حرب بين الفعل وأسلوب الخطابة
جيم هوغلاند
واشنطن بوست
زعم الفيلسوف الانجليزي توماس هوبس ان
الكلمات «هي سلاح الحمقى». ويبدو ان هذا الطرح قد يتحول الى حقيقة مع تواصل الجدل
الكلامي حول العراق داخل دوائر الأمم المتحدة. فما يدور في مجلس الأمن بات مصدرا
اضافيا للارتباك العالمي بشأن طبيعة النفوذ الدولي ومصدر شرعيته في عالم اليوم.
ويبدو ان ادارة بوش جعلت من الكلمات عنصرا
رئيسيا لسياستها الخارجية ، أملا في أن تحدث أثرا طيبا على الأرجح. العبارات
الصارمة قد تكون ساهمت في تحقيق أهداف البيت الأبيض المتعلقة بروسيا والصين
وأوروبا. كما ساهمت التهديدات المحتملة باللجوء للاجراء الوقائي في ضمان تأييد
الدول العربية أو الأفريقية والآسيوية الممتنعة أو المعارضة للحرب ضد الارهاب.
وقد يكون وصف «محور الشر» سببا قي التعجيل
باضطراب حكومة كوريا الشمالية المهترئة. كما قد يكون تشهير الرئيس بوش بحكومة صدام
حسين قد أدى الى وضع حد لظلم النظام العراقي وتجنب الحرب. خاصة وقد ظهرت مؤشرات
داخلية على انهيار الوضع في بغداد.
لكن الحكومات لا تختلف عن الأفراد : فمصادر
القوة قد تصبح نقاط ضعف متى ما تعرضت لضغط يفوق الحد. والاعتماد الزائد على الكلام
وعلى النهج ـ الذي يقضي بـ«اقتصار الحديث على الارهاب والارهاب والارهاب بينما
أشعر بالحاجة للحديث عن مشاكلي أيضا»، كما طرح زعيم سياسي شارك في اجتماعات قمة
الدول المطلة على المحيط الهادي التي انعقدت مؤخرا في المكسيك ، لأحد مساعديه ـ
يحمل في طياته مخاطره المتعلقة به.
ويبدو ان الرئيس بوش أدرك خلال الاسبوع
الماضي بعض مخاطر الاستخدام السياسي للخطابة، عندما كشف في كراوفورد بولاية تكساس
عن انه أبلغ ضيفه الرئيس الصيني جيانغ زيمين انه «لا يمكن للجهود التي تبذلها أية
دولة لمكافحة الارهاب أن تبرر اضطهاد الأقليات أو اسكات خصوم الرأي المسالمين».
ذلك ان ما يحدث في هونغ كونغ كان يدور في عقل بوش، وعبارات التهديد التي أطلقها
وترددت حول العالم على ما يبدو كان لها أثر غير مؤكد.
لكن وخلال ساعات من ذلك التصريح شهدت موسكو
تصادما بين الافتراضات والحقائق المتعلقة بالحرب ضد الارهاب، فقد قامت قوى الأمن
الروسية باستخدام الغازات السامة وقتل العديد من الرهائن الذين كان يفترض أن
تنقذهم من مسلحي الشيشان الذين أرادوا تفجير أنفسهم.
لقد أدت العملية الروسية الى انقاذ معظم
الرهائن. لكن الرئيس فلاديمير بوتين، وقد وجد نفسه في مآزق حرج، تبنى أسلوب الهجوم
بالمطرقة العنيفة وتحصن بالسرية تماما كما حدث إبان الدولة السوفياتية. وهذا ليس
في صالح موقف بوتين المتعلق بالشيشان، ولا في صالح حرب بوش ضد الارهاب.
وهنا تكمن معضلة خطورة اللجوء الى اسلوب
الخطابة بشكل مكثف والتركيز بلا رأفة على أكثر الأهداف أهمية: فعندما تكون الأشياء
مترابطة فانها تبدو كذلك. أزمة حصار الرهائن الروس، واهتمام فرنسا بصغائر الأمور
في قرار الأمم المتحدة بشأن العراق وتخلي بوش عن قضايا كانت ذات يوم عظيمة الأهمية
كالعلاقات الاستراتيجية مع الهند والمكسيك وأميركا اللاتينية، كلها تلقي بظلالها
على بعضها البعض وتؤدي الى تعقيد تعامل ادارة بوش الاجمالي مع التحديات الخارجية.
