هل توجد "تقاوي مخ"؟

 

 

بقلم : محمد عبد اللطيف حجازي

mehegazi@yahoo.com

 

قرأت خبرا صغيرا يمكن أن يمر مر الكرام، فحواه أن " العجز في ميزانية الكويت قد بلغ 7و3 بليون دولار ، وتعتبر الميزانية متشائمة إلا أن المصادر الكويتية قالت أن العجز لن يؤثر على الإنفاق على الدفاع". الخبر عادي وبسيط ويعني أن الدويلة العربية الخليجية لم تستفد كثيرا من الناحية المادية بفصلها عن العراق عند رحيل المستعمر الأجنبي، فقد تردت في الدين من بعد بحبوحة. ولكن المثير حقا هو استمرار الإنفاق على الدفاع. من الذي يدافع عن من ضد من؟ يبدو أننا نحن العرب قد أصبحنا في حاجة ماسة إلى "تقاوي مخ" لكي نزرعها في أدمغتنا فتنبت وتنمو ونستطيع بها تمييز العدو من الصديق، ذلك العدو الذي يسلط علينا الأخطار ثم يعود ليجمع منا الإتاوات.

 

أما ميزانية الحجاز التي أعلنتها الحكومة في 9/12/2001 فقد بشرت بارتفاع العجز من 7  مليار دولار في 2001 إلى 12 مليار دولار في 2002 ، والمتأمل لأرقام الميزانية يستطيع تقدير الإنفاق على الدفاع - الذي لم يذكر صراحة - بحوالي 14 مليار دولار. هذا طبعا إذا لم يكن للدفاع حساب سري خاص وإذا ما كانت كل تلك الأرقام المعلنة تمثل الحقيقة وليست جزءا من عالم الزيف الذي يسود المنطقة العربية بأسرها.

 

وأما الأخ أبو عمار فهو مصر على البقاء معتقدا أنه محور الكون وأن العالم يدور من حوله ولابد من أن يستمر الاهتمام به رمزا للقضية الفلسطينية. لا يهم من يسقط من الضحايا من حوله طالما أنه باق. فالموت مكتوب على الشعوب إذا أردنا الحياة للرؤساء. لكن السيد أبو عمار ليس نموذجا فريدا في ظاهرة "التناحة الرئاسية" بعالمنا العربي الفريد فلدينا نماذج تفوقه "تناحة" بكبريات الدول العربية. لكن ما لفت نظري هو أن الأخ أبو عمار تبدر منه أحيانا لفتات غريبة تبدو كما لو كانت بتأثير توجيهات إسرائيلية، فقد وقف أبو عمار - لا فض فوه - يهتف في جمع تلفازي لا أدري كيف وأين تم جمعه فكان يصيح بصوت حماسي مؤثر مطالبا بالجهاد. كان يهز بقبضة يده مهددا وسط الجمهور المتحمس لرئاسته. لا أدري إن كان التهديد موجها إلى العدو أم إلى المعارضين من الفصائل الفلسطينية الأخرى، لكن الواضح الذي رأته عيناي وسمعته أذناي هو أن أبا عمار قد تعمد ذكر كلمة "الجهاد" بصوت جهوري خمسة مرات متتالية وبقوة تجعل الخيال يصوره كما لو كان محزوما بعبوة ناسفة وفي طريقه إلى تجمع إسرائيلي في تل أبيب. الخيال يرسمه في شجاعة امرأة من طراز شاهيناز العموري، لكن ذلك مجرد خيال وسرعان ما يشدك الواقع إلى أرضه لترى أبا عمار مثل غيره من الحكام العرب، رجل ضعيف في خريف العمر نصف واع لما يدور من حوله يكاد يكون مثل بابا الفاتيكان الذي يحتاج إلى من ينخسه بين الفينة والفينة ليظل مستيقظا. لكن الدين يختلف عن السياسة فالدين يمكن أن يتحمل زعيما روحيا شبه نائم أما السياسة فإنها لا تتحمل زعيما في سبات أهل الكهف لا يكاد يدري من أمره شيئا.   

 

الواضح أن جهاد أبي عمار من نوع آخر يتميز بأنه في النهاية يصب في صالح العدو الصهيوني. أبو عمار يعلم جيدا وقع لفظ "الجهاد" العربي على الأذن الأجنبية، وكيف يمكن لشارون أن يستغل ذلك في محاولات لتبرير أفعاله وادعاء عدم رغبة الفلسطينيين في السلام، ذلك الخيار الوهمي الذي يهواه كل جالس فوق كرسي الحكم بأي دولة عربية. لكن أبا عمار لا يهمه ذلك في كثير أو قليل طالما أن اليهود قد يرضون عنه وعن أفعاله وتصريحاته الهزلية. يحاول اليهود والأمريكان التقليل من شأن القضية الفلسطينية وجعلها قضية ياسر عرفات والضغط على ياسر عرفات وهل نتعامل أم نرفض التعامل مع ياسر عرفات، أما القتل والاحتلال وهدم البيوت فتلك أمور شكلية لا تستدعي الكثير من الاهتمام، وهي من ضروريات "محاربة الإرهاب". وكلما أبدى ياسر عرفات ذلا واستكانة كلما دفع اليهود بدباباتهم إلى الأرض المحتلة وكلما وقع عرفات على اتفاقيات أعدوها له في أوسلو أو غيرها كلما كسبوا الوقت لبناء المستعمرات ومحاولة تغيير الوجه الديموغرافي لما تبقى من أرض فلسطين الأصلية.

