“ من بروتوكولات حكماء
صهيون”
00000000000000000000000000000000000000000
يتحرش
بى العسس.. فقد جاءونى فى المنام أمس..
كان
حلما.. ولم أقل كابوسا.. فالكابوس هو مجيئهم فى اليقظة..
وقبل
أن تتهمونى بالتحامل عليهم يا قراء واتهامهم بما لم يقترفوه من أشياء لا تُسأل
عنها إلا هواجسى .. قبل اتهامكم ذاك أقول لكم أننى لو لم يرهقنى الرعب من مجيئهم
فى نهارى لما أتونى فى ليلى.. و ما لم يطاردونى فى أيامى لما غلبوا على أحلامى.. كانوا أربعة ..
وكانوا يجلسون على ممر وقر فى خاطرى أنه من ممرات محاكم التفتيش.. أولهم كانت
عيناه من نار.. نظر إلىّ فتفككت أوصالى.. أخذ منى أوراق المخطوط.. ناوله للثانى..
وحين مد يداه فوجئت بحافرين فى نهايتهما .. كان الحافران من نار فاستبد بى الفزع
ورحت أبسمل و أحوقل و أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.. ناولها للثالث الذى
تناولها وراح يقرأ فيها كلاما ليس هو المكتوب وكان الكلام يطفح من بين شدقيه حروفا
من نار فصرخت رعبا واحتجاجا فبادلنى الصراخ فإذا بصرخته نفثة نار.. كان الرابع – وهو كبيرهم -
يجلس على مقعد لم أر مثله فى حياتى.. مقعد من الجمر.. ونظرت إليه مذهولا فإذا
بجسده من نار تتأجج..كان من نار وكان يجلس مستمتعا على النار..
صرخ
فىّ:
-
أيها الخبيث .. هل تظن أنك تخدعنا.. تجدف فى كلامك ثم تقول
: وصلنى مخطوط من مجهول.. نحن نعلم سرك وعلانيتك.. ما هى إلا حيلة ظننت أنها ستنطلى
علينا فلا نطالك.. حيلة تظن أنك تتخفى وراءها لتكفر بنا وتظن أن ناقل الكفر ليس
بكافر.. عندنا نحن يختلف الأمر .. وناقل الكفر أشد إجراما وأكثر خطورة من الكافر
نفسه.. فلتكفر فى بيتك كما تشاء.. لكن أن تروج للكفر .. وعلى صفحات صحيفة فلن نسمح
لك به أبدا.. يالك من خبيث
كافر .. منحناك الحرية والحياة فلم تشكر وكفرت..
صرخت:
-
الله هو المحيى والمميت وبه أومن..
صرخ:
-
ألم نكن
بقادرين على اعتقالك أو اتخاذك رهينة أو قتلك..
قلت
-
بلى..
قال:
-
فقد أحييناك..
قلت
:
-
فالله يأتى بالشمس من المشرق فأتوا بها من المغرب..
فبهت..
لكنه واصل الحديث قائلا:
-
دعنا من
سفسطتك.. لنرجع إلى حيلتك التى تظن أنك من خلالها تستطيع أن تقول ما تجبن عن قوله
بدونها..
وقلت
له:
-
ما أنا إلا كاتب اؤتمن على أمانة استودعها إياه مجهول..
وعليه أن يؤديها..
فقال:
-
حيلتك الساذجة لن تنطلى على أحد.. تحسب أن القراء سيتواطئون
معك.. سيعلمون أنه ما من مخطوط قد وصل إليك و أنك تستعمل هذه الحيلة كى تهزأ بنا..
فيقولون : ياله من شجاع.. لقد قيل..
ثم
نظر إلى أتباعه وصرخ:
-
اقذفوا به إلى النار..
فصرخت:
-
ما أنا سوى كاتب ..
فقال:
-
ثم ظننت أنك ستموه الأمر علينا .. فما دمت قد قلت أن هناك مرسلا مجهولا فلابد أننا سنعتقد أنك تكذب.. وأنك تخفى
خلف كذبك مصيبة أخرى نندفع لنتعقبها فتفلت بجريمتك الأولى.. الواقع أننا نعتقد أنكم جميعا لا تكفون
عن الكذب.. لكننا نعلم أنك لم تكذب فى هذه الواقعة بالذات.. فالواقعة حقيقية
والمخطوط حقيقى والمرسل مجهول يُجدّ رجالنا الآن فى إثره.. يا أحمق.. ظننت أنك
ستخدع الجميع بحيلتك.. نحن والقراء والتاريخ.. لكننا نفهمك جيدا..
