مستقبل غير مؤكد لحلف شمال الأطلسي

 

 

هنري كيسنجر                        غلوبال فيو بوينت

 

يعتبر مؤتمر قمة براغ الذي عقد احتفاء بانضمام دول البلطيق وباقي دول حلف وارسو الى حلف شمال الاطلسي مناسبة لانتصار الاهداف الأصلية للتحالف وفرصة للتفكير العميق في التغييرات طويلة المدى الناجمة عن النجاح.

لقد تأسس الناتو قبل نصف قرن من الزمن لحماية الدول الاعضاء من تهديدات العدوان ولا سيما الغزو السوفياتي لأوروبا الشرقية. ومع اختفاء التهديدات في المستقبل المنظور، فإن الناتو، لا يتوسع بقدر ما يغير ذاته الى هوية مختلفة. فلقد اصبح اقرب الى منظمة امنية جماعية مثل الامم المتحدة اكثر منها كونه تحالفا تقليديا. ان التحالف يحدد اسباب الحروب والخط الفاصل ومجموعة محددة من الالتزامات، وهو يواجه تهديدا غامضا. أما منظمات الأمن الجماعي فهي تحدد التهديدات كلا على حدة، وتتفاوض على أسلوب المقاومة، اذا ما كان هناك مقاومة، في ضوء الظروف. ولقد تم التعامل مع ازمات برلين المتعددة خلال الحرب الباردة بأسلوب التحالف، اما الحملة ضد الارهاب التي ظهرت في أعقاب أحداث سبتمبر 2001 فقد تم التعامل معها كقضية امن جماعي، حيث كان حلفاؤنا يتصرفون طبقا لقدراتهم الوطنية من قضية الى اخرى. اما الناتو كمؤسسة فلم يشارك في الامر.

مثل هذا التحول يؤدي الى صدعين محتملين داخل التحالف: بين شرق وغرب أوروبا، وبين أوروبا والولايات المتحدة. وكان من المحتمل ان يتم توسع الناتو بطريقة محدودة، لو ان الدول الاوروبية مستمرة في الاعتقاد بتهديدات روسيا او امكانية الحرب النووية عبر حدود الناتو الجديدة، وبكلمة اخرى، اذا كان حلفاؤنا يعتبرون التحالف اكثر احتياجا. والاكثر من ذلك، فإن معظم اوروبا الغربية تعتقد ان عضوية روسيا في الناتو هي مسألة وقت. وفي الوقت ذاته تم التوصل الى حل وسط منح روسيا الحق في التعامل مع الآلية الاستشارية للناتو واضعاف هدف التحالف لعديد من الاعضاء الجدد.

ان وضع الدول التي انضمت حديثا للناتو مماثلة لوضع اوروبا الغربية في بداية عهد الناتو. فتلك الدول بعدما عاشت تحت السيطرة الروسية لعقبات من السنين، فإنها ترى في الناتو اداة تمنع تكرر العدوان او الضغوط القادمة من الشرق. وعلى العكس من بعض الشركاء في اوروبا الغربية، فإنهم لا ينظرون الى الناتو كوسيلة لكبح الزخم الاميركي، بل هم يسعون لدعم الالتزامات الدولية الاميركية، وليس لتقييدها.

وبالمثل فإن المناخ الدولي الجديد يغير العلاقات بين اوروبا والولايات المتحدة. فما دام يوجد ادراك متماثل بالتهديدات، فإن اوروبا لديها الحافز للحفاظ على النفقات الدفاعية، وحتى عندئذ فإن مطالبها الداخلية تتعدى نفقاتها الدفاعية. ان الدول الاروبية تُخضع وبصورة متزايدة النفقات الدفاعية للاولويات الداخلية، فمنذ سقوط حائط برلين انخفضت النفقات الدفاعية بصورة منتظمة. وفي الوقت ذاته فإن الجهود الدفاعية الاميركية الهائلة لا تدعم تماسك التحالف، لانها تعتبر، وبصورة واسعة في أوروبا، على انها تستهدف التعامل مع الطوارئ وليست مرتبطة بالمصالح الاوروبية. وهي تعظم حقا مخاوف العديد في اوروبا بأن العالم أصبح أحادي القطب، بينما تفضله اوروبا متعدد الاقطاب.

