(المضمون:
انتصار حزب العدالة والتنمية في تركيا يثير المخاوف في اسرائيل رغم الرسائل
المطمئنة من هناك، والمطلوب الآن تعزيز العلاقات مع اردوفان قبل ان يفوت الأوان -
المصدر).
تصريح
واهم هام صدر عن المنتصر الأكبر في الانتخابات التركية فمر عندنا بهدوء نسبي. رجب
طايف اردوفان تفوه بتصريح مفاده بالنسبة لنا ان الطرف السيء في الصراع الاسرائيلي
الفلسطيني هم الاسرائيليون تحديدا. اردوفان قال في مقابلة مع وكالة الأنباء اي.بي:
"كل الأتراك انتقاديون جدا لما يحدث في فلسطين. جمهورنا لا يرى أمرا مناهضا
لاسرائيل أو لاساميا في هذه القصة. انهم ينظرون للامر على انه سياسة ارهابية
ينفذها شارون".
حكومة
اسرائيل المنشغلة في سياستها الداخلية مرت على هذه الصفعة غير الاعتيادية التي
وجهت لها من أنقرة مرور الكرام. رئيس الحكومة الذي كان مشغول البال في ذلك اليوم
في دخول نتنياهو للحكومة، لم يرد على هذا التصريح لا هو ولا الناطقين باسمه. شارون
لم يتصل لتهنئة اردوفان كما جرت العادة بين الدول الصديقة ولم يستفسر منه عن السبب
الذي يقف وراء اتهام اسرائيل بالارهاب.
حكومة
اسرائيل ردت بصورة لامبالية حتى بعد ان قال اردوفان في تلك المقابلة انه لا يستبعد
اعادة النظر في العلاقات الأمنية بين أنقرة والقدس. اردوفان عبر خلال مقابلة مع
مراسل قناة المستقبل اللبنانية عن ولائه للفلسطينيين. "الشرق الاوسط يعاني من
المشاكل بسبب المسألة الفلسطينية" قال وأضاف "تركيا وشعبها وحكومتها
أيدوا وسيؤيدون دائما حق الفلسطينيين في اقامة دولة مستقلة على الارض
الفلسطينية".
اسبوع
مر منذ ان حصل حزب "العدالة والتنمية" على 34 في المائة من أصوات
الناخبين في عملية الاقتراع على المقاعد البرلمانية وسيطر على الحكومة التركية من
دون حاجة الى شركاء في الائتلاف. 363 من بين اعضاء البرلمان الـ 550 سيكونون من
أتباع اردوفان، 178 مقعدا ستكون للمعارضة العلمانية "حزب الشعب
الجمهوري"، وتسعة للمستقلين الذين انتخبوا في محافظات مختلفة. نسبة الحسم
العالية (10 في المائة) تركت بعض الاحزاب في الخارج. هذا سيكون برلمانا من حزبين
يحتاج به اردوفان الى اربعة مقاعد فقط حتى يحصل على اغلبية الثلثين التاريخية.
ومثل هذه الاغلبية كانت ستمكنه من تغيير الدستور لو توفرت لديه.
التمعن
الأولي في الايام التي مرت يشير الى ان قلب اردوفان لا ينفطر على تل ابيب. غداة
تصريحه لقناة المستقبل اللبنانية أفادت الصحيفة نفسها ان الزعيم التركي الجديد يؤخر
لقاءه مع السفير الاسرائيلي دافيد سلطان رغم طلب هذا الاخير السماح له بلقائه
لتقديم التهاني له. سلطان لم يتوقع ان يقبل طلبه فورا وانما خلال عدة اسابيع كما
جرت العادة في فترة الانتصار في الانتخابات من هذا القبيل. ولكن التسريب الذي جاء
من صفوف حزب العدالة قد يدلل على وجود نغمة جديدة. "الحكومة الجديدة تفكر
باعادة النظر في علاقات أنقرة مع تل ابيب في ظل التطورات الاقليمية والدولية"
قالت الصحيفة نقلا عن أحد كبار المسؤولين في الحزب.
الى
ذلك يجب ان نضيف ما قاله الناطق بلسان الحزب مورات مرجان في مقابلة مع صحيفة "جيروزاليم
بوست" قبل ستة ايام: "شارون هوأحد مصادر الارهاب في الشرق الاوسط"
قال مرجان وأضاف "فهو لا يفهم ديناميكية القوة التي يستخدمها، ولا يسمح بتقدم
عملية السلام ولا يحترم العملية. شارون تسبب في خلق أجواء تنامي الارهاب".
الحديث
يدور عن لهجة مغايرة لتلك التي اعتادت اسرائيل سماعها من أنقرة. هذه التصريحات
بمجموعها تميزت بعبارات لاذعة من النوع البارد الذي يهب على القدس من جانب العواصم
العربية التي لا تملك اتفاقات سلمية مع اسرائيل. قبل نصف سنة وبعد ان وصف بولاند
اجاويد الرئيس السابق أعمال الجنود الاسرائيليين في المناطق على انها عملية ابادة
وجهت له الانتقادات من القيادة السياسية هناك من كل صوب. ولم يمر يوم واحد حتى قدم
بولاند اجاويد الاعتذار.
"من
الممكن القول اننا في فترة ازماتية" يقول دكتور ألون ليئال رئيس الغرفة
التجارية الاسرائيلية - التركية والمدير العام السابق في وزارة الخارجية.
"اتهام رئيس الوزراء الاسرائيلي بالارهاب ليس مجرد شتيمة أو كلمة غير لائقة،
وانما هو اتهام له بأنه صاحب نهج ارهابي ثابت".
