شيء من الثقة بين واشنطن وبرلين تبدد

 

بقلم : هنري كيسنجر

         - وزير الخارجية الاميركي الأسبق

 

 

تواجه العلاقات الألمانية ـ الأميركية أزمة بسبب الطريقة التي جرت بها إدارة حملة الانتخابات الألمانية من جانب الحزب الحاكم. فقد كانت للحلفاء الآخرين تحفظات حول السياسة الأميركية بشأن العراق، غير أنه ما من أحد اختار طريق المجابهة.

وسبب هذا التدهور المفاجئ سبب معقد. فالبعض ينسب التحول المفاجئ وغير المتوقع للسياسة الالمانية الى النفعية الانتخابية. غير ان دوافع المستشار غيرهارد شرودر ليست هي القضية. ذلك انه من الواضح ان الحملة المعادية لاميركا توجهت الى جمهور انتخابي كبير بما يكفي لتحويل هزيمة شرودر المتوقعة الى نصر. ومن هنا فإن نمطا من نزعة معاداة اميركا ربما يصبح سمة دائمة من سمات السياسة الالمانية.

وهذا مؤلم، على نحو خاص، بالنسبة لنا نحن الذين رعينا، بنشاط، ما نعتبره واحدا من اكثر الانجازات مدعاة للفخر في السياسة الخارجية الاميركية في فترة ما بعد الحرب: عودة المانيا الى المجتمع الدولي كعضو أساسي يتمتع بالمساواة والاحترام. وقد كانت رحلة ميزها جسر برلين الجوي، وخطة مارشال، ودعم عضوية المانيا في حلف شمال الاطلسي (الناتو) والمجموعة الاوروبية، والتعاون الوثيق في أزمتين اخريين واجهتهما برلين، الدعم الأميركي (الذي تجاوز الشكوك الاولية) للتسوية الالمانية مع الشرق (أي سياسة المانيا الخارجية تجاه الكتلة الشيوعية)، والزعامة الاميركية في التوصل الى اتفاق على الدخول الى برلين، واخيرا الدعم الاميركي اللامشروط لتوحيد المانيا، على الرغم من تردد حلفاء آخرين، ناهيكم من الاتحاد السوفياتي. وكانت مساهمة المانيا القرار الشجاع في تأجيل التوحيد عندما عرضه ستالين مقابل رفض المانيا للناتو، وقرارها، بدلا من ذلك، ربط مستقبلها بالوحدة الاوروبية والشراكة الاطلسية.

ولم تمنع هذه الصياغة للمصير المشترك وجود اختلافات بين حين وآخر في ما يتعلق بسياسات معينة. ولكنها استندت، حتى الآن، الى تفسيرات مختلفة وردود فعل على المصالح المشتركة التي لا يمكن الارتياب بها.

وهذا يفسر الصدمة عندما تحولت قضية السياسة الاميركية تجاه العراق، على نحو مفاجئ، وبدون تحذير او تشاور، الى قضية انتخابية. فقد رفضت مشاركة المانيا في نزاع عسكري مع العراق، وحرم استخدام قواعد المانية، حتى في حالة دعم هذا الخيار من جانب الامم المتحدة، وأيا كان قرار الاعضاء الآخرين في الاتحاد الاوروبي او الناتو. وقد اعلن هذا الرفض الدراماتيكي تحت اسم «الطريق الالماني» المزعوم، على الرغم من انه لم يجر طلب او حتى احتمال طلب لمشاركة القوات المسلحة الالمانية. وترافقت هذه السياسة مع نقد حاد لخطاب القاه نائب الرئيس تشيني وما سمي بالاساليب الانفرادية للرئيس جورج بوش.

