غياب نص صريح يخدم صدام حسين
كان من الحيوي أن يتضمن قرار مجلس الأمن
الدولي الجديد بشأن العراق نصا صريحاً يسمح بـ«اجراء مبكر»، وذلك لثلاثة أسباب.
ففي غياب مثل هذا النص قد يسيء صدام حسين تفسير ما ينتظره مستقبلا. وقد يلحق
بارادة المضي قدما بالحملة ضد الارهاب على المستوى العالمي ضرر عميق، لأن تنفيذ
عملية ناجحة وحاسمة، متى حان الوقت سيصبح موضع مساومة.
أول هذه الأسباب ، ان صدام يجيد الاستفادة من
الخلافات التي قد تظهر بين أطراف العلاقة، كما انه يفهم جيدا آلية نظام التفتيش
الجديدة: فالمفتشون بحاجة الى ثلاثة أو أربعة أسابيع لكي يصلوا الى العراق، ولا بد
من مرور شهرين أو ثلاثة أشهر من أعمال التفتيش المكثف قبل أن يتسنى لهم التوصل الى
نتائج أولية، كما ستستغرق المشاورات بين رئيس فريق مفتشي الأسلحة التابع للأمم
المتحدة هانز بليكس وأمين عام الأمم المتحد كوفي أنان، بشأن كيفية صياغة التقرير،
اسبوعين أو ثلاثة أسابيع. وحينئذ سنكون قد وصلنا الى شهر مارس (آذار) المقبل،
وسيبدأ جدل جديد حول قرار آخر لمجلس الأمن. وحينها سينطبق القول العربي «الله
كريم»، على واقع الحال. المعنى اللغوي لهذا القول مفهوم، لكن العرب اعتادوا على
استخدامه بمعنى ان شيئا ما قد يحدث سيحل المشكلة.
وهكذا اذا شعر صدام حسين بان الولايات
االمتحدة وجدت نفسها تحت ضغط العناد الأوروبي في نفق طويل من النشاط الدبلوماسي،
من دون وجود خطة متعلقة بامكانية «الخروج المبكر» منه والتحول لمرحلة العمل، فقد
يشعر بأن العزم على محاسبته على سجله يتضاءل، وسيرتفع بالتالي مستوى استعداده
لتحدي الأمم المتحدة والولايات المتحدة.
السبب الثاني، يمكن للمرء أن يلحظ الآن بروز
انشقاقات في أوساط المجتمع الدولي بشأن تأييد القيام باجراء ضد صدام. فقد أوضح
وزير الخارجية السعودي بجلاء ان المملكة العربية السعودية ليست مستعدة للموافقة على
استخدام التسهيلات الأميركية في أراضيها في شن الهجوم ضد صدام حسين ما لم تصدر
الأوامر بشأن ذلك من مجلس الأمن الدولي.
وفي أعقاب فوز الحزب الاسلامي في الانتخابات
التركية اخيرا، قد يتبين ان تركيا، وهي حليف أساسي، لم تعد بنفس الاستعداد
للتعاون. كما ان الاتجاه السائد في المانيا وأوروبا بشكل عام لا يشير الى تأييد
الاطاحة بصدام. وحتى في بريطانيا، أثيرت أسئلة عدة بشأن كلفة المشاركة البريطانية
في الحرب ضد العراق، حيث قدرت في بادئ الأمر بما بين ثلاثة وخمسة مليارات جنيه
استرليني تصل الى 15 ملياراً اذا تطلب الأمر حضوراً عسكريا بريطانياً لأمد طويل في
العراق. وكل هذه مؤشرات غير مشجعة.
السبب الثالث ان تعامل صدام الهادئ مع هذه
الأزمة، التي يتعرض فيها مستقبله الشخصي للخطر، يعود في حقيقة الامر الى ان اصدار
مجلس الأمن الدولي قراراً «ملطفا» قد يؤجل «لحظة الاختبار» لأمد طويل فالظروف
الأساسية المتعلقة بالمواجهة المحتملة توحي بأنه لا توجد مفاجأة استراتيجية قيد
التنفيذ، بل ان اصدار قرار لمجلس الأمن بدون التفويض بـ«اجراء مبكر»، قد يجعل حتى
من المفاجآت التكتيكية، وخاصة تلك المتعلقة بخطوات قد تعجل بالحد من قوة صدام،
أمراً صعب المنال. ولن تكون الولايات المتحدة قادرة على الحاق الأذى بصدام ومنعه
من التسريع بردود فعله المعدة سلفا. وهكذا ستتعرض فاعلية ومدى حسم الهجوم المتوقع
للمساومة.
وبالنظر الى التكلفة الاجمالية وأعداد القتلى
المحتملين نتيجة لهجوم شامل، على الولايات المتحدة ألا تتجاهل مع ذلك امكانية
القيام بعمليات خاصة تستهدف قلب النظام خلال المرحلة الأولى للهجوم، اذا لم يذعن
صدام لنظام التفتيش الذي حدد اخيرا.
فالأحداث التي وقعت خلال الشهرين الأخيرين
ومنها قتل جندي مشاة البحرية في الكويت، وتفجير ناقلة النفط الفرنسية بالقرب من
السواحل اليمنية، وانفجار بالي المأساوي، واحتجاز الشيشان للرهائن في موسكو
بمحصلته المؤلمة، والتطور الذي يشهده برنامج كوريا الشمالية النووي.. كلها تشير
الى أننا أمام بداية حرب عالمية جديدة.
ثم ان وضع حد للارهاب العالمي، ولامتلاك بعض
الدول اسلحة الدمار الشامل، محنة قد تستهلك نصف جيل من الزمن، وليس سنة او سنتين.