طارت
نفسى شعاعا .. لكننى استجمعت أشلاءها وهتفت فى ضوء ذبالة شجاعة لم تنطفئ بعد:
-
نشر صبيانكم وشذاذ آفاقكم الكفر والشذوذ والانحطاط..
اجترءوا على ذات الله العلية وسخروا من رسوله الكريم.. فلما أردنا مواجهتهم أوصدتم
فى وجهنا الأبواب.. اتهمتمونا بالجهل والانغلاق والتحجر والتأسلم.. كانت حجتكم
حرية التعبير.. أليست لنا فى حرية التعبير هذه نصيب؟!..هل من يهاجم الله والرسول
مستنير أما من يهاجم الحكام فهو كافر؟!..
تدفقت
الحمم من عينيه كالطوفان وهو يصرخ فى نفاد صبر متأفف :
-
ألم أقل لكم اقذفوا به إلى النار..
حاولت
الهرب منهم.. طفقت أجرى وأجرى و أجرى وأجرى حتى استيقظت من نومى ألهث ألهث ألهث
ألهث..
كنت
من الرعب فى رعب.. وخشيت أن يكون الأمر قد اختلط علىّ .. أن تكون الأحلام واقعا
والواقع كابوسا وأن تكون أوراق المخطوط قد ضاعت منى فعلا لا حلما عندما أخذها ذو
الحافر النارى المشقوق.. كيف أعتذر لا
للمرسل المجهول بل لأمة لا إله إلا الله محمد رسول الله .. أخبرنى المجهول
أنه لا توجد فى الدنيا نسخة أخرى من ذلك المخطوط.. قال لى أنه ظل عشرات الأعوام
يبحث لها عن مستودع أمين فلم يجد.. فكر ذات يوم أن يحفظها تحت قبة الصخرة فى
المسجد الأقصى.. لكنه أدرك أن القبة محاصرة.. وفكر فى يوم آخر أن يخفيها فى قمة
مئذنة الأزهر لكنه اكتشف أن الأزهر قد اخترقت رأسه..
حذرنى
من أن أخفيها حتى فى الكعبة.. فقواعد الأعداء هناك قريبة.. وما من أحد يعلم
مخططاتهم لغد.. تساءلت و أنا من الرعب فى رعب:
-
هل أضعتها بعد كل هذا؟..
هرعت
إلى المكان الذى أخفيتها فيه..
والحمد
لله وجدتها.. وها أنذا أعكف على الفور لأنسخ لكم ما جاء فى البروتوكول الثانى قبل
أن يعاود العسس كرتهم:
البروتوكول الثاني :
هناك نقطتان أريد أن أثيرهما فى بداية حديثى اليوم لكم..
إن البعض منكم ينظر إلىّ كلصّ سرق بروتوكولات حكماء صهيون ثم نسج
على منوالها..لا تسألونى كيف عرفت.. وليس يزعجنى اتهامكم.. لكن ما يزعجنى هو
جهلكم.. لقد ضربت لكم المثل فى المحاضرة الماضية بكلمة "الماء".. كنت
أقصد أن تفهموا المثل كمثل ينطبق على ما عداه.. لا أن تقتصروا عليه.. ما يزعجنى هو
استعمالكم لمعنى كلمة لص.. فالكلمات كما وضحت لكم لا معنى لها.. ونحن نعطيها
المعنى الذى نريده لها.. الكلمة كالحجر.. والأحجار التى بنت أفخر المنتجعات هى
نفسها الأحجار التى بنت أقسى المعتقلات.. الفارق هنا يكمن فى إرادة من بنى.. فى
تخطيطه ومشروعه.. كلمة اللص إذن فى مشروعنا لا تعنى من سرق حقا لآخر.. بل تعنى
الآخر.. نعم.. تعنى المسروق الذى يطالب بحقه دون أن يملك من القوة ما يغلبنا به
على أمرنا.. يجب أن تفهموا ما أقول و إلا ما كنتم جديرين بمناصبكم..
