معرفة الحقيقة اولاً قبل الذهاب إلى الحرب

 

 

 

بقلم : جيفرسون برايس                        لوس انجليس تايمز

 

 

الى اي مدى تبدو الحقيقة هامة في مواجهة اميركا للعراق؟ انها بالغة الاهمية. لكن بعض الناس، في كثير من انحاء العالم، لم يعتادوا على الحقيقة، ولا يتوقعون الحصول عليها. ان تجاربهم الحياتية تثبت ذلك. حكى لي مثقف سوري ذات مرة، مثلا غريبا، ولكنه يتناسب مع الاحداث في الشرق الاوسط. يقول المثل: «اجمل الاشياء كذبة جيدة الحبكة».

من المؤكد ان الحقيقة سلعة نادرة في هذه المنطقة. وقد توصلت من خلال تجربتي كمراسل في السبعينات والثمانينات، ان الحقيقة، ببساطة، غير موجودة. وتوصل الى النتيجة نفسها زملائي الآخرون.

الكثيرون من العرب قادرون على تشويه الحقيقة. اذكر انني عندما كنت في العراق، عام 1975، لتغطية عودة الاكراد «السعيدة» من ايران، حيث كانوا يقضون مضاجع العراقيين بمساعدة وكالة المخابرات المركزية، اصطحبنا من قرية الى قرية لكي نرى الاكراد بملابسهم الزاهية يحتفلون بعودتهم. وفجأة سمعنا لعلعلة رصاص في موقع بعيد. فطلبنا الذهاب اليه.

قال مرافقنا العسكري العراقي: هذا لا شيء، انهم يحتفلون هناك ايضا. لكن الواقع كان غير ذلك، اذ كان كل من يصل الى الحدود من الاكراد العائدين يتعرض لاطلاق النار. كان ذلك قبل تولي صدام حسين الرئاسة رسميا. فهو عندما اصبح رئيسا لم يطلق الرصاص على الاكراد، بل أمطرهم بغازات سامة.

الاسرائيليون ايضا قادرون على تشويه الحقيقة بصورة فظة ايضا. ويمكنك ان تتأمل تأكيداتهم التالية: اسرائيل لا تملك اسلحة نووية. لن يحتل الجيش الاسرائيلي بيروت مطلقا، هذا ابان الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982.

بعد مذبحة اللاجئين الفلسطينيين في معسكري صبرا وشاتيلا عام 1982، اتهم رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيغين، الذين يحملون الجيش الاسرائيلي مسؤولية المذبحة، لانه طوق المعسكرين بينما تفرغت المليشيات المسيحية لذبح المئات من الفلسطينيين، اتهمهم بانهم «يلطخون سمعة الجيش الاسرائيلي بالدم». ولكن لجنة تحقيق اسرائيلية توصلت، في ما بعد، الى ان الجيش الاسرائيلي ووزير الدفاع ارييل شارون يتحملون المسؤولية في ما حدث. في هذه الحالة الاخيرة تكشفت الحقيقة. تستدعي الذاكرة كل ذلك والمرء يطالع القطعة الادبية العظيمة التى سلمها العراق الاسبوع الماضي الى الامم المتحدة. كانت رسالة من تسع صفحات تعلن موافقة العراق المشحونة بالغبن على عودة المفتشين التابعين للامم المتحدة للبحث عن اسلحة الدمار الشامل. وقد جاء في الرسالة:

«لم يصنع العراق اسلحة دمار شامل، نووية، او كيمياوية او بيولوجية، كما يزعم بعض الاشرار».

تفيض الرسالة، كذلك، بمطالب يقدمها العراقيون تتعلق بالتوقيت وضمانات الا يكون التفتيش ملوثا «بأهواء الادارة الاميركية، ورغبات الصهاينة، واذنابهم واجهزتهم الاستخبارية».

وبمعزل عن الادعاء بان اسلحة الدمار الشامل لم تطور مطلقا في العراق، هناك اشارات في اماكن اخرى من الوثيقة، الى ان هذه الاسلحة لم تطور منذ 1998، عندما كان المفتشون بالعراق. وتمتلئ الرسالة بالتحذيرات والاقوال المأثورة على نفس القدر من روعة الاكاذيب الجميلة التي حدثني عنها المثقف السوري في دمشق قبل اعوام عدة. «لن يجدي الندم اولئك الذين يعضون بنانهم» «من الافضل ان تتلقى ركلات الثور في مكان ضيق، من ان تواجه قرونه في فضاء فسيح». «الساكت على الحق شيطان اخرس».

احب هذا القول الاخير بصورة خاصة. ليس لانني اعتقد ان صدام يؤمن به، ولكن لانني اعتقد ان على الاميركيين ان يتأملوه جيدا. فالناس في الشرق الاوسط لا يحتكرون تشويه الحقائق.

ويبدو ان رسالة صدام ستعد المسرح لكل انواع الخداع والمراوغة الدبلوماسية التي ستثير غضب الرئيس بوش. وكلما اشتعل صدر بوش بالغضب كلما كان اكثر رغبة في اشعال الحرب. وعندما يقحم اميركا في تلك الحرب، فان الاميركيين يحتاجون الى معرفة الحقيقة. يجب الا تحشى ادمغة الاميركيين بالكلام الفارغ عن الصواريخ العراقية، وعن الطائرات المقاتلة دون طيار التي تستطيع الوصول الى الولايات المتحدة من بغداد، او بالتقارير غير المثبتة عن شراكة مزعومة بين صدام حسين واسامة بن لادن. كما يجب الا تحشى ادمغة الاميركيين بالاحلام عن جلب الديمقراطية الى العراق. فهذا لم يكن سببا وجيها، ولم يكن السبب الحقيقي، لاشعال الحرب ضد فيتنام، وليس سببا وجيها وليس السبب الحقيقي لاشعال الحرب ضد العراق.

يحتاج الاميركيون ان يعلموا ما هو الخطر الحقيقي الذي يواجهونه، ويجب ان يقتنعوا ان حجم الخطر من الكبر بحيث يستحق التضحية بابن واحد او ابنة واحدة من بناتهم، دع عنك المئات والآلاف.