وقد تخلت ادارة بوش، بعدما تعرفت على تلك الاتجاهات، عن ممارسة الضغوط لزيادة الجهود الدفاعية الاوروبية. وركزت بدلا من ذلك على تشكيل قوة تدخل صغيرة نسبيا قوامها 20 ألف جندي تحت قيادة مظلة الناتو لمواجهة التهديدات التي كانت تعتبر «خارج النطاق» .

الا ان مستقبل الناتو يعتمد وبطريقة اقل على بنيته العسكرية اكثر من اعتماده من قدرة الاعضاء على تطوير اهداف سياسية مشتركة.

وهنا يكمن سبب القلق العميق. ان وسائل الاعلام الاوروبية وبعض الشخصيات السياسية مستمرة في تصوير الولايات المتحدة كأرض احكام الاعدام، والرأسمالية الجشعة، والدبلوماسية المنفردة وعقلية رعاة البقر. لقد كانت الهوة السيكولوجية واضحة، عندما طلب، الرئيس التشيكي فاسلاف هافل المدافع المتحمس عن العلاقات مع الناتو، «فهم الحساسية العرضية والخرق والاهمية الذاتية التي ربما تنتج عن المسؤولية الدولية». وحتى الاجماع حول العراق في قمة براغ سيواجه لحظة الحقيقة عندما تظهر الحاجة لتحديد ما يمثل الانتهاك المادي لقرارات الامم المتحدة ونوعية المعالجة المناسبة.

وفي الوقت بذاته فإن العديد من المراقبين في الولايات المتحدة ينظرون الى اوروبا كمنطقة حياد بدائي، واستغلال بلا مقابل للقدرات الدفاعية الاميركية والسعي لحماية امنها بإحلال العمل الجماعي مقابل مسؤوليات التحالف، ولذا يوجد اصرار متزايد على ضرورة عمل الولايات المتحدة كالحكم الوحيد للمصالح الكونية. وهذه الافكار هي جوهر الخلاف الذي يتبلور تحت مظلة العمل الجماعي مقابل العمل الانفرادي. ولقد حان الوقت لوضع مثل هذا الجدل في منظوره الحقيقي.

ان الشعارات تطغى على الحقائق، حول الاهمية النسبية للسياسة الداخلية على الخارجية. ان الاوروبيين ليسوا اكثر رغبة من الاميركيين لاخضاع ادراكهم لمصالحهم الحيوية القومية للعمل الجماعي المجرد ـ شاهد تصرفهم فيما يتعلق بالسياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الاوروبي. ولكنهم يشكلون مصالحهم الحيوية من منطلقات اكثر تحديدا، وينظرون الى القضايا العالمية كأشياء يمكن استخدامها للحصول على تأييد الدوائر الانتخابية المحلية. وبهذه الطريقة فإن التعددية الاوروبية تندمج عادة مع اشكال جديدة من منطلقات وطنية اخلاقية مستبدة.

وبالنسبة للولايات المتحدة فهي تحدد مصالحها الوطنية بمفاهيم اكثر استراتيجية. فالخلاف الاوروبي يؤدي الى قلق بخصوص ادارة مؤسسات جديدة مثل المحكمة الجنائية الدولية بسبب الاولوية الضئيلة التي تمنحها الولايات المتحدة للسياسة الخارجية. والولايات المتحدة قلقة بخصوص التأثير المباشر لمؤسسة ذات ميثاق غامض، واجراءات غير مستقرة، ولا ينطبق عليها نظام التوازنات والرقابة، وهو الامر الذي يمكن ان يؤثر على العديد من الاميركيين الذين يتحملون مسؤوليات دولية. ومن هنا تنتقد اجراءات المحكمة الجنائية الدولية بنفس الحماس الذي يوليه الاوروبيون للسياسة الزراعية المشتركة. والفرق في رد فعل ادارة بوش لبروتوكولات كيوتو والمحكمة الجنائية الدولية بالمقارنة لمعالجتها لسياسات ادارة كلينتون تظهر ان الضجة هي حول الاسلوب اكثر من المضمون.