النقطة الثانية هى انزعاج بعضكم ودهشة البعض الآخر عندما وصفت
الغرب بأنه عدوكم.. فهل كنتم تظنونه صديقا؟!.. قولوا ما شئتم لرعيتكم لكن افهموا
الحقيقة المجردة وإلا هلكتم.. إننى مذهول كيف استطاع من يفكر بهذه الطريقة أن يستمر
فى سدة الحكم.. نعم .. الغرب عدوكم.. أخطر أعدائكم.. أم حسبتم أنكم ما دمتم قد
أفرطتم فى تقليده ولبستم لباسه وتحدثتم بلسانه انفصلتم بالكامل عن شعوبكم وأصبحتم منه..لا .. سوف يقابلونكم فى
الغرب مرحبين متهللين.. ولكنه ليس لقاء الصديق لصديقه.. بل لقاء الإنسان لقرد
يحاول أن يقلده فيلبس حلة ورباط عنق ويضع على عينيه عوينات ويدخن سيجارا ويشرب
كأسا من الخمر ويراقص النساء.. هل يمكن للقرد إذا ما فعل كل هذا و أكثر منه أن
يصبح إنسانا؟.. هكذا ينظر ولاة الأمر فى الغرب إليكم.. إنهم ينظرون إليكم كمجرد
قرود تقطف لهم الثمار من أماكن خطرة فيكفونهم شر المخاطرة بأنفسهم .. ولقد كانت
أدبياتهم وفلسفاتهم تتحدث عنكم عندما قالوا:
"سنختار من بين العامة رؤساء إداريين ممن لهم ميول العبيد، ولن يكونوا مدربين على فن الحكم، ولذلك سيكون من اليسير أن يمسخوا قطع شطرنج ضمن لعبتنا"..
يجب أن تفهموا هذه النقطة وإلا هلكتم.. هل تذكرون ما قاله القائد
الغربى عن زميله القائد العربى فى الحرب الأخيرة التى كنتم فيها حلفاءهم.. هل
وعيتم كمّ الازدراء والاحتقار الذى يواجهونكم بها.. قال القائد الغربى:
" كانت أكبر مشكلة واجهتنى أثناء الحرب هى أن أتخلص من الأسئلة
الساذجة الغبية لزميلى فى القيادة-
القائد العربى –.. والذى لم يكن
يعرف الفارق بين الواقى الذكرى ومدفع الكلاشينكوف.. وإن خبراته القتالية بالدبابات
والطائرات لا تتعدى خبرات الطفولة عندما كان يلعب بلعب تقلد الدبابات
والطائرات.."..
نعم إنهم فى الغرب ينظرون إليكم بمنتهى الاحتقار والازدراء.. ولو
أن أى واحد فيكم كان هناك وعمل ما يعمله هنا لتكفل قانون الجنايات العادى بسجنه
مدى حياته.. تذكروا دائما ذلك .. ولا تتخيلوا أبدا أن إيمانكم بأفكارهم ونظرياتهم
وفلسفاتهم سترفع من قدركم فى أعينهم.. قد يصفقون لكم أحيانا وقد يعجبون بكم إعجاب
مدرب القرد بما وصل إليه القرد من مهارة.. ولعلكم تتساءلون الآن عن جوهر علاقتهم
بكم.. عما يربطهم بكم ويربطهم بكم هذا الرباط المتين.. أنا أقول لكم.. ما يربطهم
بكم ويربطكم بهم هو عدو مشترك.. هو شعوبكم.. فكلاكما ينظر إلى هؤلاء الرعاع بخوف
ورعب.. لأن أولئك الدهماء هم بأنفسهم من هددوا حضارتهم ذات يوم وما زالوا يتوهمون
أنهم يملكون البديل الأفضل.. هذه الشعوب ما لم تسحق.. ما لم تروض.. ما لم تزور
إرادتها ويزيف وعيها لاستطاعت أن تنهض لتناوئ الغرب من جديد.. ولقد كانت تكاليف
هذا السحق على الغرب أكثر مما يطيق.. ثم أن عمليات السحق نفسها كانت تلهب مشاعر
الرعاع فيزداد بغضهم للغرب وتحفزهم له.. كانت عملية غير مضمونة يمكن أن يفلت
معيارها فى أى وقت ليحدث ما ليس فى الحسبان.. ثم أنهم كانوا قادرين دائما على قتل
الأجساد..لكن الأفكار استعصت عليهم.. إن قتل الأجساد لم يكن غاية.. على العكس..
فهذه الأجساد هى التى تمثل الأيدى العاملة الرخيصة كما تمثل أسواقهم التى يبيعون
فيها بضائعهم.. كان قتل الأجساد يروى حقدا قديما لكنه كان يزيد الأمور
سوءا..ووجدوا أنفسهم فى حلقة مفرغة.. كلما قتلوا الأجساد أكثر كلما ترسخت الأفكار
أكثر.. وهنا نبتت حاجة الغرب إلي وكلاء له يقومون عنه بما ينبغى أن يقوم به دون أن
يثيروا الحساسيات والمضاعفات التى يثيرها وجوده المباشر.. وهكذا صنعوا آباءكم و
أجدادكم و أسلافكم.. صنعوهم صنعا وليس هذا هو المجال الذى أقول لكم فيه كيف
صنعوهم.. ثم صنعوكم أنتم.. كانت صناعتكم – بحكم اشتراك الوراثة فى الصنع- أسهل.. كان
عملا عبقريا .. لأنكم.. بحكم أنكم من نفس هذه الشعوب قادرون على قتل الأجساد
والأفكار معا.. وبتكلفة أقل.. لذلك حملوكم على أعناق شعوبكم.. لكن لا تنسوا أبدا
أن بداية وجودكم كانت مرتبطة بهذا المنهج.. وأن استمراركم رهين به..
