هناك حاجة لخطة سياسية

 

بقلم : فريد زكريا

          -  رئيس تحرير الطبعة الدولية لمجلة نيوزويك

 

 

 

حذرنا جورج تينيت خلال الاسبوع الماضي من أن تنظيم «القاعدة» مسلح وخطر. كما أشار الى سلسلة التهديدات والهجمات التي وقعت في أنحاء العالم ـ ابتداء من الكويت الى اليمن وجزيرة بالي ـ باعتبارها أدلة على ان هذه الجماعة استعادت نشاطها وانها تمر بـ«مرحلة تنفيذ المهام».

لا بد من التعامل مع هذا التحذير بجدية، رغم ان الحلقات الأخيرة من الارهاب يمكن أن تفسر بشكل مختلف. ولو تأملنا العمليتين «الناجحتين» اللتين نفذتا بقصف ناقلة النفط الفرنسية في الساحل اليمني وبتفجيرات جزيرة بالي، فسنجد ان تنظيم القاعدة ـ أو أية جماعات تتبنى نهجها ـ أرادت الحاق الضرر بأهداف غير أميركية، من النوع الذي يمكن اصابته بسهولة. مع ان الهدف الرئيسي للقاعدة خلال العقد الماضي ظل مهاجمة الرموز الأساسية لقوة أميركا، سواء أكانت عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، فقد قصفت السفارات والسفن البحرية، كما هاجمت بطبيعة الحال مركز التجارة العالمي. لكن ومنذ الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وباستثناء الهجوم الأخير على الجنود الأميركيين في الكويت، لم تتمكن القاعدة من مهاجمة أميركا. ويمكن للمرء أن يتأمل مواقع الهجمات الأخيرة. ففي اليمن تتمتع القاعدة باتصالات حميمة، وفي إندونيسيا، يسعى التنظيم لاستغلال نقاط ضعف حكومة هذا البلد.

ولا شك ان الهجمات الارهابية الأخيرة في اليمن وإندونيسيا ستؤدي أيضا الى مزيد من مشاعر اليقظة تجاه الارهاب والتعاون من قبل فرنسا وأستراليا وإندونيسيا. رغم انه كان يتحتم على أسامة بن لادن أن يعمل على احداث الانقسام بين أميركا وحلفائها في الحرب ضد الارهاب. كما تجلى ذلك خلال خطاباته وأفعاله السابقة.

فالهجمات الأخيرة المتناثرة باتت تساهم في تعزيز متانة التحالف القائم. رغم انه من الخطورة بمكان زعم وجود علاقة لـ«القاعدة» بهذه الأعمال. فالتنظيم بالتأكيد يسعى لالحاق الأذى بأميركا، وبالتأكيد انه سيوجه لها ضربة أخرى. فالتنظيم نفذ ما أراده قبل الحادي عشر من سبتمبر، وها هو الآن يفعل ما يستطيع القيام به.

لقد أحدثت الحرب ضد الارهاب شيئا من الأثر. كتدمير قواعد التنظيم في أفغانستان، وحجز المشتبه فيهم في أنحاء العالم، وفرض اجراءات رقابية على الحسابات المصرفية وكل هذا جعل مهمة الارهابيين أكثر صعوبة، لكن وبينما تبنت ادارة بوش سياسة عسكرية ثابتة، الا انها لم تتبن خطة سياسية مشابهة. وهو الأمر الذي يتهدد الحرب ضد الارهاب بالفشل.

فقبل اسبوعين من الزمن أجرت باكستان انتخاباتها العامة، وتمكنت أحزاب اسلامية أصولية من تحقيق بعض النجاح. وهي مسألة لم تلق الاهتمام المطلوب.

فالتحزب السياسي الاسلامي ليس ظاهرة جديدة في باكستان. وقد اعتاد الناخبون على الاستماع لخطب مليئة بالوعود ألقاها أصوليون ولم يحققوا منها شيئا. ومع ذلك وطوال ما يزيد على نصف قرن من الانتخابات المتقطعة في باكستان، لم يتمكن الاصوليون من انتزاع ما يزيد عن خمسة بالمائة من أصوات الناخبين. الا انهم حصلوا خلال الانتخابات الأخيرة على ما يقرب من 25 في المائة من الأصوات.

طلبت من سياسي باكستاني شارك في هذه الانتخابات أن يشرح لي ما حدث، فقال لي: «مثلت أميركا قضية رئيسية خلال الانتخابات. وقد حصل الأصوليون على تلك الأصوات التي مثلت تعبيرا عن الاستياء من تحالف مشرف (الجنرال برفيز) مع أميركا. حتى ان الأجواء باتت سيئة للغاية بالنسبة لأولئك الذين يدافعون عن اجراء اصلاحات وعن علاقات حميمة مع أميركا من أمثالي. فالناس باتوا يترقبون ادارة بوش الحالية.. وعجرفتها وتحرشها بالعالم وسياسة تعاملها المزدوج بشأن القضية الفلسطينية.. وقد استنتجوا ان اميركا معادية للاسلام».

لقد باتت أميركا قضية رئيسية في أنحاء العالم، وعلى وجه الخصوص في العالم الاسلامي. وباتت القوى المؤيدة لأميركا صامتة تعاني من الخوف. وهذا قد يكون الى حد ما سبب تردد الحكومة الإندونيسية في القضاء على الاصوليين الإسلاميين. وسبب عدم تعبير حكومة عربية واحدة ـ بما فيها العديد ممن تكره صدام حسين ـ علنا عن دعم الحملة الأميركية ضد العراق. فاتخاذ ما تريده أميركا من اجراءات ينظر اليه على انه تنفيذ تعليمات من قوى عظمى متغطرسة.

وهذه ليست فقط مشكلة علاقات عامة بالنسبة لواشنطن. فباكستان يمكن أن تعطل مساعي حيوية تستهدف اخراج القاعدة من أقاليمها الواقعة على الحدود مع أفغانستان ـ وهي أقاليم يدير شؤونها الآن إسلاميون أصوليون ويمكن للعلماء في منشآتها النووية العملاقة ـ وبعضهم كانوا متعاطفين مع طالبان ـ أن يسربوا معلومات ومواد للقاعدة. كما قد تصبح إندونيسيا مرتعا للارهاب بطريقة قد تعني كابوسا مرعبا، بالنظر الى حجمها وجغرافيتها. وفي أنحاء العالم الاسلامي، يمكن لمشاعر العداء لكل ما هو أميركي أن تسهل عمليات تجنيد الشباب من الرجال لتنفيذ مهام انتحارية.

خلال الحرب الباردة، تبنت الولايات المتحدة أسلوبين في مواجهة الشيوعية السوفياتية: أسلوب عسكري وآخر سياسي. الأول كانت له علاقة بالأسلحة النووية والحروب التي كانت تديرها في الخفاء والأعمال السرية. أما الثاني فقد تمثل في جهد مدبر لإقامة تحالفات مع دول تسعى لتحقيق نفس الهدف، ولتعزيز التجارة وتوفير الدعم لدول العالم الثالث التي ابتعدت عن الشيوعية. حيث أقامت أميركا السدود ومولت الصحف والمجلات وأنشأت بعثات السلام، وكل ذلك تم في إطار هذا المسعى.

في الحرب ضد الارهاب، ها نحن نحقق النجاح عسكريا. لكن جهدنا لن يكون متكاملا ما لم تتوفر لدينا خطة سياسية. واذا لم نفعل ذلك فإننا قد نتخلص من الاصوليين، لكن مكانة الأصولية ستتعزز.

 

 

واشنطن بوست