لقد تم تحييد الاوروبيين عن طريق المفاوضات المتعددة بالرغم من معرفتهم ان ما يتم التفاوض عليه لن يطبق على الاطلاق. فقد اوضح مجلس الشيوخ بأغلبية 95 صوتا ضد لا شيء رفضه لاقرار برتوكول كيوتو. كما اكد الرئيس كلينتون، خلال توقيعه لمعاهدة المحكمة الجنائية الدولية، قبل ثلاثة اسابيع من انتهاء مدته، انه لا ينوي تقديم قرار الموافقة على تشكيل المحكمة الجنائية الدولية الى مجلس الشيوخ لإقراره او التوصية بأن يفعل خليفته ذلك.

وبالمثل فإن الضجة المثارة حول مفهوم الاستباق تتعلق بالاجراءات اكثر من المضمون. وقد تم بلورة تلك النظرية في اطار الاستراتيجية القومية للولايات المتحدة في سبتمبر، وهي متعلقة بأمرين: مشروعيتها المتأصلة والطريقة التي قدمت بها. لقد كانت الادارة محقة في الاشارة الى ان الصفات المميزة للنظام الدولي التقليدي تغيرت بسبب الايديولوجيات المعاصرة والتكنولوجية. ويتوقع هذا النظام ان التشريع الداخلي للولايات يبتعد عن التحديات الدولية، وبالتالي فإن التهديد الرئيسي للاستقرار الدولي هو محاولة التغيير بقوة السلاح. والاعتقادان فقدا مصداقيتهما.

ان التهديدات الارهابية تتحدى التماسك الاجتماعي، ويمكن لاسلحة الدمار الشامل ان تغير توازن القوى وتهدد بالدمار عبر التطور التكنولوجي داخل ارض الدولة ذات سيادة. وفي مثل هذه الظروف، فإن الضحايا لا يمكنهم الانتظار الى ان يطبق التهديد. ان الاستباق متأصل في تكنولوجيا وآيديولوجية النظام الدولي للقرن الواحد والعشرين. لقد أخطأت الادارة في عرض ما هو حقيقة دولية كما لو انها قضية اميركية. فلن يذعن حلفاؤنا لترك تحديد مفهوم الاستباق لحليف، مهما كان وثيقا وقويا. كما انه ليس في مصلحة الولايات المتحدة تشجيع كل دولة على تحديد مفهوم الاستباق من منطلقات قومية فقط. ولكن الحل لهذا الخلاف هو السعي لتضييق الهوة بين المضمون والاجراءات لكي نتطور معا، على الاقل مع الحلفاء الموجودين منذ فترة طويلة، بعض مبادئ الاستباق. ولكن لإنجاح هذا، من الضروري معاملة حلفائنا مثل هذا الجهد على انه يستهدف اكثر من مجرد تقييد الولايات المتحدة والنظر نظرة جدية الى الحاجة لاعادة تحديد بيئة التهديدات. وفي النهاية فإن الاستباق ليس مفهوما جديدا بقدر ما هو تطبيق لعرف معروف منذ زمن طويل في القانون الدولي: حق الدفاع عن النفس. ان الجدل يدور حول الاجراءات والقواعد لتخفيض الحد الادنى لتطبيق مثل هذا المبدأ.