وفي هذا المناخ تحولت كلمة «اميركي» بين حين وآخر، الى نعت حتى عندما طبقت على السياسات الاقتصادية الداخلية الاميركية. ان مقارنة الاساليب الداخلية للرئيس بوش بأساليب هتلر من جانب وزيرة في الحكومة كانت انحرافا، لكنها نشأت من خلال مزاج جرت رعايته قصدا. فقد قارن مسؤول بارز في الحزب الديمقراطي الاجتماعي السفير الاميركي بأبراسيموف، المندوب السوفياتي الخاص في المانيا الشرقية. ووصف آخرون السياسات الاميركية باعتبارها سياسات قيصرية. واستمرت حالات انعدام الحساسية مقابل الحساسيات الاميركية بعد الانتخابات عندما وصف وزير الدولة في وزارة الخارجية الالمانية كلاوس شاريوت، المعين حديثا، المبدأ الاستراتيجي الاميركي الجديد الذي حدده البيت الابيض باعتباره يذكر المرء بمبدأ بريجنيف.

وتجلى تأثير هذه الحملة على الناخبين الالمان عبر حقيقة ان معارضة شرودر، وهي الاتحاد المسيحي الديمقراطي المؤيد تاريخيا لاميركا، لم تتجرأ على دحض الهجوم فعلا. وعلى الرغم من انها حذرت من القيام بحملة انتخابية على اساس الهجوم على حليف المانيا الاقوى، فانها عبرت، على مضض، عن توافقها مع رفض التعاون العسكري واستخدام قواعد الناتو العسكرية الموجودة في المانيا. ويشير هذا الى ان اسباب الانقسام الحالي تعود الى ما هو اعمق من النفعية الانتخابية والانفراد الاميركي والاختلاف بشأن السياسة تجاه العراق.

لقد ازال انتهاء الحرب الباردة المخاوف من الخطر المشترك. فلفترة اربعة عقود عاملت الحكومة الالمانية التحالف الاميركي باعتباره قضية اساسية بالنسبة للأمن الالماني والشرعية السياسية لالمانيا الجديدة. ولا نجد ايا من الشرطين، على نحو مماثل، في الوقت الحالي. فليس هناك احساس بخطر داهم، ولم تعد المانيا تشعر، عن حق، بالحاجة الى دفع ثمن لحماية شرعيتها. وهكذا اصبحت قضية العراق ذريعة لاعادة توجيه السياسة الخارجية الالمانية في اتجاه اكثر قومية.

ان الجيل الذي اسس العلاقة الالمانية ـ الاميركية جيل يمضي بعيدا عن المشهد. ففي الجانب الاميركي جاء افراده من المؤسسة الشرقية، ممتزجا من ناحية ببعض المهاجرين. وشكلت كلتا المجموعتين علاقات شخصية مكنتهما من فهم الازمة الروحية التي تحركت المانيا عبرها، وكانوا واثقين من الآفاق الايجابية الكبيرة للشعب الالماني.

وفي الجانب الالماني ابتعد زعماء فترة ما بعد الحرب، بوعي، عن ماض كانت المانيا قد تخطته، جزئيا نتيجة النزعة الاستبدادية، ولكن حتى قبل ذلك بسبب عجز عن تثبيت الاولويات القومية التي تربط الاهداف الالمانية بقدراتها. ورأى ذلك الجيل الالماني هدفه الاساسي متمثلا في تأسيس سمعة للثقة والاستقرار في اطار اوروبا والتحالف الاطلسي.

اما الزعماء الجدد الذين برزوا في كلا جانبي الاطلسي فلم يتقاسموا تجربة الحرب واعادة البناء في فترة ما بعد الحرب. فهم اما غير منشغلين بالمخاطر الخارجية، او انهم يعتقدون انهم قادرون على التعامل معها على نحو انفرادي. ويركز التحالف الاطلسي، الذي كان، ذات يوم، المحور المركزي لصنع السياسة، على توسيع عضويته ـ بما في ذلك الخصوم الحقيقيون السابقون ـ وبالتالي على توسيع حدوده دون اعادة تحديد الغرض. وفي الولايات المتحدة انتقل محور الجذب السياسي الى مركز البلاد، المنطقة التي لا يتمتع زعماؤها بعلاقات شخصية واسعة مع اوروبا، وليست لديهم خبرة بتحدياتها اوسع من خبرة سابقيهم الذين خلقوا بنية ما بعد الحرب. وهم في السلطة في ولايات متحدة تتمتع بتفوق عسكري اكيد، وقد كيفوا طريقتها في معالجة التحالفات.

