قوة أميركا الحقيقية

 

 

 

 

توماس فريدمان

              نيويورك تايمز    

 

 

 

اذا كان البعض يعتقدون ان المانيا باتت معادية لأميركا ، فليتأملوا ما جرى فيها خلال الشهر الماضي، عندما زار الرئيس العاصمة الألمانية برلين، لم يكن الرئيس بوش بل الرئيس السابق كلينتون.

فقد احتشد الجمهور الألماني حول كلينتون، الذي اشترك في ازاحة الستار عن بوابة براندسبورغ الشهيرة بعد ترميمها وتحسينها، وأراد الجميع القاء نظرة عليه أو الاستماع اليه أو مصافحته، وكأن مطربا شهيرا يزور المدينة.

ولو أراد الرئيس بوش زيارة المانيا هذه الأيام، فقد تكون هناك أيضا أعمال شغب في الشوارع ـ من النوع الذي اعتادوا على مواجهته بالغازات المسيلة للدموع.

لماذا هذا الاختلاف في التعامل؟ انصافا لبوش يعود الامر جزئيا الى اضطراره لاصدار أوامره بقصف أفغانستان، وربما يكرر ذلك في العراق. انها قرارات مثيرة لجدل عميق في القارة الأوروبية الميالة، الى حد كبير، للسكون. فمن السهولة بمكان أن يحظى رؤساؤنا بشعبية أكبر اذا لم يلجأوا لاستخدام قوة أميركا، لكن لابد من الاشارة الى مسألة أخرى اكثر عمقا.

فالعالم ينظر الى كلينتون باعتباره خلاصة التفاؤل الأميركي ـ تفاؤل ساذج لكنه تفاؤل. أما فريق بوش ـ الرئيس، وديك تشيني ودونالد رامسفيلد وكوندوليزا رايس (باستثناء كولن باول) ـ فقد فاجأوا العالم بطريقة تفكيرهم وبقناعتهم فقط بسياسة استخدام القوة، تماما كما كان عليه حال رجال الدولة الأوروبيين خلال القرن التاسع عشر.

بالنسبة للعالم، يعد كلينتون نموذجا آخر لجون اف كينيدي، أما جورج بوش فهو توماس هوبس الآخر، الرجل الذي شعر بتشاؤم عميق من طبيعة البشر، بعدما تأمل حروب أوروبا الدينية، وتوصل الى قناعة بأن قانونا وحيدا انتصر في العالم مفاده ان كل رجل ذئب بالنسبة للآخرين (كن ذئبا قبل أن تلتهمك الذئاب).

لو كان هناك درس تعلمته من أسفاري وعيشي خارج أميركا، فانه يفيد بان الأمم الأخرى التي تسخر من تفاؤل أميركا الساذج، او تتهكم تغبطنا في أعماقها على تفاؤلنا وتتحسر على اليوم الذي سنتخلى فيه عن ذلك التفاؤل ونتبنى رؤية أوروبا المأساوية للتاريخ، على اعتبار ان تفاؤلنا بشأن طبيعة البشر والتزامهم المتعلق بسلطة القانون، لا يعد فقط عاملا للقوة، بل هو المحرك الرئيسي للعالم المتطور ايضا..

هذا التفاؤل هو أيضا مصدر لقوة أميركا وما تستشهد به: قدراتها التقنية وجامعاتها ومدن ملاهيها، كديزني لاند، وأفلامها السينمائية، واعلان استقلالها الذي بني على افتراض ان المستقبل يمكن أن يدفن الماضي.

وهذا لا يعني ان أي رئيس واقعي لأميركا سيدرك ان صدام حسين، أو كيم جونغ ايل، هما في الأساس طيبان. ذلك انهما شريران. بل ان رؤساء أميركيين آخرين كجون اف كينيدي وفرانكلين روزفلت ورونالد ريغان، تصدوا لخصوم أكثر شرا من صدام أو أسامة بن لادن بدون الابتعاد عن التفاؤل الأميركي أو عن التواصل مع العالم. وذلك هو ما يفتقده فريق عمل بوش.. وهي خسارة بالنسبة لهم ولأميركا أيضا.

قال لي مسؤول الماني: «لا تنس ان مزيجا من قوة أميركا الصلبة والمرنة هو الذي هزم الاتحاد السوفياتي. ومايسمى بالموقف «الأوروبي» الواقعي هو في الحقيقة تعبير عن حالة تشاؤم أوروبي نتجت عن جميع حروبنا الدينية. ولو أصبحتم مثلنا، فستخسر أميركا المصدر الحقيقي لقوتها ولقدرتها على جذب الأخرين، السبب الذي يجعل حتى أولئك الذين يمقتونكم يميلون نحوكم».

وقال المنظر السياسي يارون ايزراحي، ان أتباع بوش عندما يسخرون من أشياء مثل المحكمة الدولية «لمجرمي الحرب» أو معاهدة كيوتو، وجميع المعاهدات المشابهة لها تقريبا ، بدون عرض بدائل أخرى، وانما من خلال استعراض قوتهم، «فانهم يقدمون نموذجا متعجرفا ومهووسا بالقوة فقط. وهذا يلحق ضررا بالمثال الأميركي الذي جعل أوروبا تطمح في الانعتاق من التاريخ الذي سبب لنا الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما انه يقلل من شرعية قوة أميركا كأداة للعدل والنظام الدولي، كما يجعل بقية العالم غير قادر البته على أن يقول: انني من نيويورك».

ويبدو لي ان استراتيجية تنظيم «القاعدة» بمجملها تشجع على حدوث ذلك، بحيث تحيل أميركا الى دولة من المتشائمين، عندما تهاجم رموز ومنابع التفاؤل الأميركي، ابتداء من مركز التجارة العالمي وحتى مرقص بالي، والدبلوماسي الأميركي في الأردن، الذي لقي مصرعه اخيرا على أيدي ارهابيين.

قد يتساءل البعض: من هو ذلك الدبلوماسي؟ هل كان مسؤولا عن مكتب وكالة المخابرات المركزية الاقليمي؟ كلا. كان مسؤولا عن بعثة المساعدات الأميركية للأردن، ذلك ان أميركا تساعد الأردن لكي يكون مستقبله أفضل من الماضي.

يريد الارهابيون أن يدفعونا لغلق نوافذنا ورفض طلبات الحصول على تأشيرات دخول أميركا التي يتقدم بها شبان مسلمون، والتخلي عن شعلة المثالية التي تمسكنا بها، بحيث نصبح أقل استقطابا للآخرين كبديل لتعصبهم الديني الأصولي.

ويبدو ان أتباع بن لادن أدركوا شيئا لم يدركه بوش، الا وهو ان تفاؤل أميركا وقوتها المرنة، لا الصلبة، هما اللذان يهددانهم.

بلاشك اننا لا نستطيع الاحتفاظ بتفاؤلنا الساذج بعد الحادي عشر من سبتمبر، لكن علينا أن نظل متفائلين . وعلينا اكتشاف السبيل الذي يمكننا من الدفاع عن أنفسنا في مواجهة أسلحة الدمار الشامل التي يملكها آخرون، دون أن نفقد سلاح الدمار الشامل الذي بأيدينا، الا وهو قدرتنا على جعل العالم يعتمد علينا.

 

 

نيويورك تايمز