البدروم تحت الشارع العربي
في ندوة عقدت هذا الاسبوع حول العلاقات بين
اميركا والاسلام، كان أحد الاسئلة التي ناقشها العلماء الاميركيون والمسلمون هي
هذه القضية الغامضة: اين الشارع العربي وما هي ردة فعله لغزو اميركي للعراق؟
بالنسبة لي كانت افضل الاجابات على هذا السؤال هي تلك التي قدمها الصحافي الاردني
رامي خوري، الذي ذكر «المهم اليوم ليس الشارع العربي، ولكن البدروم العربي».
هذا فرق هام. «الشارع العربي» هو الرأي العام
بصورته الواسعة، وهو سلبي ولا يستخدم العنف. اما «البدروم العربي» فهي تلك
الجماعات الصغيرة من الايديولوجيين المتشددين، مثل اسامة بن لادن وجماعته، الذين
اعتزلوا المجتمع، واخذوا يمزجون الاسمدة الكيميائية، والمتفجرات البلاستيكية
والغازولين، لصناعة القنابل التي قتلت الغربيين في جميع انحاء العالم.
وقد اعتاد القادة العرب، عبر السنوات، على
التعامل مع الشارع العربي، وهو السبب وراء عدم سقوط واحد منهم بفعل الشارع العربي.
فهم يعرفون كيف يشترونه، او يكممون غضبه، وكيف يبعدون انظاره وتوجيهها تجاه
اسرائيل. كما يعرفون ايضا كيف يمكن ابطال غضب الشارع العربي عن طريق التقدم في
الجبهة الاسرائيلية العربية او الانتخابات في الداخل.
غير ان البدروم العربي، ظاهرة جديدة واكثر
خطورة. وهم عبارة عن مجموعات صغيرة من الرجال الغاضبين للغاية الذين انسلوا بعيدا
عن الشارع وشكلوا خلايا سرية، ولكنها ذات اهداف وطموحات عالمية. وبالرغم من ان قضايا
مثل اسرائيل والسياسة الاميركية تحركهم، فإن اكثر ما يؤجج غضبهم هو الاهانات
المحلية ـ الاحساس بأن مجتمعاتهم القهرية تفشل بصورة مطردة، او ان العالم تركهم
خلفه، وانهم يمكنهم عن طريق ضربة هائلة ايقاظ مجتمعاتهم واكتساب احترام العالم.
واضاف خوري «لقد بدأ هؤلاء الرجال نشاطهم في
غرف نومهم. ثم انتقلوا للشوارع، واعيدوا مرة اخرى، والان لجأوا للبدروم». وعلى
العكس من الشوارع العربية، فلا يمكن لأي نشاط دبلوماسي النجاح في تفريغ البدروم
العربي. فهو لا يريد اسرائيل اصغر، ولكنه لا يريد اسرائيل على الاطلاق، وهو لا
يريد اصلاح بعض الانظمة، ولكنه لا يريد الانظمة على الاطلاق.
اذن ما الذي يمكن القيام به؟ رد الفعل العاقل
الوحيد هو هزيمة البدروم العربي، الذي يتعدى المجال السياسي والدبلوماسي، وفي
الوقت ذاته العمل من اجل القضاء على المظالم والبطالة والاحساس بالاهانة الذي يشعر
به الشارع العربي، بحيث يقل عدد الشباب الذين ينتقلون من الشارع الى البدروم، او
يتعاطفون مع سكان البدروم، كما يفعل ملايين العرب اليوم.
لا يوجد ادنى شك من ان الولايات المتحدة
يمكنها المساعدة في ذلك ببذل جهد لحل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني وبالتعبير عن
القيم التي دافعت عنها في كل مكان في العالم ـ الا في العالم العربي: اي
الديمقراطية. لقد التقيت بالامس بمجموعة من 50 طالبا من مدرسة ثانوية خاصة ومن
كلية كورنل الطبية في الدوحة. كانوا متعطشين للكلام، ولابداء وجهات نظرهم، وما
تسمعه يوضح لك مدى تطلعهم للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه مدى احتقار الولايات
المتحدة لهم.
ولكن يوجد للدول العربية دور كبير ايضا، فلا
يمكنك اغلاق الباب الممتد من الشارع العربي والبدروم العربي بدون مواجهة اسباب
التخلف العربي الذي اشار اليه تقرير الامم المتحدة عن التنمية العربية، وهو نقص
الحرية، ونقص تمكين المرأة، ونقص التعليم الحديث.
واشار خوري الى ان «الامر يستغرق سنوات طويلة
من الانحطاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والانساني لظهور ارهابي. ولذا فإن
مواجهة الارهاب لا تنجح الا بإشاعة الانسانية في المجتمعات المنحطة، وبإلغاء،
الواحدة بعد الاخرى، العديد من تصرفات القهر الفردية والاعتراض والرفض والتهميش
والاستبداد التي حولت مجتمعات نامية جيدة الى دول مسخ، واشخاص يخشون الله الى
حيوانات يقتلون عن طريق الارهاب».
واعتقادي ان الطريق الوحيد لوقف انتقال
الشباب العربي من الشارع الى البدروم هو العلاج بالصدمة للمنطقة بأكملها. هل يمكن
ان يكون استبدال صدام حسين بنظام عراقي تقدمي مثل هذه الصدمة الايجابية؟ لا اعرف.
لا اعرف اذا كان فريق بوش يريد حقا ذلك، او ما اذا كان الشعب الاميركي يريد ان
يدفع ثمن ذلك. ولكن ما اعرفه هو: اذا اوضحت اميركا انها تريد الذهاب للعراق، ليس
فقط لنزع سلاحه ولكن لتمكين الشعب العراقي من تطبيق تقرير التنمية البشرية
العربية، فإن البدروم العربي، لن يقف الى جانبنا، ولكن ربما يقف الشارع العربي
بجانبنا.
نيويورك
تايمز