وباعتبارها ضحية الحادي عشر من سبتمبر والقوة العسكرية المهيمنة، فإن اميركا تشعر بأنها مسؤولة عن الامن العالمي. اما في اوروبا فيجري التركيز على القضايا السياسية الداخلية اكثر من القضايا الدولية. ويقضي الزعماء الاوروبيون قدرا كبيرا من وقتهم على تقنيات توحيد اوروبا ـ وهو موضوع لا يخلو من ألغاز بالنسبة لمعظم الزعماء الاميركيين. ان التركيز على الترتيبات البيروقراطية والدستورية والشرعية يتناقض مع ولايات متحدة تؤكد شخصيتها الاستثنائية، وقابلية تطبيق مؤسساتها على بقية دول العالم.

ويجري تحدي المانيا بهذه الحقائق بأسلوب حاد تماما. فقد حققت الوحدة القومية في وقت متأخر بالمقارنة مع اي بلد اوروبي، واكتسبت ابعادها وبنيتها الحالية قبل ما يزيد قليلا على عشر سنوات وحسب. ولهذا فان تقاليدها في السياسة الخارجية هي اقل بالمقارنة مع الدول الرئيسية الاخرى في اوروبا الغربية. ان مشاكلها الداخلية اكثر حدة. ويحكمها تحالف اكتسب زعماؤه خبرة تكوينهم عبر الاحتجاج ضد السياسة الاميركية في فيتنام، بل وشاركوا في بعض اطواره الاكثر عنفا. وفي اوائل فترة ما بعد الحرب ايد حزب المانيا الحاكم، الحزب الديمقراطي الاجتماعي، الوحدة مقابل الناتو، واطاح بأحد المستشارين، وهو هيلموت شميدت، لأنه كان مستعدا لوضع صواريخ الناتو على الاراضي الالمانية، وعارض شريكه في الائتلاف، حزب الخضر، كل الاواصر العسكرية مع الغرب الى ان دخل في الحكم.

ومن المؤكد ان الزعامة البعيدة النظر في كلا الحزبين المتحالفين مكنتهما من الحكم ببرامج تدعم الاواصر الاطلسية ان لم يكن بحماس فعلى الاقل وفقا للتقييم الواقعي. غير انها تركت بقايا من الجناح اليساري في كل حزب يمكن تعبئتها، بسهولة، عبر اغراء النزعة التقليدية المعادية لاميركا، خصوصا عندما تمارس الحكومة هذه الانتقادات.

وقد تشكل هذا الوضع عبر الشرط السيكولوجي الخاص للجزء الشرقي من المانيا. فقد تحررت المانيا الشرقية عبر الضغط الغربي، وكذلك عبر افعال مقاومتها الداخلية الخاصة. وجرت اعادة بنائها الاقتصادي تحت رعاية المانيا الغربية. ونتيجة لذلك فان سكان المانيا الشرقية لا يشعرون بفخر كبير بالانجازات الاقتصادية، وهم اكثر وعيا بالبطالة المتبقية، واقل ارتباطا بالغرب من سكان بولندا او جمهورية التشيك او هنغاريا التي تميل، وهي اكثر خشية من روسيا، الى الولايات المتحدة. لقد انتقلت المانيا الشرقية من النازية الى الشيوعية بدون اي تجربة في الديمقراطية. ويميل سكانها الى تصوير انفسهم كضحايا للتاريخ، والى حد ما للنزعة العالمية الغربية. انها ليست على علاقة حميمة مع وجهات النظر الاستراتيجية او الجيوسياسية الغربية، وهي تسعى الى امنها بنزعة اخلاقية تجريدية تميل نحو اللاعنف الذي يمكنها من الاحساس بالتفوق الاخلاقي على حليفها القوي. وهكذا فانه في نهاية الحملة الانتخابية الالمانية ربما يكون هامش النصر قد توفر عبر مزيج من نزعة اللاعنف، والنزعة القومية اليسارية واليمينية، واستثارة طريق الماني محدد يذكر بالمانيا البروسية. ذلك انه اذا ما تمكنت المانيا من تحدي الولايات المتحدة، ورفض وجهات نظر الامم المتحدة، والتصرف بدون مشاورات مع دول اوروبا الاخرى باسم «الطريق الالماني» ـ «صنع في برلين» حسب كلمات المستشار ـ فان العزلة التي توحي بموقف اقوم اخلاقيا من مواقف الآخرين تشير الى المانيا، وعودة الى ظروف ما قبل الحرب العالمية الاولى بالنسبة لاوروبا.

