حاجبا كولن باول
توماس فريدمان
هذا العمود يتعلق
بتباعد السياسة الخارجية عن الانتخابات. لكن أولاً اسرد القصة. كنت مؤخراً أقوم باجراء مقابلة مع احد كبار الدبلوماسيين الاوروبيين
عندما بدأ يشكو من عدم توازن سياسة فريق الرئيس الاميركي
جورج بوش تجاه الشرق الاوسط والتي تتعلق بذكر الحقيقة
للفلسطينيين ـ بأنهم يحتاجون الى زعيم جديد ـ وعدم
ذكرها للاسرائيليين بأنهم يحتاجون لتأمين طريقة للخروج
من المستوطنات. وقد صار الدبلوماسي الاوروبي أشد حماساً
مما دفعني الى سؤاله «بماذا
يرد كولن باول حينما تقول له
ذلك؟». فقام الدبلوماسي بتقليد باول عندما يرفع حاجبيه
وكأنه يقول «انت تعلم ما أومن به وتعلم انني لا استطيع أن افعل اي شيء بصدده مع المجانين في هذه الادارة».
لقد ظللت افكر كثيراً عن حاجبي كولن
باول خلال الاسبوع الماضي. دعنا نقول بنوع من الفظاظة: إن الحزب الديمقراطي لم يعد قوة
ذات تأثير في تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة الا
اذا أقدم على تغيير كبير. وهذا ليس وضعاً صحيّاً. فلا
يمكن أن تكون هناك سياسة خارجية من دون ان تكون لك
معارضة داخلية ذكية تحافظ على الشرف. ولغياب تأثير الحزب الديمقراطي فإن الحزب
المعارض الحقيقي في مجال السياسة الخارجية هو «ديمقراطيو الامر
الواقع»: كولن باول وجون ماكين ورئيس الوزراء البريطاني توني
بلير. هؤلاء يمثلون الاصوات
الوحيدة التي اذا ارتفعت معترضة على اي مبادرة في مجال السياسة الخارجية لادارة
بوش يمكن ان تكبح اندفاع الرئيس وتؤثر في تغيير رأي
الجمهور.
إن مما اظهرته
الانتخابات الاخيرة لنا هو الجرح العميق الذي حفرته
هشاشة 11 سبتمبر على الروح الاميركية.
قال ديفيد ماكوفسكي
من معهد واشنطن «بينما فشل الديمقراطيون في أن يأتوا بتشكيلة واسعة من السياسات
المختلفة عن سياسات الرئيس بوش فإن فشلهم الاساسي كان
في عدم قدرتهم على اقناع الاميركيين
ـ في قرارة أنفسهم ـ بأنهم مهيأون
للوصول الى تسوية مع العالم كما هو عليه الآن». وذلك
عالم مليء بالارهابيين وبالدول الحمراء التي تكرس نفسها
لتحطيمنا غير مستجيبة لعلاج أو لعمل اجتماعي. وما تقفز عليه متشددو
بوش هو ان العديدين هنا وفي الخارج لا يؤمنون بأن هؤلاء
المتشددين لا يهتمون بأن يكون العالم مكانا مختلفاً أو ان
لهم اي خيال أو الهام يساعدهم في القيام بذلك.
إن السبب الذي يجعل ديمقراطيي الامر الواقع على قدر عال من الاهمية
ولهم مستقبل، هو أن الناس يثقون بأنهم يرون العالم كما هو ـ لكنهم ايضاً يتطلعون لجعله مكانا افضل.
وهنا تكمن روح أميركا. لقد دفع باول وبلير الرئيس بوش للذهاب عبر الامم
المتحدة قبل غزو العراق، وكان المتشددون غاضبين من ذلك لأنهم يخافون الا يجد المفتشون اي شيء وينجو
العراق من خطر الغزو. اهدأوا. إن احتمال ان ينصاع صدام تماما للامم المتحدة
مثل أن يتقبل مايك تايسون
علاج السيطرة على الغضب. ان بوش بتمرير موضوع العراق من
خلال الامم المتحدة كسب تأييداً جماهيرياً اكبر لاي حرب. ولقد كانت نصيحة ديمقراطيي الامر
الواقع جيدة ويحتاج الامر الى
المزيد منها.
ع في الاعتبار عملية اطلاق
طائرة حربية لصاروخ الاسبوع الماضي والقضاء على خلية
تابعة للقاعدة في اليمن.
أنا سعيد اننا فعلنا
ذلك. وفي بعض الاوقات يكون ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق
العدالة بسبب ما هناك اليوم من شارع عربي واقبية عربية.
إن الطائرات الحربية ضرورية للقضاء على النواة الصلبة للارهابيين الذين تركوا الشارع وذهبوا الى
الاقبية وصاروا بعيداً عن القنوات الدبلوماسية ملتزمين
بالعنف. لكن اذا لم تحاول ان
تغلق الباب تماما بين الشارع والقبو بالدبلوماسية، فإن ما يحدث هو أنه بمجرد ان تقتل اربعة اشخاص
في القبو سينزل اليه اربعة
آخرون من الشارع ليحلوا محلهم. لقد ظل باول على الدوام مدركا ، أكثر من متشددي بوش (الذين
يقولون انسى الشوارع والمعاهدات والمؤسسات ـ السياسة
الخارجية تتعلق بتعزيز قوة الولايات المتحدة)، أن الطائرات الحربية ضرورية لكنها
ليست فعالة. ليس عليك ان تقدم الغذاء للشارع العربي او الشارع الاوروبي او الشارع الشيشاني، لكن اذا لم تستمع الى تطلعاتهم
المشروعة ستنتهي الى اعادة
ملء الاقبية بشخصيات اكثر
خطورة. لو ان اليد الاميركية
الوحيدة الممتدة للعالم والتي ترى هي الطائرات الحربية التي تطلق الصواريخ فإننا
في ورطة. وهنا سيكون القتال الحقيقي في اميركا: بين
هؤلاء الذين يريدون فقط الوصول الى تسوية مع العالم كما
هو عليه، واولئك الذين يريدون التسوية مع العالم كما هو
لكن يريدون ايضا ان يعملوا
من اجل تغييره. والى ان يقنع الديمقراطيون الجمهور
بأنهم يعرفون حقيقة العالم، سيتوجب علينا ان نعتمد على
ديمقراطيي الامر الواقع في النضال من اجل ذلك. لكن هذا
يعني ان باول يجب ان يصعد من ذلك. وإذا كان هو وحلفاؤه سيحرزون النصر فعليهم ان يرفعوا شيئاً اكثر من حواجبهم.