تمدين الأمن
يتحتم انتخاب القائد المدني الذي سينتزع
الأزمة من أيادي الجنرالات الذين يقحمون أنفسهم كالسياسيين في الحوار العام
ويرسلون قوة خاصة لتنفيذ عملية كثيرة المصابين في ذروة الهدوء النسبي..
سبق وكنا في طريقنا إلى هناك. تقلصت ميزانية
الأمن، وتم تحويل الأموال للبنى التحتية والتعليم وتطوير المدن الصغيرة. ولم يعد
ضباط الاحتياط في الجيش يتلقون، بشكل فوري، وظائف مدراء للشركات. وتحدث الضباط في
جلسات القيادة دون أن يعربوا عن رأيهم القاطع بشأن مستقبل البلاد. وبدأ الجيش
الإسرائيلي، شركة الحراسة الضخمة وفائقة الثروة، بالتحرك نحو احتلال مكانته
المرغوبة والكتومة في المجتمع الدمقراطي.
لكن ذلك كله توقف عندما ?ندلعت النيران. كبحت
عملية تمدين الإسرائيلية في الدولة التي ازدهرت تكنولوجياً وانضمت إلى العولمة الدولية
دون خوض حرب باردة. لقد تسلم براك، وبعده شارون وبن إليعيزر، زمام إدارة البلاد
وبدؤوا بتقاسمها مع الجيش. وهذه هي إحدى الأضرار الثقيلة للحرب.
ليس هناك أسوأ من اختيار الجيش لإدارة
الأزمات العنيفة.
هذا الأمر يشبه تعيين المصاب بهوس السرقة
لإدارة شبكة متاجر أو تعيين مختلس لإدارة الصندوق المالي للسجن. لأن الأزمات
العنيفة تعتبر جوهر قوة الجيش، والجيش، كغيره من التنظيمات القوية، يطمح إلى تضخيم
قوته وموارده إلى أقصى حد. ولذلك، حتى إذا كان المقصود جيش الدفاع الإسرائيلي،
صاحب النوايا الطاهرة، حسب الرمز الاخلاقي المسجل، فسيبذل قادته كل شيء من أجل
الابقاء على الأزمة، وتسخينها وايقاظ الأرواح الشريرة عبر تسميات "التهديد
الإيراني" و "التهديد العراقي"، و"الكارثة الليبية" و
"الازمة الاستراتيجية في الحاصباني". وهنا، في هذه النقطة، تفغر فجوة
عميقة بين مصالح الجيش والمصالح القومية لدولة تسعى إلى تقليص الأزمات وتبريدها.
طيلة سنوات، حتى عندما كان الجيش قوياً ويملك
صوتاً حازماً، كان غالبية قادة إسرائيل من المدنيين. من الرجال والنساء البالغين
الذين يفتقدون إلى خلفيات عسكرية، أمثال بن غوريون وموشيه شاريت وليفي أشكول
وغولدة مئير ومناحيم بيغين أو يتسحاق شمير. لقد كبح أولئك المسنون، في أحيان
متقاربة، عمليات جريئة وجنونية، اعترضوا شهوات الانتقام العسكري، وشهوات الانتصار
والحسم حيث لا يسود الحسم. وفي عدة حوادث، ما زالت سرية حتى اليوم، كبحت غولدة
المسنة رغبات بعض الضباط المعروفين بمسؤوليتهم بالانتقام، واعترض بيغين سبيل يانوش
بن غال)* ورفاقه. كما أن أشكول تأتأ لكنه انتصر، ولم يقع شامير في أغواء خوض
مغامرة في الخليج. لقد أدرك المسنون أن الجيش هو كلب حراسة محبوب، لكنه يناصر
الحرب، وأن خطره عندما لا يتم لجمه، يكون كبيراً حتى على من يستخدمه.
والآن، في خريف 2002، بعد عامين من العمليات
والانتقام دون حسم ودون أمل، يتطلب الأمر تمدين الأمن فوراً. يتحتم انتخاب القائد
المدني الذي سينتزع الأزمة من أيادي الجنرالات الذين يقحمون أنفسهم كالسياسيين في
الحوار العام ويرسلون قوة خاصة لتنفيذ عملية كثيرة المصابين في ذروة الهدوء
النسبي.
في هذه الحرب، ولنسميها الانتفاضة الثانية –
حيث ينشط ويفشل ويهزم يومياً، الجنرالات القدامى والقوات الخاصة والمروحيات
الحربية الجديدة، تظل كدراع واق، البطولة المدنية للجنود المجهولين. هؤلاء هم
الناس البسطاء المسلوبين من المجد: سواق الباصات، الحراس الذين يتقاضون أجور
ضئيلة، المواطن اليقظ، المسن المتشكك، والجنود.
