الاحتواء وسيلة لحل النزاع الشيشاني
لوس انجليس تايمز
قتل اكثر من 115 شخصا عند اقتحام القوات
الروسية الخاصة المسرح الذي كان يحتجز فيه مسلحون شيشان ما يزيد على 750 شخصا
توجهوا في الاساس الى هناك بغرض قضاء امسية جميلة بمشاهدة مسرحية موسيقية. والواقع
ان
تبادل اطلاق النار بين الجنود الروس
والمسلحين الشيشان لم يؤد الا الى مقتل اثنين فقط من الرهائن، اذ قُتل الباقون
بسبب استنشاق غاز سام استخدمته القوات الروسية الخاصة لدى اقتحامها المسرح بغرض شل
حركة المسلحين ومنعهم من قتل الرهائن.
هذا الحدث المفزع ركز الانتباه العالمي على
استخدام حكومة بوتين غاز غير معروف وفشلها في توفير مضادات فورية واتباعها النهج
السوفياتي السابق في ما يتعلق بالافصاح عن المعلومات. ولا شك في ان مسلك الكرملين
مثير للانزعاج، ولكن هناك قضية اكبر حجما لم تجد اهتماما كافيا، وهي ان الحرب
الروسية في الشيشان وصلت الى طريق مسدود، وان الوقت قد حان لانتهاج مسار جديد لحل
هذا النزاع. ان وحشية هذه الحرب لم تتضح أبعادها وتفاصيلها لغالبية الغربيين بسبب
عدم احتلالها أية مساحة في الصفحات الاولى رغم انها تسببت في نزوح 225 ألف شيشاني
الى جمهورية انغوشيا المجاورة التي تعاني نفسها من الفقر.
اما العاصمة غروزني، فقد باتت حطاما، كما
دمرت الحرب المزارع والمصانع وتضاعفت أعداد الارامل والايتام. اما نوعية الافراد
الذين افرزتهم اوضاع الحرب والدمار والتشريد، فيمكن ان يوضحها الرجال والنساء
الذين ابدوا استعدادهم لقتل رواد المسرح الابرياء بموسكو.
ولكن على الرغم من ان مثل هؤلاء ربما يكونون
قد اصبحوا موتى او رهن الحبس، فسيكون هناك آخرون غيرهم. ظلت الشيشان تفرز على نحو
مستمر افرادا لا تعني الحياة بالنسبة لهم أي اهمية. يضاف الى ذلك ان الحرب على
جبهة القتال لا تسير في مصلحة روسيا، اذا ان المقاتلين الشيشان ظلوا يسقطون على
نحو منتظم طائرات الهليكوبتر الروسية العسكرية، فضلا عن محولات الاغتيال التي
يتعرض لها المسؤولون الروس واعضاء الحكومة الشيشانية الموالية لروسيا، كما ان
المقاتلين الشيشان، الذين يزعم الكرملين ان القوات الروسية قد قضت عليهم، ما زالت
مستمرة في عمليات حرب العصابات ضد القوات الروسية.
اظهرت عملية احتجاز الرهائن الاخيرة في موسكو
ان نطاق القتال امتد من المقدمة الى الخلف، فالمجموعات الشيشانية الاكثر تطرفا
قررت ان تجعل المدنيين الروس يشعرون بالألم الذي يشعر به المدنيون الشيشان. ويبدو
ان عملية موسكو مقدمة لمرحلة جديدة في الحرب ستكون في ما يبدو بشعة.
وبالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن
المخرج الوحيد من الشيشان هو الاعتراف بأن الروس باتوا يدركون وبأعداد متزايدة ان
روسيا لن تحسم الحرب لصالحها وان الحرب نفسها ليست من النوع الذي يمكن ان يحسمه أي
من الاطراف المتحاربة. ولكن سحب القوات الروسية يبدو بمثابة انهيار وليس
استراتيجية. لا بد ان تضع روسيا نهاية لهذا الإخفاق التام، لكنها في حاجة ايضا الى
صياغة حل مختلف لمسألة الشيشان.
ربما تجد روسيا حلا للمشكلة في اطار نهج جديد
قائم على الاحتواء، أي تشديد السيطرة على الحدود وفرض رقابة صارمة على انسياب
الاموال. الهدف من هذا النهج المقترح هو التأكيد على الإبقاء على النزاع الشيشاني
داخل حدوده، اذ ستنشأ بالتأكيد حالة فوضى اكبر حجما عند خروج الروس من الشيشان
بسبب انقلاب زعماء الحرب الشيشان على بعضهم البعض في الغالب.
سياسة الاحتواء ستنجح في منع عمليات غسيل
الاموال وتهريب السلاح وتمنع المتطرفين الشيشان من العبور الى داخل روسيا لارتكاب
عمليات ارهابية، كما ستؤدي الى وقف الدعم الخارجي للمتطرفين.
روسيا لا تستطيع ان تفعل ذلك بمفردها تماما
مثل حربنا ضد الارهاب، فخطة الاحتواء يجب ان تجد دعما وتأييدا من دول اخرى. لذا
يجب على الولايات المتحدة ان تحرص على تقديم مساعدة لروسيا في هذا الشأن. فلدى
الولايات المتحدة خبرة في هذا الجانب، كما ان لها مصلحة في عدم السماح للشيشان ان
يصبحوا فرعا لتنظيم «القاعدة» فضلا عن مصلحتنا في منع الحرب الروسية المدمرة من
القضاء على الديمقراطية وتهديد الانتعاش الاقتصادي الذي بدأت تتمتع به اخيرا.
ترى، هل هناك أي ضمانات لنجاح سياسة
الاحتواء؟ بالتأكيد لا. وهل تعتبر هذه هي السياسة المثلى؟ لا. ولكن في اطار مثل
هذه الحرب الفوضوية ليست هناك حلول مثلى وكاملة. فالمسألة تكمن في اختيار اقل
الخيارات سوءا.