حرب الأعصاب

 

بقلم : توماس فريدمان

 

إنها لتجربة باعثة على التوتر العصبي الشديد أن يعيش المرء هذه الأيام في مدينة مونتغومري كاونتي بولاية ميريلاند مع وجود قناص طليق. وكان علينا أن نتعرف على رئيس الشرطة تشارلس موس من خلال المؤتمرات الصحافية التي عقدها خلال الأسبوعين الماضيين حول عمليات إطلاق الرصاص عشوائيا. كذلك كان علينا أن نعرف موزع البيتزا من شركة «مطبخ بيتزا كاليفورنيا» بشكل أفضل. وحينما وصل الموزع إلى البيت كنت في غرفة الجلوس أشاهد الرئيس بوش على شاشة التلفزيون وهو يلقي خطابه حول العراق. وبعد أن دفعت زوجتي ثمن البيتزا لحاملها، أخبرته أن رائحة البيتزا ممتازة ثم أضافت «لكنني لا أظن أن زوجي سينهض للقائك لأنه يشاهد المؤتمر الصحافي».

لكن موزع البيتزا تدارك قائلا: «هل وقع إطلاق نار آخر»؟ بادرت زوجتي نافية ذلك بإصرار «إنه يستمع إلى خطاب الرئيس حول العراق».

مع ذلك، من يستطيع أن يلوم رجل البيتزا لافتراضه أنني كنت أشاهد مؤتمرا صحافيا يتعلق بالقناص في مدينتنا. فإذا كان عليك أن تسوق سيارتك هنا في الليل وأن تقف بجانب أبواب البيوت مع وضع ظهرك باتجاه الشارع، فانك لا بدّ أن تظل مذعورا دائما من القناص أيضا. لكنه ليس الوحيد الذي يحمل ذلك الشعور. فهناك شيء في عمليات القنص التي وقعت في هذه المدينة مس بعمق أعصابنا جميعا.

وحقيقة أن يتحدث الرئيس بوش عن العراق في وقت لا يتحدث جيرانه عن أي شيء سوى القناص، تعمق الشعور بأن الإدارة مهووسة بصدام حسين وأنها فقدت القدرة على التواصل مع مشاعر القلق التي يعيشها الكثير من الأميركيين. ومع أن الرئيس بوش يريد أن يحشِّد كل الأميركيين حوله لفرض نزع السلاح عن العراق فانه في الوقت نفسه لا يرفع حتى إصبعه كي ينزع السلاح عن منطقة بثيسدا التي تبعد ستة أميال عن واشنطن.

شخصيا أنا مسرور من تركيز الرئيس بوش على نزع السلاح عن صدام حسين وعلى سعيه لتقصي صواريخ سكود وأسلحة الدمار الشامل. إنه مشروع هام. لكنني أتمنى أيضا أن يركز على نزع السلاح من المجانين الأميركيين، وأن يساند صدور قوانين تساعد على تقصي أسلحتهم الهادفة إلى الدمار الفردي. والكثير منا يودون أن يشاهدوا مفتشي الأسلحة في الشوارع هنا وفي محلات بيع الأسلحة لا في بغداد فقط.

وما هو مخيف أيضا حول هذا القناص ما تمتلكه بندقيته من قوة كبيرة، وهذا ما يجعله أول تقليد على مستوى محلي لما جرى يوم 11 سبتمبر، من حيث الجانب التقني. إذ لا يبدو أن هذا القناص سفاحا يحمل أجندة سياسية ولديه عطش منحرف لأن ينظر في عيون ضحاياه قبل أن يقتلهم.

بل يبدو أن هذا القناص يشبه أسامة بن لادن من حيث حبه لمشاهدة الخوف في عيون من تمكنوا من النجاة بعد أن حاول قتلهم بشكل عشوائي كما لو أنهم كانوا من حيوانات الأيل. ومثل بن لادن يجمع هذا القناص الخاسر الشر والشجاعة والبراعة وحب الشهرة والاستعداد لقتل الناس العاديين المنشغلين بالقضايا اليومية العادية لتضخيم ذلك الخوف. فعبر قتل أناس أثناء ملء سياراتهم بالوقود أو أثناء تنظيف حدائقهم أو أثناء توجههم إلى المدرسة، يكون القناص قد جعل منطقة تقع ضمن عاصمة الولايات المتحدة تعيش حالة اضطراب شديد. إنها تمنحه الشعور بالقوة. ولذلك ليس مستغربا أن يكون القناص قد ترك رسالة يقول فيها «إنني إله».

وليس مستغربا أيضا أن تصدر جريدة «بثيسدا غازيت» المحلية المتخصصة بأخبار اجتماعات الإدارات المدرسية، بعنوان كبير لم أر مثله من قبل في أي جريدة محلية: «تحت قبضة الرعب» ويشمل المقال أيضا قليلا عن حياة أولئك الذين قُتلوا. بدت تلك الصحيفة كأنها جريدة «نيويورك تايمز» في اليوم الذي أعقب هجمات 11 سبتمبر.

أخيرا، وبغض النظر إن كان هذا القناص هو نسخة محرّفة أم لا، فهو جزء من اتجاه عام بدأ يظهر بعد 11 سبتمبر .2001 وهذا الاتجاه هو الفقدان المتواصل لشعورنا بالأمن، وفقدان شعورنا السابق الذي كان يرى أنه مهما بلغ الجنون في العالم فإننا دائما قادرون على العودة إلى العش الأميركي الآمن. انتهاء ذلك الشعور الذي يقول «نحن هنا آمنون» حتى إذا كانت «هناك تعيش تنانين».

حسنا، بدأت أحاسيسنا تتماثل بين الداخل والخارج. فهناك قتلوا أحد مشاة البحرية الأميركية الذين يقومون بحماية حقول النفط الكويتية، أما هنا فانه حينما قمت بملء سيارتي بالوقود في أحد الأيام السابقة، اختبأت وراء عمود بحيث لا يستطيع القناص أن يشاهدني، أما الآخرون فاختبأوا في مقاعد سياراتهم الخلفية. وهناك يقوم صدام بإرعاب شعبه لكن هنا، أصبح أطفالي خبراء في التمييز بين العلامتين الحمراء والزرقاء اللتين تحددان درجة الخطر. فالعلامة الزرقاء تعني أنهم محبوسون في مدارسهم بسبب احتمال وجود قناص في المنطقة، أما العلامة الحمراء فتعني أنهم محبوسون في صفوفهم بسبب احتمال وجود القناص داخل مبنى المدرسة نفسها.

بصراحة، أنا لا أريد أن أسمع أي كلمة أخرى حول العراق منذ هذه اللحظة. فأنا أريد أن أسمع رئيسي وأعضاء الكونغرس قد اتخذوا الخطوات اللازمة في هذه المنطقة ابتداء من فرض السيطرة على الأسلحة وانتهاء بوضع سياسة اقتصادية رشيدة، لإيقاف انزلاق الداخل كي يصبح مثل الخارج.

 

نيويورك تايمز