كيفية التعامل مع شر العراق «الفريد»

 

 

 

بقلم : جيم هوغلاند

 

من الصواب القول إن الخطابات الثلاثة الهامة التي القاها الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني طوني بلير أخيرا بشأن العراق، لم تتضمن «جديدا» يذكر. صواب ذلك، لكن لا علاقة له بالقضية. فالمعلومات ليست محددة الاستخدام بتاريخ ما. والظروف المتغيرة تجعل الحقيقة ذات جدوى حتى لو انتهى أوانها.

فالخلط بين العاجل والأهم لم يعد يحتمل المخاطر على الدوام في عالم الصحافة اليومية وفي الشؤون المتعلقة بعام الانتخابات. وفي ما يتعلق بالعراق يبدو ان العالم قد تجاوز حدود المألوف. فمع تركيز بوش وبلير على قائمة الأفعال الشريرة التي ارتكبها النظام البعثي في بغداد، لم يبرز صوت نزيه مثقف ليواصل القول: «إننا لم نكن على علم بذلك» أو ليتساءل قائلا: «وما علاقتنا بهذه المسألة؟».

وكما قد تستمع من محلل خبير في الوثائق عالية السرية تابع لوكالة المخابرات المركزية، أو من أخصائي نفسي، فإن المعرفة تعد ذات أهمية ليس فقط عندما تصبح متوفرة بل متى ما توفرت لدى الجمهور القدرة على استيعاب المعلومة والتصرف وفقا لها.

لقد غرق رئيسان سابقان للولايات المتحدة في التجاهل بدلا من التعامل مع العراق بحسم. وقد أدى يوم 11 سبتمبر (أيلول) من عام 2001 إلى إزالة ترف الحاجز النفسي لدى جورج دبليو بوش ولدى الشعب الأميركي.

كان الرؤساء الذين سبقوا بوش قد تجاهلوا الجرائم التي أرتكبت ضد الأكراد، ولم يأبهوا بتحدي العراق لقرارات الأمم المتحدة بشأن أسلحة الدمار الشامل، أو برعاية الارهاب، أو بما اشتملت عليه شروط وقف إطلاق النار السخية، التي فرضتها الولايات المتحدة عقب نهاية حرب الخليج الثانية، أو بغيرها من الأشياء التي وصفها بوش بشكل دقيق يوم الاثنين الماضي بأنها سجل العراق «الفريد» من الشر. وحتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر، يبدو ان بوش وحكومته ظلوا قادرين أيضا على الجدل بشأن المعلومات المتوفرة عنها من العراق بشكل أو بآخر.

فوزير الخارجية كولن باول، على سبيل المثال، قلل علنا من أهمية ما تضمنه مقال صحافي للكاتب نشر أوائل العام الماضي حول تصاعد وتيرة القذائف الموجهة للطائرات الأميركية والبريطانية التي تشرف على مناطق الحظر الجوي. ويوم الاثنين الماضي استدل الرئيس بهذه القضية وهو يعزز موقفه ضد العراق.

ويبدو ان تحولا كبيرا أصاب موقف واشنطن الرسمي منذ أن قرر الرئيس خلال الصيف الماضي بأن عليه الاستعداد في أقرب وقت لخوض الحرب ضد العراق. كما ان محاولات المسؤولين العلنية بشأن إغفال أو التقليل من أهمية المعلومات الخطيرة حول العراق، باتت عديمة الجدوى إلى حد كبير، أو اتخذت طابعا سريا، على الرغم من ما تواجهه وكالة المخابرات المركزية من أعمال مضادة. فهناك الآن إجماع على اهمية حشد المعلومات والقدرة على تحليلها لصالح القضية بدلا من أن يتسببا في إفشالها.

بوضوح أكثر، يعد هذا استخداماً سياسياً للمعلومة ـ لا أكثر ولا أقل، تماما كما كان الحال خلال مرحلة التجاهل والارتباك التي مضت. فالرئيس بوش استخدم المعلومات بشكل واضح خلال خطاب الاثنين الماضي من أجل تحريك الأمة وجعلها تواجه تحديا لا يقل خطورة عن كوننا «على إطلاع بالأمر إلى حد كبير»، كما وصفت جريدة «نيويورك تايمز» ما طرحه بوش في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي.

وكان على وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية، اللتين اعتادتا القلق وعدم الاكتراث من كمية المعلومات الهائلة المتوفرة حول صدام حسين وحول جرائمه التي كشف عنها أعضاء في المؤتمر الوطني العراقي ـ المعارض، أن تستمعا للرئيس مساء الاثنين، وهو يشير إلى معلومات متكاملة داخلية وفرها التنظيم العراقي، تم طرحها خلال السنوات الماضية من قبل وسائل الاعلام، والحكومة و دوائر البحث، ومن قبل كتبة الخطابات الماهرين العاملين ضمن طاقم بوش.

عندما وصف بوش بشكل صحيح الرجل الذي يعرفه جميع العرب بصدام بأنه «تلميذ ستالين الذي يستخدم القتل كأداة للرعب والسيطرة في أوساط حكومته، وفي أوساط جيشه وحتى في أوساط عائلته»، فإنه كان ينطلق من ما طرحه أحمد شلبي وكنعان مكية وغيرهما من العراقيين الذين ظلوا يروون للغرب ولعقود عديدة حكايات عن رعب لا يصدقه البعض ـ وهي روايات ثبت مع مرور الوقت انها لم تحظ بالاهتمام المطلوب.

ليست الحكومة هي المؤسسة الأميركية الوحيدة التي ظلت تراقب العراق من خلال نظارة سوداء لعقد من الزمن أو أطول من ذلك. وكما قال محرر في «واشنطن بوست» موجها حديثه للكاتب خلال عام 1998 «بالتأكيد إنك كتبت الكثير حول العراق». وقد اعتبرت الأمر مجرد مجاملة غير مقصودة من زميل لم يكن يرغب حينها في تخصيص مساحة إضافية لطغيان صدام حسين. لكن ماطرحه الرئيس بوش أتاح المجال لمساحات أخرى إضافة لوقت إضافي تخصصه وزارة الدفاع للعراق.

ساحة المواجهة المعلوماتية تعد المرحلة الأولى الحيوية للحرب في عصر التقنية الحديثة. وتلك كانت حقيقة في كوسوفو وفي البوسنة. وربما ان الأمر أكثر حيوية منذ أن برزت هجمات القاعدة التي استهدفت الولايات المتحدة خلال أجواء العمى التي أصابت فشل المحيطات وفشل الردع وفشل الآمال التي كانت تقول إن ترك الخلايا النائمة وشأنها قد يحمي الأميركيين من الرعب.

المعلومات حول عراق صدام حسين التي جمعها بوش وبلير وقدماها لدولتيهما قد لا تشمل كل ذلك «الجديد». لكن المعرفة التي استنتجاها منها تعد آنية، وكما يقولون، تعد عاجلة.

 

واشنطن بوست