في إحدى المرات، قبل سنوات، لاحظ أحد
المراقبين الحكماء لحروبات إسرائيل أنه في المعركة التي يتم فيها توزيع الكثير من
الأوسمة للجنود البسطاء، من المناسب دائماً البحث عن الفشل الكبير للضباط. فبطولة
الجندي البسيط مطلوبة في المكان الذي يدير فيه الجنرالات الذي يتوجهم المجد، معركة
فاشلة. وهكذا هو الأمر الآن. لقد احتل الجيش الإسرائيلي جميع مناطق الضفة الغربية،
قطّع أوصال كل شارع، وضع جندياً على كل تلة، مسح كل قصبة (إسم يطلق عادة على
الأحياء القديمة في المدن الفلسطينية، خاصة في نابلس والخليل – arabynet)، استخدم كل الوسائل
المتطورة والذكية، لكنه رغم ذلك، ما زال هناك بصورة ثابتة، كالعادة، 50 تحذيراً
ساخناً عن عمليات تسلل إلى قلب البلاد. فسحق العدو لم يحقق إلا فترة هدوء طفيفة،
تتحرك بعدها، دائماً، موجة الانتقام الدامية، كالسيل الجارف الذي يلي الهزة
الأرضية.
في هذه المعركة الدافئة بيننا وبين
الفلسطينيين، هذه الحرب البلقانية التي صار جارنا السابق هو العدو، ذلك الذي نعرف
إسمه، والذي يقيم في قرية مجاورة، وبيته يطل عبر التلة، فشل الجيش، كما تفشل
الجيوش أمام العصابات/التمرد/ الانتفاضة/ الارهاب. وانتقل عبئ الدفاع عن الحياة
إلى أيدي المدنيين أنفسهم. فرئيس الحكومة ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش
والجنرالات والوزراء والشخصيات السابقة، أمثال نتنياهو وبراك، وكل نقطة استيطان
خيالية يقيم فيها مستوطنان اثنان، يحظون بحراسة شخصية على حساب ميزانية الأمن. أما
الجبهة الداخلية، المواطن وأولاده، فقد تركوا عراة، تحميهم بشكل تطوعي وهش
ميليشيات أجيرة تتألف من حراس يتقاضون أجور زهيدة.
بعد كل إحباط مركز – مشتت، بعد كل إجتياح لغزة
يخلف وراءه 14 جثة، بعد كل صاروخ ذكي يخطئ الهدف، بعد كل عملية جراحية محكمة يقوم
بها الجنرال دان حلوتس، الذي يرش النار ويقتل على مساحة 100 متر من الهدف، تتكاثر
التحذيرات كتكاثر الفطريات. المروحيات تمشط السماء المظلمة، السفن تبحث في قلب
البحر، لكن الأرض، التي لا حدود لها، تبقى مليئة بنقاط الاختراق الضخمة، التي لا
يتمكن الجيش المنتشر على مساحة مئات الكيلومترات من المستوطنات، من احكام اغلاقها.
ولا يبقى أمام المواطن إلا الاعتماد على
عيونه، على شجاعة قلبه وعلى المسدس البلاستيكي الذي يحمله الحارس، المهاجر الجديد
الذي يعيش في مبنى مؤقت وبائس، وعلى يقظة سائق الباص غير المزود بأية وسيلة فحص
باستثناء مخاوفه، وعلى العين الثاقبة لشرطي الدورية الوحيد الذي يتحرك في الوادي،
وعلى القرارات الشخصية الصحيحة، والتحرك اليقظ بين النقاط، حسب غرائز عائلية.
لقد عدنا في هذه الحرب، كغريمنا الفلسطيني،
إلى الوراء، إلى البيت، إلى الساحة والعائلة. فقدنا الثقة بالقياديين، بمن يمتلكون
القوة. وكما في كل حرب قبلية، انسحبنا نحو الماضي، نحو التشكك العميق، نحو الحل
البيتي: المسدس، الحمار، طريق الانقاذ، الطريق الترابية، الحارس، العين الثاقبة وأبطال
بسطاء جبلوا من مواد بيتية، ومن أجر يسبب الجوع وشجاعة قلب لا مفر منها.
*ضابط كبير في الجيس الإسرائيلي إبان حرب
لبنان.
يديعوت
أحرونوت