مخاوف واشنطن يجب ألا تكون سببا للحرب

 

 

 

بقلم : هارولد ميرسون

 

هل سبق لقرار بإعلان الحرب، أو حتى بما يوازيه عمليا، ان اتخذ عقب مناقشات اتسمت بالكثير من عدم الشفافية؟ هذا الطرح لم يأت لأننا لم نستمع لخطابات معارضة غير حماسية من مجلسي النواب والشيوخ خلال الاسبوع الماضي، عندما منح الكونغرس الرئيس بوش ما أراد من الصلاحية لشن الحرب ضد العراق. فقد أثار منتقدو سياسة الحكومة الحالية الشكوك بشأن التهديد الذي يمثله العراق، وبشأن انشغالنا عن حربنا ضد تنظيم «القاعدة»، وبشأن حكمة ومدى ملاءمة سياسة الضربة الاستباقية بحد ذاتها. كما ان روبرت بايرد الذي ينتمي لويست فيرجينيا كرر الى حد كبير ما فعله صغير فرانك كابرا السيد سميث.

فالمشاعر العاطفية الخفية بشأن قضية العراق ظلت الى حد كبير غائبة عن المناقشات التي شهدتها هذه الأمة مبكرا بشأن الحرب والسلم، وهي بالتأكيد مسألة لم تلعب دورا يذكر خلال الجدل المتعلق بحرب فيتنام. وتلك المشاعر ـ التي عبر عنها البعض في الكونغرس، و بشكل أكثر أهمية، في أنحاء البلاد ـ مرتبطة بالخوف، وقد تمكن الرئيس بوش من استغلالها ببراعة.

ففي خطابه الذي القاه ليلة الاثنين واستعرض فيه موقفه من نظام حكم صدام حسين، تسلسل عبر مشاعر الخوف تلك وقال: «لقد شعرت أميركا يوم 11 سبتمبر (أيلول) من عام 2001 بمدى تعرضها للخطر حتى من تهديدات تتشكل في الجانب الآخر من الكرة الأرضية». ولقد خصص معظم خطابه لاستعراض كيف ان العراق يشكل واحدا من تلك التهديدات، حيث كرر أكثر من مرة الحديث عن هجوم «القاعدة» من أجل تعزيز موقفه.

لقد طرح بوش سؤالا لم تتمكن حكومته حتى الآن من التعامل معه الا وهو «لماذا نحتاج لمواجهة (التهديد العراقي) الآن؟» وقال: «هناك سبب لذلك. فقد مررنا بتجربة رعب الحادي عشر من سبتمبر».

ارتكز طرحه على انه طالما أمكن لـ«القاعدة» ارتكاب تلك الفضائع، فقد يستطيع العراق، الذي يمتلك أسلحة الدمار الشامل، والذي يسعى لامتلاك المزيد، ويرعى جماعات ارهابية، ومكن بعض أعضاء «القاعدة» من طرق أبواب بغداد، و.. و.. و، أن يفعل ذلك.

وكما يمكن أن نلاحظ، فلدى الرئيس الكثير من النقاط. وهو بحاجة للكثير منها، لكنه يفتقد لنقطة واحدة يمكن أن تثبت ان العراق يشكل بالفعل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة ولدول منطقة الشرق الأوسط المجاورة له. وكما كشف تقييم وكالة المخابرات المركزية الذي كشف النقاب عنه اخيرا، بوضوح، فان صدام حسين لم يثبت ميولا أو مقدرة واضحة على القيام بالأشياء التي عقدنا العزم على منعه من القيام بها ـ ما لم نهاجمه لمنعه من فعل ذلك.

