افرايم هليفي رئيس الموساد السابق ورئيس مجلس
الامن القومي الاسرائيلي" امام مؤتمر هرتسليا يقول :
فيما يلي مقتطفات من خطاب افرايم هليفي رئيس
جهاز "الموساد" السابق ورئيس "مجلس الامن القومي الاسرائيلي"
امام مؤتمر هرتسليا حول "الحصانة القومية الاسرائيلية". فتحت العنوان
العام جدا "ميزان الامن القومي اشار هليفي الى سلم الاولويات لدولة اسرائيل
على الاقل للعام القادم ومن المؤكد لاكثر من ذلك.
هليفي - كرجل الموساد وكرجل وزارة الخارجية
وبمنصبه الحالي - يحتل مكانا مركزيا في القائمة القصيرة التي تضم استراتيجيين
سياسيين - امنيين في اسرائيل. وهكذا افتتح مؤتمر هرتسليا الثالث بمقولة ان ما حدث
في مومباسا اذا ما نظرنا للنوايا وليس للنتائج هو عملية عملاقة وهكذا يستوجب تغيير
قواعد اللعبة. وحتى اذا بقي ضبابيا في ما يتعلق برد الفعل المطلوب فلا شك ان هليفي
يتحدث عن بداية مسار يفترض ان يعد الرأي العام الاسرائيلي لتلك التغييرات وما
سينجم عنها.
وفي المحاضرة التي القاها وهي احدى اهم ما
طرح في مؤتمر هرتسليا في اليومين الماضيين لم يحدد هليفي فقط المواضيع الجديدة
باهتمام جماهيري وانما حدد الاهداف المطلوبة. وقد فعل ذلك ايضا في خطابين سابقين
له: في مؤتمر هرتسليا العام الماضي عندما تحدث عن المؤشرات الاولى للانفتاح في
ايران وفي المرة الثانية - في مؤتمر عقد بمركز الدراسات الاستراتيجية
"بسا" في جامعة بار ايلان عندما تطرق الى النقص في الاستخبارات البشرية
في الغرب عموما وفي اسرائيل خاصة في اعقاب هجوم 11 ايلول.
محاضرة هليفي التي تتحدث عن ارتقاء في
الارهاب اثارت اهتماما كبيرا بما في ذلك في السفارات والملحقيات العسكرية في
اسرائيل، فمحطة الـ "سي.ان.ان" مثلا خصصت لها نشرة خاصة. وفيما يلي اهم
ما ورد في المحاضرة مع الاختصارات اللازمة!
حول الحصانة السياسية
"اسرائيل نظام الحكم الاكثر ذكاء في
المنطقة"
هذا المؤتمر تم التخطيط له مثل سابقيه في
ظروف من عدم اليقين ولم يكن احد من المخططين ليخمن كيف سيكون واقعنا في عيد
الحانوكا عام 2002، وبالتأكيد لم يكن بامكاني ان افكر ان اسرائيل ستجد نفسها في
هذه الاسابيع وسط صباغة اربع دوائر مهمة نعيش فيها.
ففي الساحة الداخلية تدور معركة انتخابية حلت
على الدولة بشكل مفاجىء ودون تخطيط او نوايا مسبقة: فخلال الحرب ضد الارهاب
العالمي مرت ايام معدودة فقط منذ المحاولة الفاشلة لاسقاط طائرة فيها مئات الركاب.
هذا الحدث هو بمثابة ارتقاء درجة كبيرة وذات مغزى ومن المحظور تجاهلها. ففي
المعركة ضد التهديد العالمي لسلاح الدمار الشامل يتراجع العد للوراء مقابل العراق
بقيادة صدام حسين. وتوجد ايضا دائرة رابعة تتجسد في مسارات عميقة تحدث في المجتمع
والسلطة الفلسطينية وهي مسارات ربما تشير الى بداية امل الاستيقاظ من كابوس
الانتحار الشخصي والوطني للجمهور الفلسطيني.
دائرتان في المجال الدولي ودائرتان في المجال
المحلي والاقليمي وهي اربع دوائر تصطدم او تنفصل تباعا فيما تتصل بنا وتؤثر على
حياتنا اليومية وحياتنا القومية بعيدة المدى.
