بين الأدب والسياسة .. رسالة من صديق
الغضب
دكتور مجدي قرقر
qorqor53@hotmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
أستاذي
الجليل د. / مجدي قرقر:
أي
شيء يدفع لهذا الهوان.. كل هذا الهوان..؟؟ .. أن نستضيف عدونا .. أعدى أعدائنا في
أرضنا أن نضيفه كأحسن ما ينزل الضيف الكريم على مضيفيه..؟ .. أن تمد أمامه موائد
الطعام والشراب وخلافه .. أن تطول معه الجلسات وتحلو في رفقته الجولات وتعقد له
المؤتمرات..؟؟ من أجل ماذا من أجل أي شيء هذا..؟
أعذرني
يا سيدي فلم استطع الاحتمال وأنا أتابع هذه المشاهد المؤلمة وتلك المناظر المروعة
وأنا أشاهده يصافحه ويطيل مصافحته ولا يخشى أن تتلوث يده الكريمة بتلك الدماء التي
تتساقط من يده لم يخش على حلته الفاخرة أو فراش قصره الوثيرة لم يخش على شيء ولم
يعمل حساب لشيء.. أي شيء حتى لمشاعر مواطنيه التي تتميز غيظا من هذه الصور في رفقة
ذلك الخنزير
إنها
السياسة التي لا يفهمها العامة من أمثالي .. ربما .. ولكن هل تعني السياسة أن
يتجرد الإنسان من مشاعره إلى هذا الحد أن يتجرد من أحاسيسه إلى هذا الحد أن يتجرد
حتى من ذاكرته إلى هذا الحد..؟؟
أعذرني
يا سيدي فكل شيء يصيب بالألم حتى دراسة الماجستير التي أتولاها كلما توغلت أكثر في
سيرة هذا السلامة موسى شعرت بالغضب وبأن الدماء تغلي في عروقي حتى أنني أخشى أن
أفقد سمة الموضوعية التي يجب أن ألتزم بها في البحث .
إنني
على ثقة أنك ستقدر ما أنا فيه .. كيف يمكن أن يكون شعورك يا سيدي وأنت تقرأ رجلا
يصف مجتمع باريس وما فيه من حرية مطلقة أو إباحية جنسية تؤدي إلى العربدة في
الشوارع بأن هذا مظهر من مظاهر الحب الذي نجهل نحن فنه في الشرق ..؟؟
كيف
يمكن أن تشعر وهو يقارن بين المرأة الفرنسية الحرة المنطلقة وبين المرأة المصرية
بصورتها التي تحرقه وتجرح كرامته الوطنية عندما يذكرها في خدرها أو خلف حجابها ..؟
كيف يمكن أن تشعر يا سيدي وأنت تقرأ أن
الحانات هناك إنما هي مظهر من مظاهر الرقي الاجتماعي لأنها مؤسسات اجتماعية للسمر
بين الرجال والنساء كيف يمكن أن تشعر يا سيدي وأنت تقرأ كل هذا..؟؟ إنني أشعر
بالغضب والألم إلى حد العجز عن التعليق على كل هــذا ..
فهل
أكتفي بنقل هذه النصوص دون تعليق ما رأيك يا سيدي .. أرجو أن تشير علي
*****
بسم الله
الرحمن الرحيم
الابن العزيز / شريف محمود
سلام الله عليكم ورحمته
وبركاته
رائعة هي مشاعر الغضب عندما تصدر من شخص حساس مرهف مثلك .. تلك
المشاعر التي ذكرتني بأغنية غاضبة خاصة بأحداث قانا ردا على عملية " عناقيد
الغضب " والتي قام بها بيريز - حمامة إسرائيل للسلام !!!! – ولعلها كلمات مناسبة نهديها إلى صقور إسرائيل
التي تدنس أرضنا وسماءنا بأجسادها القذرة سواء كانوا ضيوفا أو محتلين .. ولكن أيـن
سيهربون من لعنة الغضب ؟
أين ستهربون من لعنة الغضب ؟! بصدر
شعب كامل يحترق الغضب
أين ستهربون؟! من
لعنة الضمير من
حقنا الأصيل
أين ستهربون؟! لا ..