لشد ما أرثى لبعضكم.. الذين يتصورون أنهم بتسريع العملية
وبالمبالغة فى سحق شعوبهم ينالون حظوة الغرب أكثر.. إن الأمر ليس بهذه البساطة..
إنه معقد بدرجة لا يمكن أن يفهما إلا داهية.. سوف أحاول تبسيط المسألة لكم لأن
مستوى ذكائكم يتدهور بدرجة مقلقة.. سوف أحاول أن أبسط لكم الأمر.. هبوا أنكم
استأجرتم قاتلا ليقتل لكم عدوا لكم..ستجزلون له العطاء..لكن إن كان هذا العدو
صديقا للقاتل نفسه فلابد أن تجزلوا له العطاء أكثر لأن مهمة القاتل هنا ليست القتل
فقط بل وخيانة الصديق أيضا..فلنتقدم خطوة أخرى.. هبوا أن هذا العدو ليس صديقا
للقاتل فقط.. إنه أبوه و أمه.. أبناؤه وزوجته.. أشقاؤه وعشيرته.. أهله .. لو كان
الأمر كذلك فإن العطاء الجزيل وحده لا يكفى.. إذ لابد هنا من خداع القاتل.. من
غسيل مخه.. من التزلف إليه وإيهامه بأنكم أنتم أهله وعشيرته الأقربون.. لابد من
التزلف إليه والمبالغة فى التظاهر باحترامه.. عليكم أن تقوموا بكل ذلك رغم كل ما
يعتمل فى أنفسكم من ازدراء واحتقار .. وعليكم أن تواصلوه حتى ينجز مهمته.. وفى
اللحظة التى ينهى فيها القاتل الأجير مهمته.. فى اللحظة التى تنتهى حاجتكم إليه..
فليس ثمة قوة فى الدنيا بقادرة على منعكم من إظهار مشاعركم الحقيقية نحوه.. من
ازدرائه واحتقاره بل ومن محاولة التخلص منه.. لأنه من اللحظة التى ينهى مهمته فيها
سوف يكون عبئا ومصدر ابتزاز خطر.. وساعتها عليكم أن تدبروا المؤامرات والقلاقل ضده
حتى تنتهوا منه..
هل فهمتم الآن ما أقصد..
إنكم مكلفون بمهمة معينة.. فإن أتممتم إنجازها فلا حاجة بهم إليكم.. ولقد
كان عدم فهم هذه النقطة بالذات هو السبيل إلى المآسى الفاجعة التى انتهت بقتل
رؤساء وتشريد ملوك..
سوف نعود لهذه النقطة مرات ومرات.. لكن ما أحب أن أقوله الآن لكم..
أنهم لم يخفوا عنا كل ذلك.. ولقد قرأت عليكم منذ قليل اعترافهم بأنهم انتقوكم من
بين الرعاع والدهماء .. كانوا حريصين على أن تكون صفاتكم صفات عبيد.. إننى أرجو
ألا تؤلمكم هذه الصراحة.. ومرة أخرى فالكلمة ليس لها معنى إلا المعنى الذى نعطيه
لها.. ولكيلا يهولكم الأمر.. فإن الوجود البشرى كله ينبنى على وجود سيد وعبيده..
وحتى فى داخل الغرب نفسه فإن الأقوى يستعبد الأضعف.. صحيح أنهم ارتقوا هناك
بالمفهوم كى يمتعوا أنفسهم.. لم يكتفوا باستعبادهم لبعضهم.. فجعلوا من التكنولوجيا
عبدا من العبيد .. ثم أنهم نجحوا فى أن يحولوا العبودية نفسها إلى نوع من المتعة..
