مجزرة بالي أيقظت الإندونيسيين
بقلم : جوزيه راموس هورتا
- وزير خارجية تيمور
الشرقية، والحائز جائزة نوبل للسلام
ضرب الإرهابيون مرة أخرى في جزيرة بالي
الاندونيسية التي تتميز بطابعها السلمي والرقيق. وإذ كسب هذا الهجوم الإرهابي في
بالي قدرا كبيرا من التغطية الإعلامية وخلّف غضبا دوليا واسعا، فإنه لأمر يبعث على
الحزن أن تظل شبكة الإرهاب الأصولي المتطرف، التي تقف وراءها منظمة «لاسكار جهاد»،
تواصل عملياتها على امتداد الأرخبيل منذ عدة سنوات، من دون أن تثير ردود فعل دولية
تجاهها.
ويمكن اعتبار الهجوم الإرهابي على بالي عنصرا
من استراتيجية متطرفة تتكون من عنصرين، الأول يتوافق مع حلم الأصوليين المتطرفين
الهادف إلى تحويل كل المنطقة إلى نموذج محافظ شبيه بتصور طالبان عن المجتمع
الإسلامي، ولتحقيق هذا الهدف عليهم أن يخرجوا الولايات المتحدة من المنطقة، فبدون
الوجود الأميركي القوي هنا لن يكون بإمكان حكومات المنطقة البقاء. أما العنصر
الثاني فهو رفض وجود معقل هندوسي قوي في إحدى جزر بلد إسلامي، وهذا ما يجعل هذه
الجزيرة هدفا طبيعيا للأصوليين المتطرفين.
ويذكّر الهجوم على بالي بالحرب التي ما انفك
عناصر «لاسكار جهاد» يقومون بها ضد لامبون، المنطقة الواقعة في شرق إندونيسيا، حيث
ظل المسلمون يعيشون جنبا إلى جنب مع المسيحيين بانسجام تام لأجيال كثيرة. ويقدَّر
عدد الذين قُتلوا خلال السنوات الثلاث بعشرة آلاف شخص، إضافة إلى تخلي ما يقرب من
600 ألف شخص عن مساكنهم ومناطق عيشهم.
كذلك ما زال العنف متفشيا في مناطق أخرى من
الأرخبيل الإندونيسي، ابتداء من كاليمانتان إلى آسيه وغرب جزيرة بابوا، حيث قُتل
الآلاف من السكان هناك، إضافة إلى فقدان عشرات الألوف لمساكنهم وأجبروا على مغادرة
مناطقهم. وهذا العنف له عدة مصادر ودوافع. ففي مناطق مثل كاليمانتان يرجع السبب
إلى العداء الاثني القائم بين السكان، بينما يوجَّه اللوم في أجزاء أخرى، مثل آسيه
وغرب بابوا، إلى قوات الأمن الإندونيسي.
وفي أحسن الأحوال، لا يمكن اعتبار هذا
الأرخبيل الذي يضم 17 ألف جزيرة والذي يسكنه 220 مليون شخص من طيف واسع من الخلفيات
الاثنية، مكانا سهلا لحكمه. ومع ذلك قامت الحكومة الإندونيسية في عهد الرئيس عبد
الرحمن واحد، أولا، بين عامي 1999 و2000 ثم في عهد الرئيسة الحالية ميغاواتي
سوكارنو بوتري، بجهود حقيقية لإنشاء الأسس الديمقراطية للدولة بعد أكثر من ثلاثة
عقود من هيمنة نظام دكتاتوري فاسد، كان الجيش خلالها فوق القانون ويتمتع بحصانة
كاملة. أما المحاولات لتحقيق إصلاحات في الحقلين المالي والمصرفي وفي مجالات
الشرطة والقوات المسلحة والنظام القضائي الفاسد فإنها تسير بسرعة الحلزون، مع مساع
معارضة تسعى إلى عرقلتها من أولئك المستفيدين من الوضع الحالي.
وتحاول رئيسة الجمهورية بمساعدة الوزيرين
الأكثر كفاءة وإخلاصا لها، سوسيلو بامبانغ يدهويونو وحسن ويرايودا، أن تواجه
التهديد الإرهابي، لكنها تتحرك بشكل حذر جدا. ويقول البعض إن هذا الحذر ناجم عن
الخوف من إثارة ردود فعل عنيفة ضد حكومتها بين الأصوليين. ولذا فعلى الولايات
المتحدة أن تستمر في دعم حكومة ميغاواتي سوكارنو، خاصة مع تقديمها للضمانات ببقاء
إندونيسيا كدولة تعددية وعلمانية.
ولعل مأساة بالي أيقظت أخيرا الشعب
الإندونيسي وزعماءه ونبهتهم إلى خطر المنظمات الأصولية المتطرفة. ومع إدراك
الحكومة الإندونيسية للمخاطر التي تتعرض لها وحدة البلاد واستقرارها وعزمها على
مواجهة هذه التهديدات، فانها لا تمتلك سوى وسائل محدودة للجم الإرهابيين. وإحدى
هذه الأدوات التي يمكن استخدامها لتخريب نشاطات الإرهابيين يتمثل بجهاز
الاستخبارات، لكن هناك علامات استفهام حول مدى إخلاص واستقامة هذه الدائرة، فهي
ليست نفسها بريئة مما يجري.
والى ذلك، هناك وحدات متنافسة وغير منضبطة من
الجيش والشرطة تواصل التقاتل في ما بينها. ومسؤولو الجيش إما مشغولون جدا في جمع
الأموال، أو مشغولون جدا في محاربة أعمال التمرد في الكثير من مناطق إندونيسيا.
وهذه الانتفاضات راحت تحدث بسبب عقود من الإساءة والإهمال. وحاليا يقوم الجيش
بأعمال عنيفة أكثر ضد أولئك الذين يحتجون على المساوئ التي لحقت بهم في الماضي
والحاضر. إن دائرة العنف تستمر بلا هوادة.
ستستغرق الحرب ضد الإرهاب الدولي فترة طويلة،
وستحتاج إلى نفقات كبيرة، ومع ذلك بالامكان الفوز بها. فإذا تعاون أثرياء الشمال
مع النخبة الثرية من بلدان الجنوب وشكلوا استراتيجية مشتركة لإنهاء الفقر وتحسين
حياة الفقراء في العالم، فإننا سنتمكن آنذاك من إزالة أحد مصادر عدم الاستقرار،
ونحرم المتطرفين أرضا خصبة يستخدمونها لتعليم الإرهاب.
يبقى ان أذكّر بأن بلدي، تيمور الشرقية، عرضة
لتهديدات الإرهاب. إذ يشكل الكاثوليك 98 في المائة من سكان هذه الجزيرة، ونشترك في
حدود برية ومساحات مائية واسعة مع أكبر مسلم في العالم. ولذا فانني أناشد الولايات
المتحدة وجيراننا دعم وطننا الفتي في حماية نفسه ومنعه من أي يصبح ضحية لشبكة
الإرهاب.
لوس
انجليس تايمز