رغم
ذلك كله من المهم ان نذكر ان حزب العدالة والتنمية لم يستلم بعد مقاليد الحكم في
أنقرة. اردوفان وأتباعه ما زالوا يعيشون نشوة النصر. تصريحاتهم الأولية تعبر عن
البراءة الطفولية وهم عديمو الخبرة بعد. ومن الممكن ان يعود اردوفان بعد ان يتلقى
المعلومات الاختصاصية المهنية من المؤسسة الامنية والدبلوماسية الى الخطاب السياسي
المعتاد. وليس من الممكن التنازل بسهولة عن العلاقات الاستخبارية القوية مع حليفة
مقربة جدا من الولايات المتحدة وعن تجارة مدنية تصل الى مليار دولار ونصف في
السنة.
في
الاسبوع الاول كان اردوفان وأتباعه مشغولين في التصدي لمحاولات تصنيفهم في شتى
الأوصاف المتشددة. "لسنا اسلاميين، نحن حزب اوروبي محافظ وحديث" ادعى
عبد الله غول الرجل الثاني في الحزب والذي يملك فرصة عالية لان يكون رئيسا
للوزراء. "لن نعترض اذا وصفونا بالديمقراطية الاسلامية مثل الديمقراطية
المسيحية في الاوساط الاوروبية المختلفة. ولكن هذا لا يعني اننا حركة دينية".
مع ذلك قال غول من الممكن وصف حزبه على انه حزب محافظ بالتأكيد. "النزعة
المحافظة تعني الحفاظ على كل ما هو جيد للمجتمع واصلاح ما هو ليس بجيد. كما ان
النزعة المحافظة تعني الحفاظ على ديننا الاسلامي".
فيكتور
هرئيل نائب مدير عام القسم الاوروبي في وزارة الخارجية يوضح بأن اسرائيل تتابع
التطورات في أنقرة، ولكنها ليست قلقة. "نحن ندرس كل تصريح من التصريحات بسبعة
عيون، الرسائل التي تلقيناها وسمعناها حتى الآن ليست مقلقة في هذه المرحلة. وقد
وردتنا رسائل مطمئنة من تركيا حتى، وكل ما خطط له مع الأتراك اقتصاديا وسياسيا
سيتواصل كالمعتاد".
في
أنقرة ايضا يعتبر اردوفان وأتباعه - وليس في اسرائيل وحدها - لغزا غامضا وكبيرا.
القيادة الامنية والاقتصادية الدبلوماسية لا تعرف كيف تتعامل مع هذا الزعيم
الكاريزماتي وتجد صعوبة في تخمين الأرنب الذي سيخرج من قبعته غدا. ويضاف الى
علامات الاستفهام التي تثار حول شخصيته موقفين كانا قد حدثا في ايامه الاولى بعد
الانتصار وكانا قد فسرا كتعبير عن ضعف تجربته.
"حكم
عديم الثقة بالنفس"
في
البداية ساد الاستغرب والدهشة لاستجابة اردوفان الفورية لدعوة رئيس الوزراء
اليوناني له لزيارة اثينا حيث حدد يوم الاحد القادم موعدا للزيارة. كل رضيع في
البلدين يعرف ان موضوع اللقاء سيكون المسألة القبرصية. الزيارة المتوقعة اثارت
انتقادا شديدا في انقرة وبقي اردوفان في غضون ذلك في البيت. المنتقدون تساءلوا كيف
سيزور اليونان قبل ان يزور قبرص التي يحتل الجيش التركي نصفها.
كما
جاءت القضية الثانية ذات علاقة بقبرص. اردوفان اعترف انه يؤيد النموذج البلجيكي
للحل مع اليونان. حسب هذا النموذج سيفرض في قبرص نظام مركزي قوي يحكم الطائفتين
اليونانية والتركية بينما يكون لكل جهة حق الفيتو على القرارات المشتركة.
هذا
الاقتراح الذي يعني انسحاب القوات التركية من الجزيرة مقبول على اليونانيين.
المشكلة في ان هذا الاقتراح تتعارض مع الخط الرسمي التركي والعصبي جدا الذي اتبعته
انقرة منذ ان احتلت الجزيرة قبل 28 سنه. "هذا تصريح يتوافق مع نظام غير مجرب
وعديم الثقة حيث يحاول نيل اعجاب اوروبا" قال وزير الخارجية التركي شكرو غورل قبل اخلائه لمقعده بلحظات.
في
يوم الاربعاء الماضي اجرى مركز دايان لدراسات الشرق الاوسط يوما دراسيا حول تأثير
الانتخابات في تركيا. ضيف الشرف على المؤتمر كان سفير تركيا في اسرائيل فريدون
سينير ليئولو حمل رسالة مطمئنة للمشاركين. السفير قال انه يشعر بان العلاقات بين
البلدين لن تتغير نتيجة للانتخابات وان الاطار الاساسي سيبقى على حاله لانه يقوم على المصالح والقيم المشتركة
والجانبين يتمتعان منها بشكل متبادل.
الدكتورة
شوله كوت الباحثة في المجال التركي تقول ان الحكومة ستحذر من اتخاذ خطوات
دراماتيكية لانها تعتمد على اقلية سكانية (78 في المائة من الناخبين فقط اشتركوا
في الانتخابات).
الكاتب
المؤيد لاردوفان تشنكيز تشندر ايد موقف كوت وقال انه لا يتوقع قيام حكومة اردوفان
بتغيير الاتجاهات الاساسية. فرجب واتباعه يرون في انفسهم نموذجا اسلاميا بينما لا
ينظر لهم العالم الاسلامي على هذه الصورة.
الون
ليئال يقترح التعامل مع تصريحات اردوفان بجدية وبذل جهود مكثفة على المستويات
لمعالجة المترتبات فاردوفان هو الرجل الاقوى في دولة هي الاكثر صداقة بالنسبة
لاسرائيل في المنطقة.