مناورة إسرائيلية فاشلة تساعد عرفات في
ترميم مكانته بعد هزيمة المقاطعة..
حولت إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية في نهاية
الأسبوع الماضي 70 مليون شيكل، كقسم من ديون إسرائيل لها، وهكذا وفرت للسلطة
الفلسطينية الإمكانية لجمع العتاد ولتنظيم أمورها نحو جولة معارك قد تتطور بعد
الهدوء الحالي. وقد تم تحويل هذا المبلغ للسلطة الفلسطينية رغم إعلان وزير المالية
الفلسطيني، سلام فياض، أنه سيستعمل المبلغ لدفع أجور 50 ألف رجل أمن فلسطيني
ورد في ملحق رقم 1 لاتفاقية المرحلة
الانتقالية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية من أيلول/ سبتمبر 1995، أن عدد أفراد
الشرطة الفلسطينية، على فروعها المختلفة، لن يزيد على 30 ألف شرطي، 12 ألفا في
الضفة الغربية و18 ألفا في قطاع غزة. وفي اتفاقية القاهرة التي تم التوقيع عليها
قبل سنة ونصف من ذلك الاتفاق، اتفق على 9 آلاف مقاتل. ويوجد اليوم، في المناطق
الفلسطينية، على ما يبدو، أكثر من 100 ألف رجل أمن، شرطي ومقاتل من المنظمات
الفلسطينية المختلفة. إذا أقام الفلسطينيون جيشا كاملا بما يتنافى مع منطق
اتفاقيات أوسلو، فلماذا يجب على إسرائيل الوفاء بالتزاماتها، وحتى الاستمرار في
بناء ذلك الجيش؟
سيتم توزيع هذا المبلغ (70 مليون شيكل) الذي
حولته إسرائيل الآن إلى السلطة الفلسطينية بين الفصائل والمنظمات الفلسطينية: حركة
فتح، الجبهات المختلفة، الشرطة والاستخبارات، التي هدفها المركزي اليوم هو محاربة
إسرائيل. ويتم توزيع المبلغ كما فعل عرفات دائماً: وفقاً للمفكرة السوداء التي
يسجل فيها من نفذ كل عملية. ومن الممكن أن يتم تقديم قسم من المبلغ الى مخيمات
اللاجئين في لبنان ، كما حدث في الماضي.
إضافة إلى ذلك، حولت إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية
المبلغ الذي هي في أمس الحاجة اليه لاستمرار الانتفاضة، رغم أن مطالبتها (مطالبة
إسرائيل) بالشفافية لم تستجب. وخلافاً لما تستوجبه الاتفاقية الانتقالية – وليس ما
تستوجبه "الإصلاحات" التي كثيراً ما يجري الحديث عنها مؤخراً – فإن
السلطة الفلسطينية لم تحول إلى إسرائيل أسماء الذين تلقوا المبالغ. لقد تم تحويل
المبالغ نقداً واختفت على الفور. وإذا كان ذلك لا يكفي، فقد اعترف وزير المالية
الفلسطيني، كما جاء في تقرير برنييع، أنه يعمل عند عرفات. لقد ارتكزت قوة عرفات
على مر السنين على الميزانيات، وها هي إسرائيل تعود مرة أخرى وترمم مكانته بعد
الهزيمة في المقاطعة.
وطبعاً، مثلما يتم تحويل غالبية الدعم
الأمريكي لمصر للتسلح العسكري، هكذا أدى الضغط الأمريكي على إسرائيل إلى تحويل
مبالغ مالية بكثافة لعسكرة المناطق الفلسطينية، تلك البلية التي جلبها عرفات الى
هنا في منتصف التسعينيات. والآن، عندما يتحدثون عن "إصلاحات" في السلطة
الفلسطينية، يجب، لأول وهلة، تحويل جزء ممن يتلقون الرواتب في السلطة الفلسطينية
الى مجالات مدنية. لكن من يحلم بذلك؟ فبدل توظيف الأموال في ترميم أوضاع المواطنين
الفلسطينيين، وصحتهم، وتربية أولادهم، أو في بنى تحتية جديدة، تستثمر الأموال في
مواصلة بناء القدرة العسكرية. والمجتمع المدني الذي بدأ يتكون في المناطق
الفلسطينية آخذ في الزوال لصالح الأسلحة ورواتب الجنود. رأس المال يستثمر في
الماضي وليس في بناء المستقبل.
هكذا تصل المبالغ المالية الكبيرة من إسرائيل
إلى الكتلة العسكرية الحاكمة التابعة لعرفات، ولكن المواطنين الفلسطينيين، وبالطبع
اللاجئين، يستمرون في تلقي الفتات. هكذا ستستمر صناعة المقاومة التابعة لعرفات في
تعكير الأجواء وإثارة الكراهية ضد إسرائيل في عيون الأجيال القادمة، التي تستمر في
مسيرة التعسكر، وكأنما أي عبرة لم تستخلص في السنتين الأخيرتين. كم هذا غير معقول
ومحزن!