ونجحوا بعبقرية أن يتبادلوا الأدوار..فالعبد بالنهار سيد بالليل وسيد الليل عبد
بالنهار.. والحاكم هذا العام يصبح محكوما فى العام الذى يليه والمحكوم يصبح
حاكما.. ولقد حاولوا قدر ما يستطيعون التستر بالمؤسسات والشركات العملاقة كى لا
يكون السيد المتحكم فى عبيده ظاهرا كل الظهور.. ذلك كله صحيح.. وصحيح أيضا أنه
لولا اختيارهم لكم ما كنتم فى مناصبكم التى تتمتعون بها الآن.. وصحيح أن عصمتكم فى
أيديهم فمن شاءوا منعوه ومن شاءوا أطلقوه ومن شاءوا خلعوه ومن شاءوا قتلوه ومن
شاءوا عزلوه ومن شاءوا أطلقوا له الحبل على غاربه.. وذلك كله يعنى أن مفهومهم عنكم
كعبيد مفهوم صحيح.. لكن هذا هو المعنى الذى يستطيعون إعطاءه للكلمة.. أنتم
تستطيعون أن تعطوا الكلمة معنى آخر.. لكننى قبل أن أتطرق إلى هذا المعنى أدلف
لمفهوم كلمة العبيد عند رعاياكم.. نفس الشىء.. إن الوجود ينقسم عندهم إلى سيد
وعبد.. ورغم أن الكلمة تتكون من ذات الحروف فشتان ما بين المعنيين.. ذلك أن
مفهومهم أن الله هو السيد الواحد الأحد و أن جميع الخلائق بعد ذلك عبيد..هذا
المعنى الخطير يقتضى أن البشر كلهم عبيد.. وما داموا عبيدا فهم متساوون.. إنهم
يعترفون على أنفسهم بأنهم عبيد.. وأنتم أيضا من وجهة نظرهم عبيد.. ويرون حتى سادة
الغرب عبيدا.. الكل عندهم عبد والعبودية مطلقة وذلك يعنى تساوى الرؤوس جميعا وليس
لأحد أن يعتبر أنه أفضل من العبد الآخر إلا بمحض صفاته الشخصية.. هذه الفكرة هى ما
تزعج الغرب لأنها تهدد فلسفته وحضارته كلها بالفناء.. وهى تهددكم أيضا بذات
الفناء.. ولأن الغرب قد فشل فى قمع هذه الفكرة.. حيث نجحتم أنتم فإن ذلك يعطيكم
ميزة.. وهذه الميزة تجعلكم سادة وليس عبيدا.. على ألا تنسوا أبدا .. أن وجودكم
مرتبط بوجود شعوبكم.. ولو تصورنا كارثة طبيعية أهلكت شعبَ واحدٍ منكم فلم يبق من
الشعب إلا هو.. فإن الغرب ساعتها لن يواصل التظاهر بمعاملته كسيد بل سوف يتعامل
معه كلصّ ومجرم..
هل فهمتم ما قلت يا سادة..
تلك هى لعبتكم الكبرى.. وهى ليست لعبة حظ ولا متعة وإنما لعبة حياة
أو موت.. الغرب يتعامل معكم كسادة ولكنه يعتبركم عبيدا.. وأنتم تعاملون رعاياكم
كعبيد لكنكم تتظاهرون بسياستهم كسادة .. وما بين الاثنين.. الغرب ورعاياكم تقبع
فرصتكم.. وتذكروا دائما أن رعاياكم هؤلاء هم الفئة الوحيدة التى تعترف على أنفسها
بالعبودية.. إنهم لا يتنافسون معكم على سيادة ولا حتى نصف سيادة وإلا لأمكن
التفاهم معهم... برشوتهم.. أو باصطفاء الأقوياء منهم ليكونوا معكم سادة.. ليسوا
مثلكم.. وذلك مكمن خطرهم.. وصعوبة سياستهم .. إذ كيف تتمكنون من السيطرة على من لا
يعترف بكم سادة.. من لا يعرف له سيدا سوى الله.. لكن ذكاءكم سيكمن فى تقليدكم
للغرب.. اختاروا لهم وزراء ممن لهم ميول العبيد.. وشيخ أكبر ممن لهم ميول العبيد..
ومدع عام ممن لهم ميول العبيد.. وقضاة ممن لهم ميول العبيد.. ومحافظين ممن لهم
ميول العبيد.. ورؤساء جامعات ممن لهم ميول العبيد.. واجعلوا الوزراء يختارون وكلاء
ممن لهم ميول العبيد.. اختاروا أيضا رؤساء تحرير صحفكم ممن لهم ميول العبيد..
والمسئولين عن إعلامكم وثقافتكم وتعليمكم وصناعتكم وتجارتكم وزراعتكم وكل شئون
الحياة فى ممالككم وإماراتكم .. اجعلوا كل مرؤوس عبدا لرئيسه سيدا لمرءوسه.. لأنكم بذلك تجعلونه يتخلص من توتر قهر
رئيسه بقهر مرءوسه.. وليظل الصراع مستعرا بين طوائف أممكم .. صراع كصراع العبيد فى
روما القديمة.. حين كان العبدان يقتتلان حتى الموت.. يموت أحدهما فى المبارزة ..
