف من الأكراد الفارين موقفا صعبا بالقرب من الحدود التركية المغلقة، حتى ان بعضهم لقي مصرعه بسبب الصقيع. وهكذا فان أي تخطيط لعمل عسكري يتطلب وضع خطة حسنة التمويل لتقديم المساعدات الانسانية والضغط على حكومات المنطقة من أجل قبول ابقاء حدودها مفتوحة.

يضاف الى ذلك، ان الحرب في العراق قد تؤدي الى وقوع معارك عرقية داخلية، وأعمال انتقام بشعة، ضد من ينظر اليهم على انهم من مؤيدي حكومة صدام حسين. فخلال الأسابيع الثلاثة االتي أمضيتها في كردستان، التقيت بعشرات الاسر الكردية والتركمانية، التي طردتها الحكومة العراقية مؤخرا من مدينة كركوك الغنية بالنفط، وتواجه الآن ظروفا صعبة في كردستان. ويمكن توقع تدفق الأكراد مجددا الى الخلف في أسرع وقت، وشن حملة انتقام محتملة ضد العرب الذين أحضرهم صدام ليحلوا مكانهم، ناهيك عن المنافسة الشديدة التي قد تنشب في أوساط العرب والأكراد، وربما الأتراك للسيطرة على المدينة.

وكما حدث في تجربة عام 1991، سيواجه أعضاء حزب البعث الذي يتزعمه صدام، اضافة الى جماعته من المنتمين لتكريت وأجهزة الأمن الممقوتة، حملة انتقام شديدة عقب سقوط صدام مباشرة. ولكي تتمكن الولايات المتحدة من منع حمامات الدماء، فانها بحاجة لأن توضح بصورة جلية، لحلفائها المتوقعين في أوساط القوى المعارضة لصدام، انه سيتم معاقبة أية انتهاكات. مثل هذا الالتزام لم نلحظه في أفغانستان، حيث قتلت قوات تحالف الشمال المئات من المقاتلين الأسرى دون خوف من التعرض لمساءلة قضائية.

وأخيرا، تعلمنا التجارب ان انهيار حكومة ما يؤدي الى فراغ أمني. ففي أفغانستان، أتاح فشل الولايات المتحدة في ملء الفراغ بشكل سريع، لزعماء الحرب فرض حضورهم بالقوة في مواقع السيطرة، والسماح بعملية نهب واسعة وبانتهاكات مماثلة. أما في كوسوفو فقد بدأ جيش تحرير كوسوفو المنتصر بقتل المدنيين الصرب والروم الذين اشتبهوا في تعاونهم مع سلوبودان ميلوشيفيتش مباشرة بعد توقف قصف الحلفاء.

ضمان الاستقرار والأمن والادارة المسؤولة في العراق، يعد التزاما أساسيا طويل المدى، لكنه مسألة يجب أن تكون في ذهن الولايات المتحدة متى ما استهلت حملتها هناك.

ويبدو ان ادارة بوش تخطط للقيام بدور أكثر طموحا في العراق مقارنة بما فعلته في أفغانستان بما في ذلك امكانية فرض احتلال طويل المدى للعراق. وهو ما يقتضي اعتبار أمن السكان المدنيين، خاصة خلال الأيام الأولى التي ستعقب انهيار صدام وينعدم فيها النظام، هدفا رئيسيا في خطة الولايات المتحدة.

 

غلوبال فيو بوينت