موعد نهائي لصدام

 

 

 

دينيس روس

                   واشنطن بوست

 

وأخيرا قال مجلس الأمن الدولي كلمته، وها هو وزير الخارجية الأميركي كولن باول يتلقى مديحا يستحقه بجدارة على تمكنه من الحصول على تصويت بالإجماع لصالح قرار صلب. لكن يبدو ان الرئيس بوش محق ايضا في ما قاله من ان المهمة الصعبة تبدأ الآن.

وكما أوضح الرئيس فإن هناك 16 قرارا أصدرها مجلس الأمن الدولي ضد العراق، ومع ذلك لم يتسن نزع أسلحة صدام حسين. والقرار الأخير، كما أعلن الرئيس بوش، هو فرصة صدام الأخيرة. لكن هل سينظر الرئيس العراقي إلى المسألة بهذا الشكل؟ وهل ستكون هناك لحظة اختبار، وإذا ما كان هناك شيء من هذا القبيل، فمتى سيحين أوانها؟

لقد أثبت صدام حسين خلال الأعوام الأحد عشر الماضية، بما لا يدع مجالا للشك، انه مصمم على الاحتفاظ بأسلحة الدمار الشامل، ولو كان قد أبدى استعداده لتنفيذ ما أملته عليه قرارات وقف إطلاق النار التي أنهت حرب الخليج الأولى، خلال أية مرحلة من تلك الفترة، لكان قد رفع العقوبات الاقتصادية عن العراق. تلك القرارات التي طالبته بالكشف عن جميع البرامج والخطط والقدرات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل وقبول نزعها.

للوهلة الأولى لم يستجب صدام حسين لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 687، الصادر عام 1991، عندما امتنع عن تسليم كل الوثائق المتعلقة بمواقع منشآت برامج أسلحته ذات الدمار الشامل ومكوناتها الرئيسية والثانوية.

ومنذ البداية، لم يتحمل مسؤولياته تجاه التعاون مع مفتشي الأسلحة الدوليين، إذ لم يكن من المفترض أن يعثر المفتشون على برامجه، بل كان يفترض عليه أن يكشف عنها. وبدلا من أن يفعل ذلك، أخفاها وواصل التدخل في التقدم الذي تحقق حتى اثناء قيام المفتشين الدوليين بمهمتهم في البلاد.

تصميم صدام على المحافظة على قدراته المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل لم يكن لتجنب الشعور بالإهانة، كما يطرح البعض، بل من أجل المحافظة على إمكانية أن يمضي قدما في طموحاته وخططه الإقليمية. فصدام حسين يعتبر ان الأسلحة النووية على وجه الخصوص هي الدرع الأساسي الذي سيوفر له الحماية، وهو يفكر مجددا في أسلوب غزو جيرانه متى ما رأى أن مصالحه تقتضي ذلك. وعندما يسأل نفسه عما إذا كنا سنتمكن من الرد عليه عاجلا، متى امتلك أسلحة نووية، فإن حساباته الخاصة تشير إلى اننا لن نفعل ذلك ، نظرا للكلفة العالية التي ستتكبدها قواتنا، وهو بالتالي مصمم على الاحتفاظ بهذه القدرة.

لكن هل يعني ذلك ان صدام مصمم على الاحتفاظ بهذه القدرات حتى لو أدى ذلك لنهاية حكمه؟ لقد طرح العديد من المراقبين ان صدام حسين يميل الى قتل البشر لا الانتحار، وانه عندما يجد نفسه أمام خيار البقاء على قيد الحياة أو نزع أسلحته فإنه سيقبل بالأخير.

ربما يحدث ذلك، لكنني أشك في أن الرئيس العراقي يشعر بأنه بات يواجه الآن ذلك الخيار. ففي قرارة نفسه، يعتقد انه تمكن، حتى الآن، من التلاعب ببرامج التفتيش، وإن ما طرح هذه المرة، وعلى الرغم من صرامة اللغة ومن عبارات، وأي مكان وفي أي وقت، قد لا يختلف في نهاية المطاف عن المرات السابقة. وربما يكون محقا في ذلك.