وفي مثل هذا الوقت فان استعراض ميزان الامن
القومي ليس حدثا دوريا يمكن تنفيذه بصورة محسوبة ومنظمة في فترات زمنية مضغوطة -
مرة كل عام او عامين بل يجب علينا ان ننشغل بميزان الامن القومي كمسار متواصل
ومتدحرج ومحاولة فحصه كلما وقعت احداث تغير المشهد الداخلي او الخارجي على المستوى
الاستراتيجي. هذه مهمة صعبة جدا تستوجب قوى بشرية مؤهلة ذات مستوى عال وشروط اصغاء
من قبل المستويات السياسية. لقد كتب وقيل الكثير عن مكونات الحصانة القومية.
وساعرض زاوية خاصة شخصية من قبلي، لقد شغلت منصب رئيس الموساد اربع سنوات ونصف
السنة- تحت لواء ثلاثة رؤساء حكومات واربعة وزراء دفاع. وطوال تلك الفترة وجد
تواصل سلطوي وكان يمكن اتخاذ قرارات وتنفيذ انشطة لكل اذرع الامن دون أي اشكال او
كابح. ولم يحدث للحظة ان انقطعت قنوات الاتصال والاصغاء بين اسرائيل والعالم
الخارجي بمختلف مستوياته ووجهات نظره.
قدرة اسرائيل على تنمية والحفاظ على استقرار
سلطوي هي ثروة قومية من الدرجة الاولى ولكن له ايضا مغزى دولي. والمقولة السائدة
بان اسرائيل هي احدى الدول الديمقراطية القليلة في الشرق الاوسط تتغير بمقولة ان
لاسرائيل نظام حكم هو الاكثر استقرارا وذكاء في المنطقة.
وامام قدرة اسرائيل وحكوماتها على تعاقبها
لبناء واقامة نظاما سلطويا موثوقا وفاعلا في مجال الامن يلاحظ اننا لم ننجح في
اقامة نظاما مدنيا موازيا يواجه مشاكل الاقتصاد والمجتمع بنجاح مماثل.
قدرة الحكومات والقادة على ان يواجهوا
ويعالجوا في نفس الوقت ازمات متنوعة جدا من الخارج والداخل ليست مطلقة وفي ظل هذه
الظروف فان الازمة الاقتصادية الحالية في مجال البطالة حاسمة لانها ايضا تلامس
مجال الامن القومي.
حول محاولة المس بالطائرة
"الرأي العام سيفهم تغير قواعد
اللعبة"
ومن هنا الى الحدث في مومباسا ومكانته في
المعركة ضد الارهاب العالمي. برؤية قومية من الصحيح النظر اليه وكأنه انتهى بكارثة
حقيقية وفحص الواقع الجديد حسب هذا المعطى. ان تجسد عملية عملاقة ضد اسرائيل بايدي
الجهاد العالمي او منظمة ارهابية اخرى أي كانت يغير قواعد اللعبة.. يغير المزاج
القومي ويخلق ديناميكية دولية تفتح خيارات كانت حتى الان غير مقبولة لدى الرأي
العام، عملية عملاقة على غرار الهجوم على البرجين التوأم في نيويورك والبنتاغون في
واشنطن خلقت سلسلة ردود فعل سواء داخل الولايات المتحدة او في مجال آداء الولايات
المتحدة. وخلال اقل من عام عملت الولايات المتحدة في افغانستان وانطلقت الى حرب
شعواء ضد قوات الطالبان والقاعدة وبموازاة ذلك شرعت بخطوات ضد العراق نعيش ذروتها
في الشهرين الاخيرين.
لقد تم تغيير قوانين: اقيمت محاكم خاصة، وهذا
الاسبوع وقع الرئيس بوش على وثيقة اقامة وزارة الامن الداخلي التي سيعمل فيها اكثر
من 150 الف موظف.
ان من ينشغل في هذه الاسابيع بمحاولة اعادة
النظر في ميزان الامن القومي لاسرائيل يجب ان يفترض كافتراض عمل انه بوقوع عملية
عملاقة ضخمة ستتغير فورا سلسلة طويلة من قواعد الاداء والسلوك. ماهية التهديد الذي
يتحقق هي ماهية ابادة شعب - ابادة دولة وتقويض اسسها.