وهكذا فالتهديد العراقي ليس هو ما تغير كثيرا منذ الحادي عشر من سبتمبر، فصدام ما يزال مرعبا، ويمكن في الوقت نفسه احتواؤه. الولايات المتحدة هي التي تغيرت، وأصبحت أمة لم تعد تشعر بالحصانة بعد اليوم. هذه الأيام، عندما نفكر بأمننا القومي، يذكرنا انهيار برجي مركز التجارة العالمي تلقائيا بنفسيتنا القومية. لقد أصبح كابوسا دائما يؤثر احتمال تكراره ـ أو في حالتنا هذه يلقي بظلاله ـ على حكمنا على الحاضر.

وعلى وجه الخصوص، لقد جعل الحادي عشر من سبتمبر مهمة معارضي سياسة الادارة الحالية المتعلقة بطرح انه يمكن احتواء العراق وردعه، أكثر صعوبة، ليس بسبب استحقاقات القضية، بل لأنه من السهولة بمكان جعل الطرح المتعلق بالاحتواء يبدو بأنه صورة حديثة تشبه سياسة ميونيخ للتهدئة، بغض النظر عن سياسة الاحتواء التي أتبعت طوال 45 عاما، والتي أدت في نهاية المطاف الى انهيار الاتحاد السوفياتي، وبغض النظر عن كون العراق ليس جماعة ارهابية يمكن أن تلجأ للتلال، وانها دولة ذات أمة، بل انها التلال بحد ذاتها. وانها يمكن أن تعاني من انهيار مؤكد كما حدث للاتحاد السوفياتي، وان هذا الدمار لن يكون مشتركا. وبغض النظر أيضا، عن امكانية تحريك عمليات تفتيش مواقع أسلحة الدمار الشامل العراقية المشتبه فيها بفعالية.

وهكذا فان معارضي توجه بوش ابتعدوا الى حد كبير عن واحدة من أقوى نقاط طرحهم: الا وهي تلك المتعلقة بأن احتواء العراق ظل ممكنا ويمكن أن يؤتي ثماره. ولو حصل هؤلاء على تقييم وكالة المخابرات المركزية المتعلق بقدرات العراق وبنياته في وقت مبكر، لكان الجدل بشأن هذه المسألة قد اتخذ منحى مختلفا. لكن التشكيك في هول التهديد العراقي، حتى مع توفر الدليل بأن قوة العراق العسكرية قد وهنت منذ حرب الخليج، بدا بدون شك عملا يحمل في طياته مغامرة كبيرة، بدون الحصول على شهادة كتقرير وكالة المخابرات المركزية الذي استغرق 11 ساعة.

وعلى أية حال، ومع ذلك، فان فشل بوش في عرض قضية مقنعة منح عدداً من النواب الديمقراطيين مزيدا من الحرية للاعراب عن قناعتهم وعن تقييمهم للأمر بشكل تجاوز توقعات الجميع. (فنسبة 61% منهم عارضوا القرار، اضافة الى 21 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ). وتبرز اهمية تصويت العديد من المشرعين ضد النصيحة المشتركة التي تلقوها من مستشاريهم السياسيين، والذين أشاروا عليهم بأن يقفوا الى جانب الرئيس بغض النظر عن أي شيء آخر، باعتباره مشهدا يشد الأزر. والسؤال هنا متعلق بما اذا كان هؤلاء المشرعون سيظلون قادرين على التمسك بموقفهم المعارض لأمد طويل.

لم تكن زعامة الحزب الديمقراطي قد تبنت بشكل واضح موقفا معارضا لادارة بوش حتى قبل أن يبدأ البيت الأبيض بدق طبول الحرب خلال هذا الصيف. فقد سبق لزعيمي مجلسي النواب ديك جيبهارت وتوم داشل الاعلان بالفعل عن أن الحرب، وتخفيض بوش للضرائب، مسألتان عارضتان، وان حملة نوفمبر (تشرين الثاني) الانتخابية سترتكز حول المحافظة على الضمان الاجتماعي، وهي مسألة ذات أهمية في استطلاعات الرأي، خاصة اذا قرر أولئك الذين تقل أعمارهم عن 65 عاما عدم الادلاء بأصواتهم في الانتخابات.