فيتقدم جنود الرومان لقتل الآخر على الفور.. كان الفارق بين حياة القاتل والمقتول
دقيقة.. بين النصر والهزيمة دقيقة.. ولقد تجلت عبقرية الرومان فى أنهم لم يتركوا
للعبيد أى فرصة ليدركوا معنى هذه الدقيقة ومغزاها.. ولو أنهم أدركوها لاتحدوا
وقتلوا قاتليهم.. هذه العبقرية هى بالضبط ما أريدكم أن تتزودوا بقبس منها..عبقرية
الحكم.. لكن لا تنسوا أبدا أن أعداءكم الآخرين فى الغرب يمارسون نفس السياسة
العبقرية معكم.. لكن مهمتكم أصعب من مهمتهم.. إنهم يعاملونكم ورعاياكم بنفس
المنهج..أما أنتم فإن عليكم أن
تمارسوا الشىء وضده فى نفس الوقت.. أن تتعاملوا معهم بطريقة ثم تتعاملون مع
رعاياكم بطريقة مضادة على طول الخط..
إن الجهاز العصبى للكائن البشرى غير ممهد لفعل الشىء ونقيضه فى نفس الوقت..
والآن ..
دعونى أرفه عنكم..
سأقطع هذا الحديث القاسى المتجهم.. سأرفه عنكم بلعبة طريفة..
فليضع كل واحد منكم
يديه على صدره.. اقبضوا أصابعكم..
ودعوا السبابة وحدها منتصبة.. والآن هيا .. لنبدأ اللعبة.. اجعل السبابة
اليمنى تتحرك على النصف الأيمن من صدرك صعودا وهبوطا..هيا .. بسرعة.. والآن.. دون
أن تتوقف سبابتك اليمنى .. اجعل سبابتك اليسرى ترسم دائرة على نصف صدرك الأيسر..
هيا .. بسرعة.. اجعلوا الدائرة منتظمة.. لا توقفوا السبابة اليمنى عن حركتها
الرأسية.. السبابتان معا .. فى نفس الوقت والحركة المختلفة..
والآن .. انتهت اللعبة.. أطلقوا أيديكم كما شئتم..
هل أدركتم صعوبة – وربما استحالة- تلك اللعبة؟.. أن يتحرك نصفك
الأيمن عكس حركة نصفك الأيسر..
هذا بالضبط ما يحدث لكم فى الحكم.. وعليكم أن تكتسبوا تلك المهارة
الصعبة.. فباكتسابها تستطيعون قلب المعادلة كيفما شئتم.. تستطيعون مواجهة عدوكم
ليس بأنفسكم و إنما بعدوكم الآخر..
من أصغر مستوى إلى أكبر مستوى.. من خلافات بين قريتين ومرورا
بالصراعات المصنوعة بين الأحزاب والهيئات والمؤسسات والدول ووصولا حتى الحرب
العالمية.. وبهذه الطريقة تنتصرون وتبقون ويبيد أعداؤكم فى الداخل والخارج..
يستهلك كل منهما قواه ويفرغ توتره مع الآخر.. لتبقى الساحة بعد ذلك خالية من
التوتر.. فتحكمون كما تشاءون..
***
البروتوكول الثالث: الجمعة القادمة إن شاء الله..
بريد القراء
الدكتور
محمد عباس
يا
من أجد فيه نعم الأب ونعم الروح لنا جميعا….
….
أريد أن أصف لك هذا المدخل
الرهيب للبوابة الرئيسية لدخول الطلاب إلى الحرم الجامعى .. فهذا الممر يشبه نقطة
للتفتيش، أو ممرا فى شارع فلسطينى يتحكم فيه اليهود لإذلال مسلمى فلسطين.. فكم من
الوقائع العجيبة السخيفة تحدث عند
دخولنا منه، فأقربها إلىّ و أثقلها على قلبى ما أورده لك فى الآتى:
"
لى صديق أطلق لحيته قريبا، لا يمشى إلا وفى يده أو جيبه مصحف للقرآن الكريم، وفى
إحدى المرات، ونحن نهم بدخول الكلية، أخرج كل منا الكارنيه كى يأخذه حارس الأمن
الأول ثم يناوله للثانى ليقرأه ثم للثالث كى يقارن الصورة بصاحبها، نعم يا سيدى،
ثلاثة من حراس الأمن، ورابعهم أكبرهم منصبا، فإذا شك مجرد شك فى طالب استوقفه
ليفحصه ويدقق فى ملامحه، و ألقى العديد من الأسئلة عليه..