وامام تهديد كهذا توجد لاسرائيل شبكة واسعة
ومتنوعة في القدرات من الافضل عدم كشفها قبل اوانها.
ويمكن الافتراض ان الرأي العام الدولي سيفهم
ويقبل ويستوعب تغيير قواعد اللعبة ومجالات العمل.
حول الولايات المتحدة
"لاسرائيل مصلحة عليا بانتصار الولايات
المتحدة في المعركة".
تشير توجهات الولايات المتحدة الى ترأسها
مجهودات دولية للحفاظ على القيم الاسياسية للدول المتطلعة للحرية، والديمقراطية في
العالم، وفي هذا المجال وكما تنطلق لمواجهة نظام صدام حسين، تسعى الولايات المتحدة
الى دفع الدول الاسلامية الى مواجهة التطرف والاصولية الاسلامية فيها.
الان لاسرائيل مصلحة عليا في انتصار الولايات
المتحدة بالمعركة - مصلحة لا ترتكز فقط على رغبتها بانقاذ العالم، بل ولديها مصالح
ذاتية، لكونها تقع في قلب المنطقة التي يدور فيها الصراع ضد الارهاب الاسلامي -
فان قدرات ورغبات الولايات المتحدة تتحول الى عناصر في ميزان الامن القومي
الاسرائيلي.
لم يوجد في أية فترة سابقة تماثل كهذا في
الاهداف الاسرائيلية والاميركية، ولم يتواجد في اسرائيل في أية فترة سابقة دراسة
سياستها الدولية مبدية اهتماما كبيرا باحتياجات الولايات المتحدة ومصالحها.
اذا نجحت سياسة الولايات المتحدة، كما يأمل
كثيرون منا ستطرأ تغيرات كبيرة على الشرق الاوسط. دولتان من الدول الثلاث التي
حددها الرئيس الاميركي كمحور للشر والعراق وايران - ليس فقط توجدان في المنطقة، بل
وتنتجان اسلحة دمار شامل موجهة ضد اسرائيل.
حول دول اوروبا
______________
"لا توجد لاسرائيل اسباب تدعوها للتذمر
من مساعدتها".
اعتدنا طوال عشرات السنين التعامل مع الاتحاد
السوفياتي كمؤيد رئيسي لاعدائنا. حاربنا خلال ثلاثة حروب دامية ضد اسلحة سوفياتية
بالجو والبحر والبر. أيد الاتحاد السوفياتي اعداءنا العرب بصورة مكثفة عسكريا
وسياسيا واقتصاديا عبر اجيال.
تختلف الصورة اليوم اذ ما زالت روسيا تتدخل
بالشرق الاوسط، وما زالت وعلى سبيل المثال تقدم مساعدات عسكرية لسوريا وما زالت
تتدخل بالعراق وبما يدور هناك، ولم تتوقف عن تقديم مساعدات لايران في مجال الاسلحة
غير التقليدية. لكنها قطعت شوطا كبيرا في طريق وقوفها لجانب الولايات المتحدة
بمحاربتها للجهاد الاسلامي العالمي وبتأييدها لقرارات مجلس الامن الاخيرة التي
بفضلها اجبرت العراق على السماح بدخول مراقبي الامم المتحدة لاراضيها.
نلمس في هذه المرحلة من المعركة مجالات توجد
فيها مصالح متشابهة بين اسرائيل وروسيا وان لم تكن متماثلة، تؤدي التغيرات التي
طرأت على مواقف روسيا الى وجود مساحة عمل اسرائيلي ايجابي للتعاون الايجابي مع
روسيا في القطاعات التي يعتبر فيها هذا التعاون ممكنا ومرغوبا به والعمل على تقليص
حجم التهديدات التي تتعرض اسرائيل لها وذلك بمساعدة روسيا بمجالات مختلفة خصوصا
المجال العسكري. ان ما بدا بالماضي مجرد خيال علمي تحول اليوم الى ممكن وحقيقي
يخدم المصالح الامنية الاسرائيلية.