هذا التنامي في تعقيدات وترابط تلك التحديات
يعيد الى الأذهان الأجواء الدولية خلال عام 1973 بشكل يفوق ما حدث خلال عام 1990
عندما كانت الولايات المتحدة تستعد لشن حرب ضد العراق للمرة الأولى.
فخلال عام 1973 أدت الحرب الرابعة بين العرب
واسرائيل والحصار النفطي الذي تبعها، الى احداث والتعجيل بتحول سياسي واقتصادي
أساسي في انحاء العالم. ويتوجب على ادارة بوش الحالية أن تكون مستعدة للتعامل مع
تحول مماثل بنفس الأهمية على اثر حرب الخليج الثانية والحرب ضد الارهاب. هذا
التحول يتعلق بمستقبل الأمم المتحدة وبالاستقرار في المنطقة العربية وبشكل تجارة
النفط العالمية وبغيرها من القضايا المعاصرة.
ويخطئ أولئك الذين يعتبرون مثل هذا الغموض
سببا لعدم وضع نهاية للظلم في العراق. فـ«الاستقرار» المبني على أساس التسامح مع
الارهاب والتحدي غير المسبوق للقانون الدولي لا يشكل استقرارا على الاطلاق . وهو
ما يجعل بوش محقا بهذا الشأن.
لكن على ادارته أن تكون مستعدة للتعامل مع
عناصر المشهد العام للتغيير الذي بدأت بتحريكه بالفعل. ويجب أن تتميز باليقظة
التامة تجاه اثار خطتها وأعمالها، اضافة الى كلماتها الموجهة للدول الأخرى ولمصالح
تلك الدول.
لماذا أرادت المكسيك اظهار موقف جديد يتعلق
بترددها في التصويت مع واشنطن بشأن العراق في مجلس الأمن؟ قد يكون ذلك الى حد ما
بسبب شعور الرئيس فيسينتي فوكس ان بوش لم يقدم له شيئا بشأن الاجراءات المتعلقة
بقضية الهجرة ومنافذ الحدود بين البلدين.وهذه قضية كان يمكن أن تعزز موقف فوكس
أمام أحزاب المكسيك اليسارية، والتي اعتادت التشهير به لتأييده «امبريالية»
الولايات المتحدة.
لقد تبنى فوكس موقفا يخص مصالحه الذاتية،
وليس رغبة في الانتقام . (وهذا الموقف قد يبعد المكسيك عن الاستفادة من صوتها
الحاسم في مجلس الأمن بشان المشروع المتعلق بالعراق).
الموقف المكسيكي يأتي ضمن جملة من الأخطاء
الهامة التي ترتكب في مجال الجغرافيا ـ السياسية . فهو يخشى من أن يكون اهمال
الولايات المتحدة للأرجنتين قد ساهم في وصول اليسار الى السلطة في البرازيل خلال
عطلة نهاية الاسبوع المنصرم، الأمر الذي يلقي بظلاله على المستقبل السياسي في
المكسيك.
لا شك ان اهتمام بوش بالعراق وبالارهاب حيوي
للغاية . لكن وبنفس قدر عدم جواز تهربه من اتخاذ قرارات صارمة بشأن اقتصاد أميركا
ورفاهيتها العامة وهو يتعقب تنظيم القاعدة، فانه لا يستطيع اعتبار نقاط ساخنة أخرى
في مأمن.
لقد لجأ بوش الى أسلوب الحرب الكلامية بدهاء
وخبث . فكرجل دولة تمكن من تحويل انتباه العالم الى خطر هائل واقترح التخلص منه.
وكسياسي، استطاع جر الديمقراطيين ( الذين لا يشكلون خطرا يذكر هذا العام)، كما
استطاع سبر غور الجدل بشأن القضايا الداخلية.
نحن أمام مزيج تقليدي للنجاح السياسي وهو
تحقيق النجاح بفعل الأشياء الجيدة. لكن التحديات التي تواجه السياسة الخارجية
الأميركية تتطلب رؤية أكثر شمولية وردود فعل منسقة أكثر مهارة مما تبديه الادارة
الأميركية في الوقت الحاضر.