الهدف هو الديمقراطية الإسلامية

 

 

 

بقلم رتشارد هاس                       هيرالد تربيون

                مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية

 

          رسم تقرير التنمية البشرية العربية، الذي وضع لصالح برنامج الأمم المتحدة للتنمية والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، صورة عالم عربي متخلف عن المناطق الأخرى في مجالات الحرية الفردية، وتمكين النساء، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

          وأشار التقرير إلى توجهات مقلقة، كتضخم في عدد الشباب يرافقه بطالة بين الشباب تصل إلى حوالى أربعين في المئة في بعض الأماكن، مما ينذر بظهور أوضاع اجتماعية تحمل في طياتها احتمال التفجر. 

 

          ويواجه العالم العربي مشاكل خطيرة لا يمكن معالجتها إلا من خلال أنظمة سياسية أكثر ديمقراطية ومرونة.

 

          ولا يستطيع المسلمون الإنحاء باللائمة على الولايات المتحدة لافتقارهم إلى الديمقراطية.

 

          ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة تلعب دوراً كبيراً على المسرح الدولي، وقد اتصفت جهودها للتشجيع على الديمقراطية عبر العالم الإسلامي أحياناً بالتعثر وعدم الاكتمال. ولم تعط الحكومات الأميركية المتعاقبة، الديمقراطية والجمهورية على حد سواء، إقامة الديمقراطية أولوية كافية في (سياساتها في) الكثير من أنحاء العالم الإسلامي، وخاصة في العالم العربي.

 

          وقد تجنبت الولايات المتحدة في بعض الأحيان تمحيص التشكيلة الداخلية وطريقة عملها في بعض البلدان بغية ضمان تدفق ثابت للبترول، أو احتواء التوسع السوفياتي والعراقي والإيراني، أو معالجة مشاكل متعلقة بالنزاع العربي-الإسرائيلي، أو مقاومة الشيوعية في منطقة شرق آسيا أو ضمان الحصول على حقوق بإقامة قواعد للقوات المسلحة الأميركية. 

 

          وقد فاتتنا، نتيجة إخفاقنا في تعزيز سبل الديمقراطية تدريجاً في الكثير من علاقاتنا المهمة-عبر خلق ما يمكن وصفه بـ "الاستثناء الديمقراطي"-فرصة لمساعدة هذه الدول على أن تصبح أكثر استقراراً، وأكثر ازدهاراً، وأكثر هدوءا، وأكثر قدرة على التكيف مع ضغوط عالم يتجه نحو العولمة.

 

          وليس من مصلحة الولايات المتحدة، أو المسلمين، أن تُواصل أميركا هذا الاستثناء. وستصبح السياسة الأميركية أكثر نشاطاً من أي وقت مضى في تعاطيها في دعم التوجهات الديمقراطية في العالم الإسلامي. 

 

          وسوف نقوم بهذا ونحن مدركون تمام الإدراك لحقيقة كون الديمقراطيات غير كاملة بل تعاني من بعض العيوب والشوائب. وهي (أي الديمقراطيات، أنظمة) معقدة. ويقارن زعماء بعض الدول الإسلامية بين الأنظمة الديمقراطية وأنظمتهم الأكثر نظامية، ويشيرون بارتياح إلى الاستقرار الظاهري الذي توفره تلك الأنظمة. إلا أن الاستقرار المرتكز إلى السلطة وحدها خادع ويستحيل في نهاية الأمر الإبقاء عليه. وقد شاهدنا في إيران ورومانيا ولايبيريا، ما يحدث عند انفجار وعاء الضغط. ذلك أنه لا يمكن للأنظمة الفاشستية القاسية غير المرنة تحمل صدمات التغير الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، وخاصة تلك التغيرات من النوع الذي يميز العالم الحديث أو التي تحدث بالسرعة التي تميز العالم الحديث.

 

          ورغم ذلك، وأثناء إعطائنا إقامة الديمقراطية أولوية أكبر في تعاملنا مع العالم الإسلامي، علينا أن نمتثل كالأطباء أولاً وفوق أي شيء آخر ليمين أبقراط ولا نسبب أذى. فالحماسة المفرطة لتحسين العالم يمكن أن يجعله أسوأ.

 

          وينبغي على الولايات المتحدة أن تقوم بهذه المهمة بتواضع، وإدراك بان المخاطر بالنسبة للآخرين تفوق المخاطر بالنسبة لنا. وينبغي علينا، أثناء تحرك الدول والشعوب المسلمة نحو مزيد من التنمية الديمقراطية المنفتحة، ألا نقوم بتشجيعها ومساعدتها فقط، بل سيكون علينا أن نصغي إلى أولئك الأكثر تأثراً.

 

          وليست هناك أي أجندة سرية. فسبب ترويج أميركا لإقامة الديمقراطية في العالم الإسلامي نابع من روح الإيثار عندها، كما أنه يخدم مصلحتها الخاصة في نفس الوقت. إن مزيداً من الديمقراطية في الدول التي يشكل المسلمون غالبية سكانها أمر حميد للشعب الذي يعيش فيها. ولكنه أمر حميد لأميركا أيضاً.

 

          ذلك أن الدول التي تعاني من الركود الاقتصادي وعدم توفر الفرص ومن الأنظمة السياسية المنغلقة وعدد السكان المتزايد بسرعة تعزز من عزلة مواطنيها وشعورهم بالانسلاخ. وكما تعلمنا من درسنا القاسي، من الممكن أن تشكل مثل هذه المجتمعات مرتعا خصبا للمتطرفين والإرهابيين الذين يستهدفون أميركا لدعمها الأنظمة التي يعيشون في ظلها.

 

          وبنفس الأهمية، إن اتساع  الهوة بين الكثير من الأنظمة المسلمة وبين مواطنيها يحمل في طياته إمكانية تعريض قدرة تلك الحكومات على التعاون في قضايا ذات أهمية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة للخطر. وسوف تؤدي هذه الضغوط الداخلية بشكل متزايد إلى الحد من قدرة الكثير من الأنظمة في العالم الإسلامي على تقديم المساعدة للجهود الأميركية لمحاربة الإرهاب أو وقف انتشار أسلحة الدمار الشامل، بل وحتى قبولها.

 

          إن أميركا ستساند العمليات الديمقراطية حتى لو كان أولئك الذين يتمكنون (من السلطة نتيجة لذلك) لا يختارون سياسات تروق لنا.

 

          ولكن علاقات الولايات المتحدة مع الحكومات، حتى لو تم انتخابها بشكل نزيه، ستتوقف على كيفية معاملتها لشعوبها وكيفية سلوكها على الساحة الدولية في ما يتعلق بقضايا تتراوح ما بين الإرهاب والتجارة وما بين حظر انتشار الأسلحة وحتى المخدرات.

 

          وسوف تعمل الولايات المتحدة بنشاط أكثر من أي وقت مضى لتشجيع الديمقراطية ضمن شراكة مع الشعوب والحكومات المسلمة.