 

السيد ياسر عرفات يستجدي عودة شارون إلى الطاولة. وكأن التفاوض مع العدو هو نهاية المنى، وكأنما التفاوض مع العدو المنتصر يمكن أن يأتي بأية نتائج. العدو لا يسمع إلا صوت القوة والعمليات الاستشهادية هي الخيار الوحيد الباقي للشعب الفلسطيني الذي خذله الحكام العرب من الضعاف المترهلين أو الخونة المتواطئين. فكل التحركات العربية ليست إلا اسكتشات هزلية للاستهلاك المحلي لا تتمخض عن أية نتائج يمكن أن يأخذها العدو على محمل الجد. العدو قبل الصديق يعلم تماما أن هؤلاء الحكام ليسوا إلا وكلاء للعدو ينفذون أغراضه كل بطريقته التي تسمح بها ظروفه. وكلهم يطبقون سياسة البطش والإرهاب ومحاولة إسكات كل صوت معارض بحيث تحول الوطن العربي كله إلى سجن كبير، خوف السجان به أشد من خوف المسجون.

 

أنظر بعين الحسرة والإعجاب إلى النموذج الإيراني للحكم حيث تغلب الوطنية على الفردية والأنانية. إيران هي العقل الواعي الذي يفهم كل نقاط ضعفنا نحن العرب ويحاول التعايش معنا بحكم الجوار وتنبيهنا وتوعيتنا إلى خطورة الخلاف والانقسام. إيران تعلم أن المصلحة الاستراتيجية لهم ولنا تكمن في الاتحاد والتعاون لمواجهة العدو المشترك. العدو ترتعد فرائصه من مجرد التفكير في أن نوعا من التقارب يمكن أن يتم بين إيران والعراق وسوريا. العدو يجند كل إمكانياته لمحاولة بث بذور الفرقة بيننا نحن العرب وبين أخوتنا الفرس لدرجة أن مقالاتي المتواضعة وصوتي الضعيف الواهن الذي لا يكاد يلفت انتباه أحد قد لفت أنظار أجهزة استخباراتهم، ولتضحك يا عزيزي القارئ من هذه الرسالة الإلكترونية التي تسلمتها مؤخرا من أحد أوكارهم بدولة الإمارات العربية:

From: Ahmed Al Mannaei

Subject:  شلوم

الظاهر ان اليهودي معروف من هو بالفعل يبدو انك كنت نائما طوال السنوات القليلة الماضية لتصطدم بالحقيقة المره وهي ان الجزر عربية وستبقى كذلك وان دولة الامارات الشقيقة هي التي تدعو بالتحكيم الدولي وليس ايران التى تدعي بالاسلام والاسلام عنها بعيد وماذا ننتظر من امثالك الا ان تدعم هؤلاء البشر اللذين يشككون بالصحابة والخلفاء الراشدين ويشككون بالعرب والعربية فمن تكون انت الا بغبغاء تردد ما يقولون وتكتب بقدر ما يدفعون وان غدا لناظره لقريب ..... واعني ان يومك للاخرة والعذاب بين رجليك ان شاء الله يوم لا ينفع مال ولا بنون - يوم تقول يا حسرتا على ما فرطت من جنب الله - افلا تنتبه الا ما عملت يديك بالتفريق بين المسلمين يا عدو الله - قاتلكم الله انا تؤفكون

ودمتم للنار والجحيم

شالوم

 

أجزم بأن كافة كتاب الشعب يتلقون مثل تلك الرسائل البلهاء من عملاء الموساد والمخابرات المركزية وهي واضحة القصد والهدف وتلعب على وتر الخلافات الدينية والمذهبية ومحاولة توسيع شقة الخلافات الحدودية التي زرعها المستعمر عامدا قبل رحيله عن المنطقة. لكن الأوان قد آن لكي نفوت على عدونا غرضه فالمنطقة بأسرها لها عدو واحد يود تدميرها وسلب خيراتها. هذا العدو الصهيوني الأمريكي قد باتت أساليبه واضحة ولا بد لنا من أن ننتبه. حكامنا وأذنابهم ليسوا إلا عملاء أو وكلاء للعدو يجب علينا - نحن الشعب - أن نكون لهم بالمرصاد وأن نشل أيديهم عن إيذائنا واللعب بمصائرنا ومستقبل أبنائنا.