المطلوب أتاتورك جديد وليس صلاح الدين

 

 بقلم : تصفي البيليغ

 

ولذلك فإن أفضل ما يمكن عمله هو مساعدة الفلسطينيين على إقامة دولة ذات نظام مستقر، تنفرد فيها السلطة (أي الحاكم) بالسيطرة على القوات... 

 

 

قبل عدة سنوات أعربت تانسو تشيلر، رئيسة الحكومة التركية، آنذاك، عن احتجاجها إزاء الاوروبيين الذين ضغطوا من أجل تنفيذ اصلاحات ديموقراطية في بلادها، كشرط لضمها إلى اتحاد الجمارك الاوروبي. وقالت لهم: لقد استغرقكم الأمر 250 سنة حتى تعلمتم لغة الدمقراطية، أما نحن الأتراك فنشارك في هذه الدورة منذ 75 عاماً فقط. لقد حضرتني هذه الحكاية في ضوء الضغوط الأميركية (والإسرائيلية) من أجل إجراء إصلاحات دمقراطية في السلطة الفلسطينية.

 

إن أبرز تجربة قامت بها جهة غير عربية لتغيير طابع نظام في دولة عربية، هي تجربة نابليون بعد احتلاله لمصر عام 1798، حيث قرر تطبيق طابع الثورة الفرنسية عليها. وخلال السنوات الثلاث التي تلت احتلاله لمصر، وحتى انصرافه منها، عانى جيش نابليون من العمليات الارهابية غير المتوقفة. وهذا يوصلنا إلى استنتاجين: الأول، أنه لا يمكن تفعيل الفقرة الأخيرة من التطور الاجتماعي في غياب الفقرات التي تسبقها، والثاني، انه لا يمكن لمن لا ينتمي إلى الشعب الذي يتعلق به الشأن، إحداث انقلاب كبير. (لقد كان هرتسل يهودياً وأتاتورك تركياً، والثورة الفرنسية سجلت على اسم الشعب الفرنسي).

 

تختلف دول العالم العربي عن بعضها البعض بتعريفاتها. فالسعودية والأردن وبعض دول الخليج هي دول ذات سلطة ملكية. والعراق وسوريا يحكمهما حزب البعث الاشتراكي. ومصر تحولت عام 1952 إلى جمهورية، ولبنان هو عبارة عن فسيفساء طائفية متحركة تخضع عملياً إلى سوريا. لكن هذه الدول، ورغم الاختلاف في تعريفاتها، هي كلها ذات ثقافة سياسية متشابهة: في كل واحدة منها يوجد الحاكم الوحيد والمطلق، أو شبه المطلق، وجيش تنحصر مهمته الدائمة في الدفاع عن النظام، وجهاز علاقات متبادلة بين السلطة والجمهور يعتمد على مبدأ يقول أن من وظيفة السلطة توفير الأمن للمواطنين وهم يدفعون لقاء ذلك بالطاعة لها. ولعل حقيقة زج المثقف المصري سعد الدين ابراهيم في السجن لمدة سبع سنوات، على خلفية صراعه من أجل حرية التعبير، تشكل مميزاًً واضحاً لثقافة السياسية آنفة الذكر.

 

ولذلك فإن أفضل ما يمكن عمله هو مساعدة الفلسطينيين على إقامة دولة ذات نظام مستقر، تنفرد فيها السلطة (أي الحاكم) بالسيطرة على القوات المسلحة وعلى الأسلحة. إن ما هو قائم في السلطة الفلسطينية اليوم، هو مجموعات سياسية تملك جيوشها الخاصة التي تنافس بعضها من أجل السيطرة على القوات المسلحة وعلى السلطة، بقوة السلاح.

 

من هو الذي يمكنه تحقيق هذا التغيير الهام؟ لا يمكن لأميركا ولا لإسرائيل عمل ذلك، وإذا لم تأت التغييرات من الداخل، ربما يسمح الفلسطينيون لجيرانهم العرب بمساعدتهم على اقامة دولة حسب الطراز المتبع في المنطقة، لا أقل من ذلك، ولا أكثر، حالياً.

 

قد تحدث في المجتمع العربي تغييرات عميقة في المستقبل، وعندها سيتقلص، أيضاً، الفارق بينها وبين الحضارة الغربية. لكن هذا سيحدث فقط، إذا أوقف العرب بحثهم عن صلاح الدين الجديد بصورة صدام حسين، وسعوا إلى العثور على أتاتورك عربي. 

 

 

يديعوت أحرونوت