لا لن يجدي الهرب
يا من بنيتم أمنكم بدم وأجساد الصغار يا عنفوان العنف يا حضارة
الدمار
لبنان لن يمنحكم سلام الانتصار ومالكم
بأرضه سوى الانتقام أين ستهربون؟!
كلنا جنود كلنا
ثوار لن تستطيعوا أنتم
ومن ورائكم من دول القرار
أين ستهربون؟! فنحن
شعب لم يعد يخيفه الدمار
نحن شعب يحمل أوسمة الشهامة نموت
في أوطاننا ونعرف السيادة
سلاح
الكراهية والغضب هو ما تملكه الشعوب وتحرص الأنظمة على وأده مرضاة للسادة
الأمريكان والصهاينة .. الكراهية والغضب هو ما يجب أن نربي عليه أبناءنا .. فبيننا
وبين الأعداء ثأر وبيننا وبينهم يقين ( فلسطين باقية وإسرائيل إلى زوال ) .. رائعة
تلك مشاعر الكراهية والغضب .. مشاعر نتعلمها من شهداء وجرحى وأبطال الانتفاضة ..
مشاعر نتعلمها من أطفال الحجارة .. نتعلمها من أطفال غزة كما أشار نزار قباني :
يا تلاميذ غزة علمونــا بعض
ما عندكم فنحن نسينا
علمونا بأن نكون رجـالا فلدينا
الرجال صاروا عجينا
علمونا كيف الحجارة تغدو بين
أيدي الأطفال ماسا ثمينا
كيف تغدو دراجة الطفل لغما وشريط
الحرير يغدو كمينا
يا تلاميذ غزة لا تبــالوا بإذاعاتنا
ولا تســـمعونا
اضربوا واضربوا بكل قواكم واحزموا
أمركم ولا تسألونا
نحن أهل الحساب والجمع والطرح فخوضوا
حروبكم واشنقونا
إننا الهاربون من خدمة الجيش فهاتوا
حــبالكم واشنقونا
قد لزمنا جحورنا وطلبنـــا منكم
أن تقاتلوا التنينـــا
نتعاطى القات السياسي والقمع ونبني
مقابرا وســـجونا
يا مجانين غزة ألف أهلا بالمجانين
إن هم حررونا
إن عصر العقل السياسي ولى من
زمان فعلمونا الجنونا
ليس
الغضب والكراهية فقط هو ما نحتاجه في تعاملنا مع أعدائنا .. ولكن قدر من الجنون
أيضا مطلوب .. فإذا كانت مواجهة الأعداء بمصفحاتهم وجرافاتهم وكل عتادهم .. إذا
كانت مواجهتهم بالحجارة والأجساد العزل نوعا من الجنون في نظر الساسة فأهلا بهذا
الجنون الذي يحرر ويعطينا القوة والعزة في مواجهتهم .. أهلا بهذا الجنون الذي
تدفعنا إليه قوة العقيدة التي لا تستوعبها عقول الساسة .. وعلى أي حال وبعيد عن
حسابات العقل القاصرة وبعيدا عن العاطفة والعقيدة فليفعل الحكام ما بدا لهم وما
تمليه عليهم حساباتهم ولكن ليتركوا الشعوب تعبر عن كرهها وغضبها .. فللحكومات
ضروراتها وللشعوب خياراتها كما يقول العلامة محمد مهدي شمس الدين - رحمه الله – ليس هذا تبريرا للحكام بقدر ما هو رغبة في
تحرير الشعوب لتعبر عن غضبها وكراهيتها لمغتصبي أرض فلسطين السليبة .
