كل شيء يستطيع المرور

 

 

بقلم: أمير بوحبوط

                 معاريف

 

 

          "الوضع على الحدود الاسرائيلية - المصرية خطير. خطير جدا"، حذر اللواء اسحق اهارونوفيتش الذي أنهى مهام منصبه في هذه الايام كقائد للواء الجنوبي في شرطة اسرائيل وعين نائبا للمفتش العام. في العامين الاخيرين حذر وعاد وحذر، فتوجه الى كل الأطراف ذات العلاقة وطرح أمامهم كل المعطيات الصعبة حول حجم التهريبات وخطر تحول الحدود الى قناة تهريب للمخربين والوسائل القتالية. اهارونوفيتش يخشى من ان تتحول الحدود الجنوبية (التي يطلق عليها اسم "الكارثية") الى الكثير الكثير من المشاكل.

          أهارونوفيتش أوضح المشكلة مع انهاء مهام منصبه: "أنا احاول منذ مدة طويلة ان أوضح المشاكل على الحدود وأعرض السهولة التي يتم فيها التسلل لاسرائيل. احيانا أشعر ان أحدا لا يفهم عن ماذا أتكلم، هذه مصيبة حقيقية. يهربون المومسات والعمال الاجانب وهناك خشية من انهم يهربون امورا اخرى ايضا، لذا يتوجب مكافحة المسألة وبسرعة".

          خوف اهارونوفيتش من تهريب امور اخرى كما قال تحقق، فقد تسللت خليتان من مصر الى اسرائيل. الحدث الاول كان في نهاية شهر شباط عندما قام ثلاثة مخربين بالتسلل لاسرائيل في قطاع جبل حريف. قوة من جنود جيش الدفاع قامت بالقضاء عليهم بعد مطاردتهم. وفي الشهر الماضي تحقق السيناريو جزئيا. مخربان تسللا من غزة وسافرا على طول الحدود لينجحا في التسلل الى كيبوتس يبول في رمات هنيغف، الا ان قوة اسرائيلية قضت عليهما قبل ان ينجحا في المس بالناس.

          الشرطة بعد هذا الحادث سارعت الى احياء خطط الحراسة وتطويرها، بل وقامت بتمارين حراسة وحملات تفتيش. ولكن قيادة الشرطة تدرك ان هذا ليس كافيا، وان الخوف آخذ في التزايد. في الشرطة يتحدثون عن 50 عامل أجنبي استطاعوا اجتياز الحدود الاسرائيلية المصرية خلال الاسابيع الاخيرة، وهذا كان برهانا حقيقيا على جرأة المهربين الذين يستطيعون الدخول لاسرائيل بدون عراقيل والقيام بكل ما يحلو لهم.

          الجيش والشرطة من ناحيتهما يعتبران القدرة على التسلل لاسرائيل تهديدا استراتيجيا على الدولة بسبب الخوف من تسلل المخربين. الجهات الامنية قررت نزع القفازات في حربها ضد المهربين، الا انهم يعرفون ان المهمة ليست سهلة.

          تهريب العمال الاجانب عن طريق الحدود الجنوبية بدأ بعد ان شددت الشرطة من رقابتها على الموانىء والمطارات ومنعت يوميا تهريب عشرات العمال الاجانب بصورة غير شرعية. من الناحية الاخرى تقوم شركات القوى العاملة المتعطشة للمال باتباع طرق ملتوية للتهريب، اذ قامت مؤخرا باجراء اتصالات مع شبكة تجار بائعات الهوى من اجل جلب العمال لاسرائيل بنفس الطريقة. الطريقة بسيطة: عناصر الشبكة ينشرون اعلانات في الصحف في الخارج معلنين عن وظائف جذابة وبأجور عالية في اسرائيل. العامل يطالب بدفع 3500 دولار مقابل النقل والمرور. الحدود المصرية هي جزء من شبكة التهريب هذه.

          أحد ضباط الاستخبارات الكبار الذي يعرف الحدود هناك قال ان البدو هم الذين كانوا يدخلون عن طريق تلك الحدود لزيارة أقاربهم. بعد ذلك شمل المتاجرة بالحيوانات والأغذية. وعندما ازداد الطلب على المخدرات بسبب اغلاق الحدود الشمالية ازدادت كمية المخدرات المهربة للبلاد من مصر. واليوم نتحدث عن أطنان من الماريغوانا والحشيش. المهربون ذاقوا الثمار فبدأوا يهربون بائعات الهوى، وهذا ليس بالامر الجديد. ولكن في السنة الاخيرة اكتشفنا ان هناك جمال قد هربت لاسرائيل بهذه الطريقة البسيطة ايضا. كل جمل يوفر لصاحبه أرباحا بمئات الدولارات بسبب الفرق في السعر بين مصر واسرائيل.