وقد لخص خبير السياسة الخارجية كارستين فويغت، المسؤول عن العلاقات الاميركية في وزارة الخارجية الالمانية، هذا الموقف الجديد بالقول «اننا نقوم بما هو مفهوم بالنسبة لنا. ونحن لا نقوم بما لا نتفق مع جوهره». ولكن السياسة الخارجية نادرا ما تسمح بمثل هذه الاختلافات المطلقة. وما من بلد يجب ان يطلب منه ان يتصرف على الضد من مصالحه او افكاره البديهية. ولكن يجب عليه ألا يمارس سياسة خارجية لا تسمح بوجهات نظر المجتمعات الاخرى ـ لا سيما مجتمعات الحلفاء القريبين ـ خصوصا عندما يقع في قلب القارة.

وهكذا فان الطريق الالماني المعلن ذاتيا هو تحد ليس للولايات المتحدة فحسب، وانما لاوروبا ايضا. وهو يدل على نهاية لقبول الزعامة السياسية الفرنسية في الشؤون الاوروبية، وهو ما كان سمة تميز السياسة الالمانية قبل التوحيد. انه يطرح مسائل المطالبة بالزعامة الاوروبية، ربما بالتعاون مع روسيا، مما يشير الى بعض الافكار البروسية في القرن التاسع عشر. كما يطرح مسائل حول وجهة التحالف الاطلسي الموسع. ان المانيا من الاهمية بالنسبة لاوروبا واميركا بحيث انه لا يمكن الا العمل على التغلب على التوترات الحالية. ولكن هناك حاجة للاعتراف بأن الانقسام ليس صدفة، ولا يمكن معالجته بالتظاهر بامكانية التغلب عليه على اساس العلاقات الشخصية.

ان الخطط المختلفة المطروحة في وسائل الاعلام الالمانية، والتي يمكن بواسطتها لالمانيا ان تعوض عن ادارة الحملة عبر مساهمات مالية، مثل تقديم الاموال لاعادة البناء المدنية في افغانستان، تقف الى جانب هذه النقطة. ولا ينبغي على الولايات المتحدة ان تبذل اي جهد لاستخدام المانيا في سياستها الخاصة بالعراق. فتلك القرارات يجب ان تترك الى برلين بدون ضغط او اقناع. وسيخلق المناخ الدولي ما يكفي من الاوضاع، حيث يمكن لكلا الطرفين اختبار قدرتهما على تطوير طرق معالجة مشتركة ليس في الشرق الاوسط فقط ـ خصوصا ان المانيا ستتولى رئاسة مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة في فبراير (شباط) المقبل. ان طريقة معالجة حكيمة وواقعية من الطرفين يجري التعبير عنها واظهارها. وليس هناك معنى في الاتهام المضاد، ولكن ليس هناك معنى ايضا في انكار ان شيئا من الثقة قد تبدد.

ان جهدا كبيرا يجب ان يبذل للتعامل مع الظروف التي انبثق عنها المزيج المتفجر لفترة الانتخابات الالمانية. ويجب على كل طرف ان يعامل بجدية اهتمام الطرف الآخر في ما يتعلق بنزعة الانفراد. وعليهما ان يحاولا الاجابة على القضايا الاساسية لتوجه التحالف الاطلسي وعلاقات اوروبا واميركا، وتحديد الطريق الالماني الذي يستخلص الدروس المناسبة من التاريخ.

خلال القرن العشرين انقسم الغرب بشأن قضايا تدور حول المانيا. وامام الولايات المتحدة وحلفائها والحكومة الالمانية الجديدة تعهد بتكريس طاقاتهم لضمان ان لا يعيد التاريخ نفسه.

 

لوس انجليس تايمز