الصوت الحقيقي للإسلام

 

 

الملك عبد الله الثاني          واشنطن بوست

 

 

شهد الاسبوع الحالي انتهاء شهر رمضان المقدس، حيث يقضي المسلمون في مختلف انحاء العالم وقتا في تأمل قيم ديننا: الحنو والمودة، واحترام الآخرين. وهذه امثلة عليا جوهرية في الاسلام، الدين الذي أدت واجباته عائلتي، الهاشميون، احفاد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) خلال اربعين جيلا. ويدعونا ديننا الى العيش والعمل من اجل العدالة وتعزيز التسامح. وفي كل يوم نتقاسم نعمة الله: السلام عليكم.

هذا هو الصوت الحقيقي للاسلام، ولكنه ليس الصوت الذي يسمعه الاميركيون دائما. فبدلا من ذلك يسمعون الكراهية التي تبثها جماعات تدعى خطأ الأصوليين الاسلاميين. انهم مستبدون دينيون يصطفون في طابور طويل من المتطرفين من مختلف الأديان ممن يسعون الى السلطة عبر الترهيب والعنف وسفك الدماء.

ويرفض المتطرفون بشدة، الاعتدال والانفتاح الأصيل للاسلام، وهي سمات جعلت من العالم الاسلامي موطنا تاريخيا للتنوع والمعرفة. ولا يشكل عنفهم «الجهاد» او الحرب المقدسة. فالنبي محمد يخبرنا ان الحرب المقدسة «الأعظم» ليست ضد الآخرين أبدا وانما ضد اخفاقات ونواقص المرء ذاته، اي «الحرب ضد النفس» وفضلا عن ذلك ففي خطبة شهيرة يأمر اول الخلفاء الراشدين، ابو بكر الصديق، الجنود المسلمين ان «لا تخونوا، ولا تخدعوا ولا تضربوا ولا تشوهوا، ولا تقتلوا طفلا او امرأة او شيخا... ولا تحرقوا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة... واذا ما صادفتم اناسا كرسوا حياتهم لـ(الكنيسة المسيحية) اتركوهم وشأنهم».

وهذه الكلمات هي جزء من التربية الدينية الأساسية التي يتلقاها اطفال المدارس العرب والمسلمون. واعرف هذا لأنني كنت واحدا منهم. ولهذا فعندما يستهدف ارهابيو الوقت الحالي الناس الابرياء، فانهم يقدمون دليلا مباشرا على برنامجهم الحقيقي: قضايا السلطة وليس الدين. والحقيقة انه قبل وقت طويل من بدء من يسمون بالارهابيين المسلمين مهاجمة الغرب، كانوا يستهدفون رفاقهم المسلمين. وكان الهدف اسكات المعارضة وازالة اسلام السلام والحوار. انني احمل اسم جدي الكبير، عبد الله الأول الذي اغتاله احد المتطرفين. وفي الهجوم نفسه اصيب والدي، وكان في الخامسة عشرة برصاصة. وقد نجا الملك حسين من الحادث ليصبح صانعا عظيما للسلام. وكان يؤمن على الدوام بأن الزعيم الحقيقي يقف ضد قوى التدمير.

وبين مسلمي العالم البالغ عددهم 1.2 مليار شخص يشكل المتطرفون اقلية بالطبع. ولعقود عدة اعتقد كثير من المسلمين انه بسبب عدم وجود علاقة لهم مع هذه الجماعة الاجرامية المتطرفة، فان بوسعهم تجاهلها. غير ان الحادي عشر من سبتمبر (ايلول) 2001 غير ذلك النمط من التفكير. ان فكرة امكانية استثمار اي شخص ديننا لجواز قتل الابرياء أثارت غضب المسلمين في كل مكان. وحسب معلوماتي فان كل بلد اسلامي، وكل مركز للبحث الاسلامي، وكل منظمة اسلامية كبيرة في الولايات المتحدة، أدانوا هجمات الحادي عشر في سبتمبر بشكل مطلق. وقد فعلوا ذلك ليس انطلاقا من الاحكام الدبلوماسية وليس خشية من الولايات المتحدة، وانما لأن ديننا يقضي بذلك.

غير انه يجب علينا ان نفعل ما هو اكثر من اجل ان نجعل الصوت الحقيقي للاسلام مسموعا. ويتعين على المسلمين في الوقت الحالي ان يعبروا بجرأة، دفاعا عن اسلام فعال معتدل، اسلام يتمسك بحرمة وقدسية الحياة البشرية، ويتوجه الى من يعانون من الاضطهاد، ويحترم الرجال والنساء على حد سواء، ويؤكد على ألفة ومودة جميع البشر. هذا هو الاسلام الحقيقي للنبي، والاسلام الذي يسعى الارهابيون الى تدميره.

ولكن هذا ليس تحديا أمام المسلمين وحدهم. فجميع الأديان تعاني من عنف وتطرف قلة من الافراد. وحتى عندما نبدأ القرن الحادي والعشرين ـ عصر التغير العالمي وتفجر المعلومات ـ يستغل اسم الله لتشجيع الانقسامات وتبرير النزاعات. وتصبح الاختلافات بين الأديان اختلافات بين الناس، وكل من لديهم معاناة.

ومعاً نتقاسم المسؤولية لمنع إساءة استخدام الدين من قبل اولئك الذين يريدون تقسيمنا. وأمامنا واجب خاص لمقارعة الظلم الذي غالبا ما يستغله المتطرفون. وتعتبر مساعدتنا اكثر الحاحا في الأرض المقدسة، حيث الفلسطينيون والاسرائيليون يطالبون على حد سواء، بالسلام والاستقرار والأمن. ومعاً يجب علينا ان نحث زعماءهم على سماع اصوات العقل والسلام، وانهاء الاضطهاد والاحتلال، وايقاف العنف وخلق مستقبل مفعم بالأمل.

وكان ابي وجدي الاكبر يعتقدان أن حلا سياسيا سلميا للنزاع العربي ـ الاسرائيلي سيكون عاملا اساسيا في الحاق الهزيمة بالتطرف وبناء عالم من التوافق والسلام المتبادل.

وتظهر الأحداث انهما كانا على حق. ان ما تمس الحاجة اليه الآن واضح لكل الأطراف: دولة فلسطينية مستقلة بالكامل، واسرائيل متكاملة في السلام والأمن مع جيرانها العرب. وهذا هو السبب الذي جعل الأردن يدعم بقوة، مبادرة السلام العربية التي اقرتها قمة بيروت في مارس (آذار) الماضي، والتي قضت بتعهد جميع الدول العربية باتفاق سلام مع اسرائيل، واقامة دولة فلسطينية والتوصل الى ضمانات امنية جماعية وحل متفق عليه لمشكلة اللاجئين. ويعمل الأردن ايضا مع الولايات المتحدة وروسيا واوروبا والامم المتحدة لاعداد خريطة طريق وجدول زمني لنهاية معززة دائمة للنزاع.

انها لحقيقة مروعة بالنسبة لكثير من الناس ان تصبح الأرض المقدسة رمزا للتطرف والظلم بدلا من السلام على الأرض. ولكننا نحن مواطني الارض وزعماءها، أمام فرصة لتحدي الكراهية والحاق الهزيمة بالارهاب. وفي قيامنا بهذا الفعل، يمكننا ان نساعد هذه المنطقة المهمة جدا بالنسبة لجميع ادياننا على ان تسير في الطريق نحو مستقبل افضل للعالم بأسره.