          الصرعة الرائجة اليوم هي تهريب العمال الاجانب، العمال الذين ضبطوا قالوا خلال التحقيق معهم بأنهم قد استجابوا لاعلان التوظيف الذي نشر في بلادهم. وبعد ان دفعوا المال صعدوا على متن طائرة متوجهة الى القاهرة حيث التقاهم شخص هناك ليقودهم الى شرم الشيخ. ومن ثم يقوم بدو من سيناء باقتيادهم الى الحدود على متن الجمال أو السيارات أو حتى مشيا على الأقدام. والتقدير هو ان هناك تعاون بين المهربين والشرطة المصرية. في الجانب الاسرائيلي من الحدود ينتظرهم مرافقون يتولون نقلهم بسيارات اسرائيلية الى الاماكن المخصصة. المرافقون يعرفون كيف يقصرون المسافة من المناطق العسكرية الحدودية وصولا الى الشوارع الرئيسية في البلاد. وبعد ساعات قلائل يبتلع العمال المهربون في صفوف العمال الاجانب القدامى.

          هذا التقدير تعزز قبل سنة عندما اكتشفت جثة شرطي مصري في الجانب الاسرائيلي من الحدود. التقدير كان ان هذا الشرطي جاء لأخذ الرشوة مقابل المساعدة في التهريب فدهسته شاحنة بالصدفة بينما فر رفاقه. وقامت اسرائيل باعادة جثمانه الى مصر.

          "من لديه مال يستطيع ان يصل الى اسرائيل، ولا فرق اذا كان في السادسة عشرة من عمره أو في الخامسة والاربعين، لا مشكلة. إدفع تصل" يقول ضابط مخابرات. العمال يأتون من اثيوبيا والسودان وجورجيا وكردستان والهند وتركيا ودول رابطة الشعوب. قبل عدة اشهر ضبطت مجموعة فتيات ومعها رجال من مولدافيا. أحدهم قال انه عمل في البلاد كعامل بناء، ومن ثم ضبط وأُبعد. فقرر العودة ولكن عن طريق الحدود المصرية وبرفقة ابنه. لا مشكلة في تهريب الناس والبضائع وذلك لعدم وجود جدار ناجع، ولا يوجد عدد كافي من الجنود المنتشرين على مئات الكيلومترات.

          التسلل عن طريق هذه الحدود يتطلب فقط قدرة جسدية، واذا ضبط الواحد فلا ضير عليه. فاسرائيل تتعامل مع هذه الحدود بهذه الطريقة لانها حدود سلام. أحد قصاصي الأثر في الجيش الاسرائيلي يقول ان معاملة الشرطة المصرية لهم غير جيدة وانهم قد صوبوا السلاح نحوهم مرات عديدة. كما انهم لا يقومون بمنع المهربين والمتسللين، وهم لا يطلقون النار عليهم الا اذا قاموا بتهريب السلام. "هذه الأوامر المعطاة لهم" يقول القصاص. "يتوجب ان نذكر ان من المطلوب من شرطيين مصريين يتلقيان أجرا ضئيلا بأن يحرسا عشرات الكيلومترات الحدودية ومشيا على الأقدام. اذا لماذا لا يشيحون بأنظارهم نحو المهربين المستعدين لان يدفعوا لهم؟" يقول القصاص البدوي.

          في جيش الدفاع والشرطة يدركون حجم المشكلة جيدا. خوفهم يتركز حول استغلال منظمات ارهابية لشبكة التهريب لادخال المخربين لاسرائيل خصوصا للمستوطنات القريبة من الحدود. في شهر آذار من هذه السنة أنشأت هيئة الاركان العامة قيادة برئاسة العميد شموئيل زكاي لمعالجة المشاكل الحدودية مع مصر والاردن. زكاي يشرف من خلال هذه الهيئة الجديدة على عمل قوات عسكرية خاصة ورجال شرطة مع شبكة استخبارية ووسائل تكنولوجية مختلفة. وفي الاشهر القريبة ستنضم للمهمة سرايا قتالية تابعة لحرس الحدود.

          جيش الدفاع ليس وحده في هذه المعركة، والعميد زكاي التقى في الاسبوع الاخير مع قائد اللواء الجنوبي موشيه كرادي مستعرضا أمامه ما يحدث على الحدود. والاثنان اتفقا على التعاون الوثيق بينهما، والاعتقاد هو ان قوات حرس الحدود التي ستلتحق بالمكان ستسهم في العمل من خلال الخبرة التي راكمتها خلال وجودها في غزة.

          في الشرطة يعترفون في الغرف المغلقة ان المهربين على الحدود المصرية هم بالأساس بدو اسرائيليون. وثيقة استخبارية كشفت النقاب عن ان البدو الاسرائيليين يستغلون علاقاتهم مع الأقارب في الجانب المصري. والاعتقاد هو ان امكانية الحد من الظاهرة ستتسنى فقط اذا أقيم جدار حدودي مدعم تكنولوجيا وبشريا. المصور دودو غرينشفين أراد التحقق من المسألة فسار في طريقه للبحث عن ثغرات ليجد نفسه فجأة في الجانب المصري من الحدود.