وجه السخرية هنا يتمثل في انه بينما كان اليمين الجمهوري قد انغمس في التحلل من ارث فرانكلين روزفلت المتعلق بالشؤون المحلية، هاهي الادارة الحالية تشن هجوما مفاجئا وشاملا ضد تراث الحزب المتعلق بالسياسة الخارجية: بمؤسسات ومواصفات العولمة المتحررة التي وضعت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. فاستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، التي كشفت عنها هذه الادارة تلقائيا مع تبنيها المبدأي لقرار الحرب تقريبا، تنشد نظاما عالميا أكثر حداثة من ذلك الذي تنبأ به الرئيس جورج بوش الأب في عام 1991 انه عالم تبرز فيه الولايات المتحدة النموذج وفارض كل شيء بالنسبة لكوكب الأرض، عالم تمنح الولايات المتحده فيه لنفسها حق التدخل الوقائي ضد أية قوة تعتبرها تهديدا.

وربما ان هناك القليل في استراتيجية الأمن القومي مما لم يؤمن به صقور الادارة أمثال نائب وزير الدفاع بول وولفويتز لسنوات عديدة. لكن من الصعوبة بمكان تخيل أن تجرؤ الادارة على تقديم وثيقة كتلك التي لم يتم الكشف عنها قبل الحادي عشر من سبتمبر (ايلول). وبالتأكيد ان عدم تبني سياسة الردع كنهج للدفاع خلال القرن الماضي، كان نتيجة مباشرة لهجمات تنظيم «القاعدة» ـ على الرغم من عدم الاجابة على السؤال المتعلق بسبب عدم امكانية أن تؤتي سياسة الردع ضد الأمم ثمارها مستقبلا.

هناك حاجة ماسة لحوار شامل بشأن رؤية بوش المتطرفة للسياسة الخارجية ـ حوار، كما يبدو، بشأن احساس أميركا بنفسها. وبالفعل فان رؤية الادارة الحالية للعالم بأنه مظلم، ومكان مليء بالعفاريت ـ يمكن للولايات المتحدة وحدها أن تضيئه ـ تتطلب من الديمقراطيين أن يقوموا اما باعادة التأكيد على بعض المبادئ الأولى أو باعادة صياغتها.

أشياء قليلة بخلاف الحرب قد تؤدي الى مثل هذا الحديث البديهي. فالحرب الاسبانية ـ الأميركية كانت مصاحبة لنقاش قومي غير عاطفي بشأن مدى ملاءمة أن نسيطر على مستعمرات وبشأن مدى اختلافنا عن القوى الاستعمارية في أوروبا. كما ان الجدل بشأن حرب المكسيك كان جزءا من نزاع استمر لعقود بين الشمال والجنوب. وما يزال الانقسام بشأن فيتنام حاضرا حتى اليوم في وعينا القومي.

والفرق بين تلك المناقشات وما يدور هذه الأيام هو مشاعر الاحساس بعدم الأمان التي تمر بها أميركا في الوقت الحاضر. لكن لو أصبحت مشاعر الضعف تجاه الارهاب اطارا لاستعراض قوة أميركا تجاه دول قد لا تكون معتدية، أو لا تشكل تهديدا محتوما، فسنكون قد أصبحنا شيئا شبيها بقوة استعمارية ظل خصومنا يزعمون منذ وقت طويل بأننا نمثلها.

وبغض النظر عما سيحدث خلال الأشهر المقبلة، فان على أولئك الذين عارضوا قرار الحرب (اضافة الى بعض أولئك الذين أيدوه، كما أتوقع) أن يبذلوا قصارى جهودهم من أجل أن يصبح العالم محكوما بشيء ما يتميز بمزيد من السياسة والاقتصاد والأخلاق ـ وبحد أقل من الشعور بالضعف ـ لا بالقوة الأميركية بمفردها.

 

 

واشنطن بوست