وفي الوقت الذي يغير فيه التحالف تركيزه من المجال العسكري الى السياسي، ومن الدفاع عن خط تقسيم جيوبوليتكي لما يوصف في صيغ الناتو بصراعات «خارج النطاق،» يحتاج الجانبان على طرفي الاطلسي تحديد اسباب استمرار اهمية الناتو.

ويجب على الولايات المتحدة مقاومة النغمة الصارخة باعتماد السياسة الخارجية على القوة المهيمنة. فالعديد من المشاكل التي تؤثر على النظام العالمي غير قابلة للحل بالوسائل العسكرية. لقد علمنا التاريخ، ان وجود دولة قوية لا بد ان يستدعي نشوء قوة موازنة. وفي هذا المجال ـ واصمم في هذا الوقت بالذات ـ على ان الولايات المتحدة لن تستطيع حل كل مشكلة دولية وحدها بدون ارهاق نفسها نفسيا وماديا. وسنحتاج الى حلفاء، واكثر الدول مشاركة لنا في قيمنا وتاريخنا هي دول حلف الناتو. وبالرغم من ان معظم الحكمة السائدة تعترض على مفهوم صراع الحضارات، فإن هذا ما تواجهه المجتمعات الغربية من النموذج الراديكالي للاسلام.

ان التحدي الاكبر للسياسة الخارجية الاميركية هو تحويل السلطة المسيطرة الى احساس بالمسؤولية المشتركة، وهي ادارة للعمل السياسي، مثلما قال العالم الاسترالي كورال بيل، كما لو ان النظام الدولي مكون من العديد من مراكز السلطة، بالرغم من اننا على وعي بتفوقنا الاستراتيجي. وهو يعطي الانطباع بالحاجة الى أسلوب للاستشارة اقل تركيزا على بيع وصفات سياسية مباشرة اكثر من تركيزه على تحقيق تعريفات مشتركة للتهديدات والاهداف طويلة المدى.

وبنفس المقياس، يجب على اوروبا مقاومة اغراء «التميز» من اجل مصلحتها. ان انتقاد الثقافة والسياسة الاميركية كان العنصر الرئيسي للمعارضين الاوروبيين للناتو لاكثر من 50 سنة. والامر غير العادي هو ان حكومات في دول رئيسية لا تبذل الجهد الكافي لمواجهة تلك الموجة بل انها تثيرها احيانا. ان التحالف في حاجة الى إعلان واضح لما يقصده بالسياسة الخارجية «الاوروبية» واخرى موجهة الى تحييد جماعات الضغط المحلية. ويجب السماح لأوروبا بهامش للخلاف مع شركائها. ولكن اذا كان التميز يحدده الخلاف من اجل الخلاف، فإن الحضارة الغربية في طريقها الى تدمير جوهرها كما فعلت في النصف الاول من القرن العشرين. ويجب على أوروبا النظر بطريقة جادة الى ان محاولات اميركا تشكيل النظام العالمي تعكس الاحساس بالمسؤولية الجماعية وليس التوجهات النفسية لزعماء معينين.

وفي هذا الاطار، فإن النقاش بين التعددية والتفردية يتخذ بعدا مختلفا. ان التعددية المجردة غير متماشية مع العلاقات الاطلسية الجديدة مثلها في ذلك مثل التفردية المجردة. فالاول يقضي على الهدف في سعيه الى اجماع عالمي عام، والثاني يقضي على الهدف بتأكيده المبالغ فيه على الشخصية الوطنية الخاصة. ولكن ناتو، يحتاج الى وجود علاقة خاصة بين هذين النموذجين المتطرفين. فيجب ان يكون قادرا على تحديد الاهداف المشتركة بدقة اكثر من الاجماع الدولي الممكن احرازه، واكثر شمولية من المصالح الوطنية للشركاء الافراد، مهما كانت قوتهم.

هل ذلك ممكن؟ أم اننا سنفترق؟ لا يمكننا معرفة الاجابة اليوم. ولكن مستقبل حضارتنا يتطلب بذل الجهد للعثور على ذلك.