فالعامل الرئيسي لنجاح برنامج التفتيش هو تعاون العراق، وهو الاختبار الذي يجب أن تؤكد عليه الإدارة الأميركية. ولن تتمثل لحظة الاختبار بالنسبة للقرار الدولي ولصدام في عودة المفتشين للعراق، بل يوم الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عندما يحين الموعد النهائي لتقديم صدام كافة التفاصيل المتعلقة بمواقع أسلحة الدمار الشامل العراقية وبرامجها وقدراتها والتطورات التي حققتها والعاملين فيها.

من المؤكد ان صدام حسين سيسعى لترك الانطباع بأنه يذعن للقرار الدولي. ولا شك انه سيقوم بتسليم كم لا يحصى من الوثائق، وربما يتخلى عن مواد كان قد أخفاها في المراحل السابقة. لكنه لن يتخلى عن العناصر الحيوية في برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية، خاصة تلك المتعلقة بالمجالات النووية والبيولوجية. وسيعول على كبار المفتشين ـ هانز بليك ومحمد البرادعي ـ اللذين لا يرغبان في الإعلان عن خرقه لالتزاماته قبل أن يقوما بإرسال فرق التفتيش للعراق.

فخبراء التفتيش يميلون إلى الإعلان عن ان العراق قام بخطوة في الاتجاه الصحيح، وانهم على استعداد للتعامل معه، على ان اتخاذ قرار بشأن التزام العراق وبشأن ما يتوجب من الخطوات اللاحقة مسألة بيد مجلس الأمن الدولي. فهل ستكون فرنسا وروسيا على استعداد للقول إن الوقت قد حان لاستخدام القوة؟ لا يبدو ذلك محتملا.

وبغض النظر عن برنامج التفتيش، فإن إمكانية العثور على ما لا يرغب في أن نكتشفه تبدو محدودة للغاية بدون تعاون العراقيين، الذين يعلمون بدقة أين تجري أكثر المهام حساسية. ولسوء الطالع فإن مضمون الرسالة الذي يشير إلى إمكانية التسامح مع الكشف الجزئي عن المطلوب، لا يبدو مشجعا للمفتشين إلى حد كبير لكي يحققوا تقدما ـ حتى لو أصروا على التحدث مع العلماء وغيرهم من المختصين بدون رقابة عراقية. (ضعوا في الاعتبار ان بليكس أشار بالفعل إلى أنه يتوقع مشاكل بشأن التحدث مع العلماء والمختصين وعائلاتهم خارج العراق).

كل هذا لا يعني اننا وقعنا في مصيدة القرار الأخير. بل يعني ان المخاطر المترتبة على عدم الكشف التام عن برامج العراق يوم الثامن من شهر ديسمبر تبدو جسيمة للغاية. فلو كان نزع الأسلحة هو الهدف، فإن الامكانية الوحيدة لتحقيق ذلك، بدون حرب، ستعتمد على إدراك صدام حسين بأن أي نقص في الكشف التام عن المطلوب منه سيعني في حقيقة الأمر إعلان الحرب.

أي شيء أقل من ذلك سيجرنا إلى مرحلة تسمح لصدام بالاستفادة من الوقت، والعمل على أن لا يعثر المفتشون على شيء في المرحلة الأولى ـ أو أن يعثروا فقط على ما يريدهم أن يعثروا عليه «لإثبات» تعاونه معهم.

لقد وضع الرئيس بوش أساس نزع أسلحة العراق. وعليه الآن إقناع الفرنسيين والروس وبقية العالم بإدراك ان لحظة الاختبار لن تكون مع وصول المفتشين، بل مع طبيعة ما سيكشف عنه العراق يوم الثامن من شهر ديسمبر.