صناعة الدمى المخيفة

 

 

 

نيكولاس كريستوف

 

 

يقوم الرئيس جورج بوش ونائب الرئيس ديك تشيني، بتصوير صدام حسين على أنه يمثل تهديدا ورعبا كبيرين، ما انفك يقض مضجعيهما لسنوات عديدة. لكن تشيني، باع للعراق معدات تفوق مبيعات أية شركة أخرى، حين كان مسؤولا عن شركة النفط هاليبورتون. وكما أوردت جريدة «فايننشال تايمز» في عددها الصادر يوم 3 نوفمبر 2000، فإن شركات على علاقة بهاليبورتون، عقدت مع العراق، عن طريق الأمم المتحدة، صفقات قيمتها 23.8 مليون دولار أميركي خلال عامي 1998 و1999، بموافقة لجنة العقوبات الاقتصادية الدولية.

دعوني اقول بوضوح ما حدث لم يكن عملا غير مشروع، أو غير أخلاقي. فقد كان تجارة مشروعة، تمت عبر مؤسسات مشتركة تكونت في إطار عملية دمج كبيرة ضمت الشركة المذكورة عام 1998. وتقول زيلما برانش، الناطقة بلسان الشركة، إن هذه المؤسسات التجارية المشتركة أنهت الالتزام بعقود قائمة مع العراق، من دون أن تسعى للحصول على عقود جديدة.

وهكذا فإن ما حدث لا يدل على عمل شائن أو على سوء تقدير فظيع، ولا يشبه عملية القبض على حاكم لويزيانا السابق، السياسي إدوين إدواردز، في السرير إلى جوار فتاة ميتة.

لكن، وأثناء بحثنا لمسألة خوض حرب مع العراق او عدم خوضها، من المفيد أن نتذكر كيف تتبدل الاجواء الخاصة برؤيتنا للأنظمة المارقة. فعدو الشعب الأول هذه الأيام هو هذه الحكومة التي ساهم تشيني عملا في تشكيلها قبل عامين من الزمن فقط.

بوضوح أكبر، إن للولايات المتحدة تاريخ طويل مع صدام، الذي لم تتغير طباعه العنيفة حتى اليوم، والذي كنا نحتضنه باعتباره دميتنا المخيفة. وخلال الثمانينات من القرن الفائت وفرنا لجيشه معلومات استخبارية جمعناها بالأقمار الاصطناعية، لكي يتمكن من استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الجنود الإيرانيين. وعندما استخدم صدام غازي الأعصاب والخردل ضد الأكراد، خلال عام 1988، سعت إدارة ريغان في بادئ الأمر للوم إيران. وخلال الفترة بين عامي 1978 و1988 بعنا للعراق سبعة أنواع من مادة الأنثراكس (الجمرة الخبيثة).

لكننا هذه الأيام، نعتبر العراق تهديدا حتميا لأسلوب حياتنا، بينما كنا قبل عامين فقط، ننظر إلى نظام الحكم فيه على انه مستبد لا يستحق حتى أن نقوم بقصفه. فما الذي تغير يا ترى؟

بالتأكيد لم يحدث التغيير في العراق، بل في أحاسيسنا الذاتية عقب الحادي عشر من سبتمبر.

وقد تساءل رعد القادري، الخبير لدى شركة «بتروليم فاينانس» في واشنطن: «ما الذي يدفع الأمور بهذا الشكل؟ من المؤكد إن الأمر لا يتعلق بتحرش عراقي. فلديكم نظام حكم هناك لم يجرؤ على رفع رأسه منذ فترة. ويبدو لي ان الأمر على علاقة بمسائل داخلية في الولايات المتحدة».

نحن بحاجة لأن نشعر بالقلق لكوننا لا نمارس أحدث أساليب الوحوش وحس، فقد شعرنا بأن إيران مثلت تهديدا خلال الثمانينات، ولذلك لم نأبه بالعراق. وقد دفعنا التهديد السوفياتي لتدليل الأصوليين الإسلاميين أمثال أولئك الذين يسعون للتخلص منا الآن.

وفي عام 1994، تغير مصطلح التهديد، ومارس الصقور ضغوطا هائلة من أجل مواجهة عسكرية مع كوريا الشمالية، حتى أننا كنا على شفا حفرة من الحرب مع تلك الدولة، في نزاع أشارت دراسة لوزارة الدفاع إلى أننا كنا سنقتل خلاله مليون شخص، بمن فيهم مائة الف أميركي.

وبالتأمل في ما حدث، يتضح أن الصقور كانوا مخطئين بشأن المواجهة مع كوريا الشمالية، فسياسة الاحتواء والردع أتت ثمارها حتى الآن، كما هو الحال، إلى حد ما، بشأن كبح جماح العراق خلال الأعوام الاحد عشر الماضية، حيث أنقذنا الاف الأرواح بمواصلة ضغوطنا المتعلقة بالحلول الدبلوماسية.

ولو أنفقنا الأموال في تحريات نفاقية وتحري الجمرة الخبيثة لأصابهما الطنين. فعلى سبيل المثال يسعى الجمهوريون لهزيمة عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي تيم جونسون من ساوث داكوتا بنشرهم لإعلان يضمه مع صدام حسين.

وعندما كنت في العراق أخيرا وكتبت من هناك، تخيل عدد من القراء الأشرار إنني سأبقى هناك للأبد: وربما انهم كانوا سيفلحون في تحقيق أمنيتهم، لو أنهم تمتعوا بالمكر الذي يجعلهم يبعثون برسائل بريد الكتروني فياضة يشكرونني فيها على تجسسي البارع، بحيث يوقع عليها جورج تينيت.

واقع الأمر انه لا تيم جونسون ولا أي كاتب أعمدة حريص على حياته، ساند في يوم من الأيام حكومة صدام حسين، كما فعل نائب الرئيس تشيني ـ بشكل مشروع تماما ـ خلال عامي 1989 ـ 1999. وقبل أن نستعد للحرب، نحن بحاجة الى نفس عميق، والتأكد من أننا فعلنا ذلك، حتى نتغلب على تهديد حقيقي ودائم، وليس على تهديد نتخيله ونحن في خضم معاناتنا المتعلقة بالحادي عشر من سبتمبر.

الوحوش السابقة، مثل ليبيا وكوريا الشمالية وإيران، أثبتت انها على الأقل قابلة للتغيير، وإن لم تكن قد تخلصت مما يخيفنا منها، وانها باتت اليوم أقل رعبا مما كانت عليه. والتهديد العراقي، الذي نبدو الآن مستعدين للتضحية من أجل القضاء عليه بأرواح مئات الالاف من الضحايا الأميركيين، كان قبل أعوام معدودة، مجرد نظام مستبد حصل تشيني، الرئيس التنفيذي للشركة، على مكافآت لمبيعاته له.

 

نيويورك تايمز