من داخل العراق: المهمة المستحيلة للصحافة العالمية

 

 

 

بقلم :فريدا غيتيس

 

لاشك ان مبنى وزارة الاعلام العراقية يبدو هذه الأيام مزدحما بأعداد من مندوبي وسائل الاعلام الدولية. بعدما قررت بغداد أن تسمح لأعداد هائلة من الصحافيين بدخول البلاد، أملا في أن يحظى موقفها بتغطية عالمية. لكن إذا ما أردنا الاشارة إلى محاولات التأثير على أداء وسائل الاعلام، فسنجد إن القلة فقط يتبعون إسلوب نظام صدام حسين الفظ.

فالحصول على تأشيرة دخول الأراضي العراقية يرافقه تحد مزدوج الأعباء: إذ يتوجب على الصحافيين التصرف بحذر وهم يغطون الأنباء من هناك، ويتوجب على جمهور وسائل الاعلام في انحاء العالم أن يأخذوا في الاعتبار العوائق التي تتحكم في صياغة ما يشاهدونه أو يسمعونه أو يقرأونه عن العراق.

خلال عام 1998 كنت في بغداد لتغطية ما أوشك ان يصبح هجوم أميركا محتملا. حيث رفض النظام حينها السماح لمفتشي الأمم المتحدة بتفتيش مواقع شملت القصور الرئاسية في أنحاء البلاد. وحينها هددت إدارة بيل كلينتون بأن تقصف العراق.

حينها تمكنت قلة محدودة من الصحافيين من الحصول على تأشيرة دخول الأراضي العراقية. ولو كانت الحرب قد اندلعت لكانت وسائل الاعلام التي لم تتمكن من إرسال مندوب لها إلى داخل العراق، قد اعتمدت على غيرها. أما بالنسبة لمن وجدوا داخل العراق فقد كان ضغط المنافسة شديدا، إذ أن تغطية أخبار الحرب تلعب دورا كبيرا في تمكين المحرر الصحافي من تحقيق مكانة مهنية عالية، وقد تتسبب في تدمير هذه المكانة. ولما كانت السلطات العراقية قد أدركت حساسية الموقف فقد حرصت على أن تسمح لعدد ملائم من مندوبي وسائل الاعلام بدخول أراضيها.

حينها كانت نقطة عملنا الرئيسية هي مبنى وزارة الاعلام، وهو موقع أدركنا انه ضمن قائمة الأهداف العسكرية التي قد تتعرض للقصف إذا ما شنت الولايات المتحدة هجومها. ولم يضف وجود المدافع المضادة للطائرات فوق سطح المبنى، شيئا لمشاعرنا تجاه الوضع الأمني في البلاد. تلقينا اتصالات هاتفية عديدة من أصدقاء وزملاء في وسائل إعلامية أخرى، ناشدونا فيها بأن نتعاون معهم ونحن نقوم بالتغطية، تماما كما فعلوا وهم يناشدون السلطات العراقية بالسماح لهم بمعرفة تفاصيل ما يحدث.

بالنسبة لنا واجهنا مشكلتنا الخاصة، فقد كنا بحاجة للمزيد من الناس من حولنا. فمع تصاعد الأزمة، شعرنا بالحاجة لتحريك أطقم العمل داخل العراق وخارجه. كما شعرنا بالحاجة إلى توفر تأشيرات الدخول المطلوبة.

كانت معرفة الحقيقة في العراق شيئا أشبه بالمستحيل. وخلال وجودنا هناك لأداء مهمتنا كان علينا تخصيص الوقت لـ«المظاهرات التلقائية» التي كانت تنظم لتأييد صدام حسين. وخضعت كل مقابلة صحافية أجريناها مع الناس في الشوارع، لمراقبة شديدة من قبل وزارة الاعلام التي رافقتنا في كل تحركاتنا.

وللإشارة الى تلك المعوقات كان علينا إضافة ما يفيد ان الوزارة كانت تراقب عن كثب ما نقوم بنقله لجمهور المتلقين. ولو كنا قد بالغنا في طرحنا لكانت الوزارة رفضت تمديد إقامتنا. أما لو كنا تجاوزنا الحدود لعرضنا أنفسنا ربما للطرد من البلاد نهائيا.

في مناسبة ما، قرر إثنان منا التقدم بطلب رسمي لتجديد فترة إقامتنا في البلاد. وقد استقبلنا المسؤول الحكومي برحابة صدر ومضى قدما نحو تمجيد روح المنافسة التي نحرص عليها. ثم عرض علينا كما هائلا من الأوراق المتراكمة فوق مكتبه، إضافة إلى قائمة تشمل طلبات الحصول على تأشيرات أو تمديد إقامات، في الوقت الذي كان يطرح فيه ملاحظاته بشأن تغطيتنا للأحداث. وقد استوعبنا ما أراد طرحه بجلاء. وكان بالامكان أن نطرح عليه رأينا بصراحة لولا حرصنا الشديد على عدم إثارة غضب مضيفينا.

خلال عام 1998، أبلغتني زميلة أمضت وقتا طويلا في العراق بانها تمكنت من التحدث على انفراد مع قلة من العراقيين. من الصعوبة اعتبار انهم يمثلون عينة علمية، لكن كلاً منهم أعرب عن أمله في أن تتخلص الولايات المتحدة من صدام نهائيا وإلى الأبد. لكن محتوى المقابلات ذات الطابع الرسمي تضمن رسالة معاكسة تماما لذلك.

مرة أخرى ها هي التقارير التي نتلقاها من بغداد تتضمن استعراضا للولاء للرئيس دون أن نحصل على معلومات يمكن الوثوق بها حول ما يطرحه العراقيون في مجالسهم الخاصة. فالحديث مع محرر صحافي عن الرئيس بشكل سلبي يمكن أن يؤدي إلى حادثة وفاة مبكرة في العراق. ويبدو ان أمام الصحافيين الذين اشتركوا في تغطية إعادة انتخاب صدام حسين مهمة نقل الحقيقة الينا رغم عدم مقدرتهم على التعرف عليها، الأمر الذي يجعلنا جميعا غير قادرين على التعرف الى الصورة الكاملة لما يحدث في العراق، كما يجعلنا نواجه المأزق الخطير المتعلق برغبتنا في رؤية الأشياء وفقا لما تتضمنه أفكارنا.

واقع الأمر إنه وبغض النظر عن كمية ما نقرأه أو ما يصل الينا كل يوم مباشرة من بغداد، فإننا نعرف القليل عما يدور، وربما الأقل عن مشاعر الشعب العراقي تجاه حرب محتملة قد تشهدها بلادهم.

 

 

 

 

لوس انجليس تايمز