اما بخصوص اوروبا وتأثيرها على الميزان
العسكري الاسرائيلي فمن الجدير التمييز جيدا بين الصوت الجماعي لاوروبا وبين
السياسة العملية للدول الرئيسة في هذه القارة حيال اسرائيل. ففي الوقت الذي يوجه
فيه الصوت الجماعي انتقادات لاذعة لاسرائيل ولما تقوم به ويبدو وكأنه يؤيد بصورة
عمياء الجانب الفلسطيني فان الدول الرئيسة في اوروبا مثل بريطانيا والمانيا
واسبانيا تتصرف بصورة مغايرة ولا يوجد لاسرائيل اسباب تدعوها الى التذمر من
مساعدتها.
حول الفلسطينيين
______________
الازمة في قيادتهم قد تؤدي الى وجود قيادة
اخرى .
يحول طابع المعركة التي يخوضها الجهاد
الاسلامي - حرب دون حدود ودون قارات محددة ودون قوات نظامية، تنتهك اعراف الحروب
وقوانينها - العالم الى ساحة واحدة شاملة. يجب على كل من يسيطر على قطعة ارض اتخاذ
موقف حيال استخدام ارضه لاهداف ارهابية - ارهاب انتحاريين وارهاب جماعي، ولا تتوفر
أية امكانية لتبني مواقف وسط. اما الحيادي فليس حياديا، ومن يسمح للارهابيين
بالعمل او يقدم لهم أية مساعدة كانت، فانه مؤيد للارهاب.
بالامكان وبسبب ظروف مؤقتة وجراء افضليات عدم
معالجة جميع مساعدي الارهاب في الوقت نفسه، ومن المحتمل حصول هذه الشخصية او تلك
على "فترة استراحة" مؤقتة. لكن في النهاية ، من الواضح تماما، ان كل من
لم يوضح مواقفه الان ويدعمها عمليا، سيوهم كمساعد للارهاب وسيدفع الثمن كاملا.
الاصوات المتزايدة لدى الفلسطينيين ضد
الانتفاضة وضد استمرار العمليات الانتحارية لا يطلقها اصدقاء، اذ ان هذه اصوات
اشخاص احسنوا قراءة الخريطة السياسية والاقليمية والدولية ويتخوفون من ان يؤدي
استمرار العمليات الارهابية، الى وجود اخطار فناء للحركة الوطنية الفلسطينية.
الشخصيات الفلسطينية التي ترفع رأسها الان
سواء بتردد او بقوة وثقة بالنفس. لا يسعون للمساهمة بدعم الميزان الامني
الاسرائيلي جراء تعاطف مع الحركة الصهيونية واهدافها، بل يقولون ذلك جراء تخوف
حقيقي على مصير الفلسطينيين وجراء واقع اقليمي ودولي يتطور اليوم امام انظارهم.
دفعت اسرائيل وما زالت تدفع ثمنا غاليا بحياة
افرادها خلال الانتفاضة الدامية. يا ليت عدم حصول هذه الانتفاضة على دعم وتشجيع
رؤساء السلطة الفلسطينية، الذين لم يتوقفوا عن مدح الانتحاريين طوال ايام واشهر.
لا عزاء لنا على وفاة جميع هؤلاء الذين قتلوا
بوحشية لا مثيل لها، لكن الى جانب مشاعر الغضب والحزن من الجدير الادراك انه بعد
اكثر من عامين على هذه المسيرة التي تقشعر لها الابدان، تبرز مؤشرات وعي فلسطيني،
بان الثمن الذي دفعوه ويدفعوه بسبب اعمالهم، سيكون اعلى اذا لم يسارعوا باستبدال
توجهاتهم، هذه المؤشرات لم تنمو بقدراتها الذاتية، لكن تناول هذا الامر مسألة
متعلقة بعرض اخر.
من الجدير التسجيل في ميزان الامن القومي
الاسرائيلي في عيد الانوار الحالي، ولصالح المواقف الاسرائيلية بان هناك ازمة
عميقة تتطور داخل القيادة الفلسطينية، ازمة ربما تؤدي الى وجود قيادة اخرى، اكثر
انفتاحا وبراغماتية واكثر مدعاة للثقة.