فى
ذلك اليوم الذى أحكى لك عنه يا أبى إذ بإحدى الزميلات المحجبات حجابا شرعيا تدخل،
كانت بنهاية ممر التفتيش ونحن بأوله، وإذا بالحارس الثالث يشير إليها ويصرخ فيها
بلهجة وحشية، بعد أن جذب منها بطاقتها: "إيه يضمن لى إنك إنتى إللى فى الصورة
دى"..وكنا لحظتها قد اقتربنا منها تماما، وانفعل صديقى تماما لكنه لم ينطق
إلا بكلمتين: " حرام عليكم".. فنظروا جميعا إليه نظرة غريبة، وكأنهم
يقولون لبعضهم البعض: " هوا منهم" يعنى من التيار الإسلامى، وبالتأكيد
راقبوه فى جميع تصرفاته، وبعدها بأسبوع فوجئت بلافتة مكتوب فيها اسم ثمانية طلاب وحرمانهم وعدم السماح لهم
بدخول الكلية إلا بهد التحقيق معهم فى مقر رئاسة الجامعة، وكان اسمه منهم..
ماذا
لو كنت مكانهم يا أبى .. ماذا لو سمعت من قائد الحرس وقبله الحرس الأربعة على ممر
التفتيش لمدخل الحرم الجامعى.. ماذا لو سمعت ورأيت ما سمعه ورآه زملائى الثمانية
وهو يوجه السباب إلى زميلتنا المحجبة، كلمات لا تقال إلا لإذلال شعب أرضه مغتصبة،
كلمات أستحى والله أن أكتبها، كلمات لا تقال أبدا للخليعات والماجنين الذين تدللهم
الجامعة والحرس أيما تدليل.. كلمات لا تقال إلا لخيرة الطلاب.. و أنا أقول لك يا
أبى أننى لست منهم .. و إن كنت أعرف الآن أنهم على الحق .. لقد كنت معهم.. ولكننى
لم أفصل مثلهم.. فهل تعرف لماذا؟.. لأننى ألبس البنطلون الجينز الأمريكى
الكلاسيك.. و أرتدى قميصا يشبه زى النساء فى ألوانه.. و أقوم بتشميره حتى أعلى
ذراعى..وفى قدمى حذاء يزن أكثر من ثلاثة كيلوجرامات..ويعلو عن الأرض بصورة واضحة..
أبى
: محمد:
من
يومها و أنا أعيش بلا وعى يذكر، ولا هدف منشود، ولا غاية مرجوة، و كأنى أسير بلا
هوية عبر حلقة دائرية مفتوحة لا تنغلق عبر دنيانا الواسعة، وكأن قدمى قد تاهت عن
خطاها، وكأن عقلى به تلافيف من ظلام، تعثرت خطاى .. وأظلم طريقى.. وتلاشت أفكارى..وصمدت فى مكانى أتساءل:
-
ما سبب ذلك وما علاجه؟..
فهل
من جواب؟!!..
ابنك الذى يستأذنك أن يكون ابنك..
ابنك
الحائر فى دنيا الظلمة..
ابنك
البار ا.م.م.
الطالب
للعلم فى مكان لا يبشر بأى علم.
*****
مزقت
قلبى يا بنى..
أشهد
أمام الله أن جيلنا الذى يخطو الآن حثيثا نحو الموت لم يشهد أبدا من أجهزة الأمن
ما شهدتموه ولم يعان منها ما تعانونه.. على العكس.. لشد ما كان يملؤنا الزهو ونحن
نشعر بنوع ما من الحصانة إزاء ما كان يسمى أيامها بالحرس الجامعى.. كانت مهمة
الحرس الظاهرة حراسة المبانى والأمن.. دعنا الآن من مهام باطنية كنا نحسها ولا
نراها.. لم يكن تمزيق مجلات الحائط ومعاملة الطلاب كالعبيد قد بدأ بعد.. على
العكس.. كان يبدو أن قوة صارمة أصدرت أوامر حازمة بعدم الاحتكاك بالطلاب.. وكان
بعضنا يعاملهم بخشونة فلا يردون .. قد لا تصدق يا بنى إزاء الطوفان الهائل من
الأكاذيب وتضليل الوعى ما أرويه لك.. لكنك تعلم على الأقل أن جيلنا استطاع إرغام
رئيس الجمهورية على إلغاء حكم محكمة وإعادة قضية المسئولين عن النكسة للمحكمة من
جديد.. كان الطلاب يستطيعون التحدى والتظاهر.. وفرض إرادة الأمة..