*****
نعود
إلى مشاعر الغضب والألم التي تتملكك وأنت تكتب عن "سلامة موسى" ورغبتك
في نقل النصوص دون تعليق منك حتى لا تفقد موضوعية البحث .. ابني العزيز أرجوك ألا
تفعل .. إنه الصراع بين العاطفة والعقل .. عاطفة المسلم بفطرته السليمة .. عاطفة
الأديب والمبدع بمشاعره الجياشة .. في مقابلة عقل الباحث الذي تفرض عليه مناهج
البحث – خاصة
الغربية منها – التخلي
عن العاطفة حتى يتحلى بالموضوعية .. أية موضوعية تلك التي تغيب عاطفة الإنسان
وتفصل روحه عن جسده .. أرجوك ألا تفعل فمشاعر الغضب والكراهية لحظة صدق يمر بها
الإنسان في انفعاله الأول وربما لا تتكرر ثانية .. مشاعر عظيمة يجب أن يسجلها
الأديب المبدع قبل أن تضيع فلا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم .. ما أعظم التجربة
الشعورية فهي التي تنتج أدبا باقيا وخالدا .. فلينتصر فيك الأديب على الباحث ..
ولتنتصر فيك العاطفة على العقل المكبل بمناهج البحث .. وماذا يضير الباحث أن يكون
متحيزا لوطنه ودينه وأمته ؟ .. انتصر للأديب المبدع على الباحث فالتجربة الشعورية
لا تتكرر أما العقل فباق بفضل من الله .. دون مشاعرك الغاضبة فهذا إنتاج أدبي باق
.. وبعد ذهاب التجربة لا مانع من تدخل العقل لتهذيب ما سطرته العاطفة إذا كنا بصدد
إنتاج بحث لنيل درجة جامعية عالية .. وهذه مهمة يسهل أن تقوم بها أو يسهل أن يقوم
بها الأستاذ المشرف .
بارك
الله فيك ونفع بك وأعزك بالإسلام وأعز الإسلام بك .. والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
مجدي قرقر
*****
أستاذي الجليل د. /
مجدي قرقر
جزاكم
الله كل خير أنك قد وضعت حدا لحيرتي وقلقي بشأن البحث.. وجزاك الله خيرا على
اهتمامك برسالتي وكتابة ذلك الرد البالغ الروعة الذي لا يصدر إلا عن أديب مفكر
تستعر نفسه بنيران الغضب.
أنا
معك تماما في أن تنشر الرسالة وردكم عليها وأن تعممها إلى أقصى درجة لأن الغضب يجب
أن يكون سمة كل قارئ ومفكر وباحث يعيش هذه الأحداث .
الغضب
هو العدوى التي يجب أن تنتقل إلى كل فرد من أبناء هذه الأمة .
الغضب
هو الأمل الوحيد في تحريك هذا الماء الراكد الآسن الذي يعتبره البعض دماء تجري في
عروق حكامنا..
الغضب
هو الحق الأخير الذي نتمسك به بعد أن سلبنا معظم حقوقنا .
الغضب
هو الوسيلة والطريقة والغاية التي يجب أن نربي عليها أبناءنا كما تفضلت أنت وغير
ذلك يكون الخيانة .
لقد
كان الغضب هو المحرك الأول والأساسي "لوفاء على إدريس" منفذة العملية
الاستشهادية في القدس الغربية ، أول ما وصفت به وفاء من قبل جيرانها أنها غضبى فقد
كانت تعمل في الهلال الأحمر وكان تستعر نيران غضبها.. تستعر مع كل جرح مع كل ألم
مع كل قطرة دم.. كان كل شئ يدفعها للغضب آهات الجرحى دموع الثكلى أنات المكلومين و
شحوب وجوه الموتى.. كل شيء .. كل شيء كان يدفعها لغضب عظيم.. فلم تحتمل وفجرت
غضـبها وتفجرت معه في هذا الجمع المزدحم من أجساد الأعداء.
لقد استعرت نيران
الغضب في قلوب أهلنا في فلسطين هذا الأسبوع وامتدت وأحرقت قلوب الأعداء واهتز لها
كيانهم رعبا وخوفا .. قد يكون مفيدا تحاشي الحديث عن أفراد السلطة وحماتها وعبيدها
.. قد يكون مفيدا تجنبت سباب شارون واتهامات باول وعار استغاثات عرفات ودنس تصريحات
حكام العرب .. قد يكون مفيدا تجنب كل ذلك وتجاهله تماما كأن لم يكن فالأهم هو
المحرك الحقيقي للأحداث وهو الغضب
مرة
أخرى أشكرك شكرا جزيلا وأدعو الله أن ينفع بكم الأمة