وليس
هذا دفاعا عن عهد.. لأن الإجرام فى معاملة الناس ومنهم الطلبة كان يحدث ، لكنه كان
يحدث خارج أسوار الجامعة.. لم يكن يحدث بالشيوع الذى يحدث الآن .. ثم أنه كان حين
يحدث يحدث لقطاعات معينة – وليس هذا تقليلا
من شأنه فمن قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا- لكنه بالتأكيد لم يصل إلى ما
يحدث الآن من إذلال جماعى .. لا هدف له إلا الإذلال.. لكيلا يخرج من جيلكم من يرفض
تزويرا أو يعترض على فساد .. أو ينطق كلمة حق.. أو يهتم بمصير أمة.. نعم.. كان
البطش الذى عانيناه بطشا منظما يهدف إلى زرع اقتناع معين ونزع اقتناع آخر .. بطش
يدفع إلى الإيمان بشىء( بغض النظر عن الصواب والخطأ) والكفر بشىء آخر.. أما البطش
الذى تعانونه فهو بطش عشوائى.. بطش
يهدف إلى دفعكم للكفر بكل شئ.. وألا يكون لكم إيمان بأى شئ..
ما
يحدث الآن إخصاء للأمة..
ترى
.. متى نشبت آخر مظاهرة لكم؟!.. تحت حكم الإنجليز كانت مظاهرات الطلبة تسقط
الحكومات.. وفى حقب الثورة الأولى كانت المظاهرات تغير السياسات.. الآن لا تكتفى
يا قلوبنا بالحزن بل انفطرى .. الآن
أسألك وأسأل نفسى: هل نجح جهاز الأمن الباطش الجبار فى قتل روح الأمة؟!..
أحد
أساتذتك يا بنى تمنى على الدولة ذات
يوم أن تلغى وظيفة العميد ليمارس العمادة عميد الشرطة الذى يحرك العميد من خلف
ستار وأن تلغى وظيفة رئيس الجامعة لكى يمارس سيادة اللواء سلطاته مباشرة.. فقد كان
ذلك سيعنى أن الجامعة مجبورة إزاء قوة غاصبة على ما يحدث دون أن يجللها عار
المشاركة فيه أو السكوت عنه..
إن
ممارسة بعض أفراد جهاز الأمن السياسى سيحمل – ربما ظلما – جهاز الشرطة كله
بعواقب فى المستقبل لا يعلمها إلا الله.. ولست أدرى أين الحكماء فيه.. أليس فيهم
رشيد ينبئهم بنبأ من كانوا قبلهم.. عندما لم تغفر الأمة لجهاز مخابراتها العظيم
انحرافات بعض أعضائه فدفعت بقياداته إلى السجون.. ولا للإقطاعيين فأذلتهم كما
أذلوا الناس..
هل
تعرف يا بنى ما حدث لجهاز " السافاك " فى إيران بعد الثورة..؟..
و… و… و…
يعز
علىّ والله يا بنى أن تستغيث فلا تُغاث..
ولو
أننى كنت من رؤساء صحفنا القومية لجعلت من رسالتك مانشيت الصحيفة الرئيسى.. ولو
أننى كنت من كتاب الأعمدة بها لما كففت عن الكتابة عنك حتى يرتفع الظلم عنك وعن
زملائك..لكن معظمهم يا بنى يخشى البطش أكثر مما تخشاه – فأنت تملك شرف
الاعتراض الذى فقدوه- فراحوا يقدمون القرابين للجهاز الباطش الجبار.. قرابين حية
من ضمائرهم وشرفهم ونخوتهم..
لن
أخدعك يا بنى.. ولن أناشد وزيرك للتدخل .. فهو أعجز من ذلك.. وربما لا يقل رعبه من
جهاز الأمن عن رعب عميدك ورعب رئيس جامعتك..
يعز
علىّ يا بنى أن تستنجد بى فلا أنجدك.. ولا أملك إلا أن أقول لك ما قاله سيدنا
ومولانا وحبيبنا الإمام الحسين إذ حاصره وآل بيته جهاز مباحث أمن الخلافة.. قتلوا
ابن أخيه بين يديه وهو يستغيث به فلا يملك إلا أن يهتف :
-
عز والله يا بنى على عمك أن تناديه فلا يجيبك فى يوم قل
ناصره وكثر واتره.. عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أئمتنا وولاة أمورنا..
ثم
يواصل:
-
صبرا على لأوائك.. لا إله سواك..