نِــــدَاء الأسيَـادْ
بقلــم : محمــود شنب
منذ فجر التاريخ والحق
والباطل يتصارعان ، وتقف القوه بينهما على الحياد ـ تؤيد من يطلبها ويسعى إليها ،
وهي جاهزه ـ دون نفاق ـ للظالم والمظلوم ، والقوه إن وجدت التقاعس والتكاسل
والخمول في طرف تركته حتى ولو كان الحق وسارت في الاتجاه المعاكس الذي اجتهد
لبلوغها ـ حتى ولو كان الباطل .
إن القوه آداة محايده تـنصف
من ينصفها وتعطي من يطلبها وفي لقاء هام أجرته معها "الأحداث" سألتها
الأيام عن مدى إرتباطها بالحق ... قالت القوه : أنا لا أنكر ميلي للحق وحبي له
لأنه عدل وانصاف .. لكنني أغار عليه بانشغاله عني وإن لم يأتي ويطلبني فلن أذهب
إليه ، إن سعي الحق نحوي واجتهاده في إمتلاكي هو "المهر" الذي أطلبه ـ
وأنا أعلم أنني لست جميله وأن اللهو أيسر مني ولا يحتاج مهر ـ لكن عواقبه وخيمه ،
وأعلم أيضاً أن هناك من يحول بيني وبين الحق ويمنعه من إمتلاكي ـ لكن السبل والحيل
كثيره ومتنوعه ولا تخفى على أحد!!!
سألتها "الأيام" :
ولكن هل يمكنك العمل مع الباطل ضد الحق ؟؟ قالت القوه: أنا مع من يملكني ، والحق والباطل بالنسبه
لي سواء ، إنني جوهره ـ يعرف قيمتها الرجال خصوصاً عند الشده ، ورغم كوني غير جميله
وجامده وغير مغريه إلا أن الجميع يطلبني ويريد أن يحتفظ بي لنفسه دون غيره ، والحق
في هذه الأيام أكاد لا أشعر به رغم وجوده في كل مكان لكنه مشغولاً فيما لا يفيد ..
ويكفي أنه يراني في يد عدوه ولا يثير ذلك حفيظته ولا يحرك نخوته ـ لقد أدرك حبي له
فتعالى علي وتكبر ، ولذلك أراه الآن يدفع الثمن ـ دماء وأشلاء وبلاء وللأسف بيدي
التي إمتلكها الباطل بعرقه وفكره وكفاحه ، ولا أنكر أنني أتألم كثيراً كلما رأيت
ما حل بالحق وأهله ـ من أشلاء متناثره وبيوت خائره ومعوقين وبؤساء ومشردين وأرامل
وأيتام ، وكلهم من رعايا الحق ، ولكن ليس الذنب ذنبي ، إنه ذنب من تولى أمرهم
وأضلهم بالرقص والطرب واللهو والأماني الكاذبه .... قالت "الأيام" : هل
نفهم من ذلك أنكي تخليتي عن الحق للأبد وستبقي العمر مع الباطل ؟؟!! قالت القوه : أنا الآن مغتصبه
وأعيش في غير موضعي الطبيعي ... لقد عشت أجمل سنوات عمري مع الحق ـ أيام كان يعرف
قيمتي ـ حتى سُدنا العالم وانتشر العدل مع الفتح الاسلامي وامتلك المسلمون مشارق
الأرض ومغاربها يومها شعرت أنني وُظفت في مكاني ، وكانت هناك خلافة للمسلمين تهتم
بي وتقدرني وعندما انفرط عقد الخلافه تآكلت الأطراف وتقطعت الأوصال فوضعت يدي على
قلبي وأنا أرى كل مَلك ينفرد بمملكته وأرى عودة اللهو والخمور وبناء القصور ـ فما
كان مني إلا أن أنسحب في هدوء وعندها تلقفتـني أيادي الباطل وجففت دمعي وأزاحت
الغبار عن وجهي وصانتني وطورتـني وبدأت بي الغزو الصليبي الذي لم يتوقف حتى اليوم
، ومن يوم أن بدأ النزال وبكيت في نفسي على الملك الذي زال وقُـلت : كم تركوا من
جنات وعيون وتـمنيت أن يعود الحق لي ولكن هيهات ـ إنه غارق في الملذات ولا أدري
متى يفوق ؟
.... شدني حديث القوه للأيام
وعلمت منه أن الحق من غير القوه يشبه الأرض البور التي لا تجد من يفلحها والتي لن
تـنبت إلا الشوك والحسره ، وعلمت أيضاً أن الحق "مشروع" يحتاج إلى قوه
تموله وتفرضه وتحققه ، والحق يسقط من يد الضعيف سقوط الدمع من عين اليتيم ، والحق
العربي اليوم أراه قابعاً وسط الخدم والعبيد والكسالى والمرضى وقد انفض الناس من
حوله تاركين الساحه للباطل والجور بعدما اهتزت الفرائض وخارت العزائم وخفض الناس
رؤوس الكرامه ورفعوا رايات التسليم والطاعه وركنوا لخدمة الأسياد ولعق الأطباق
الفارغه .
إن الحق في يد الضعيف اضحوكه
ومهزله يتسامر الظالمون من حوله في تسليه ، ويُداس على أصحابه بالأحذيه ، والحق لا
تظهره الدموع بقدر ما يظهره العرق ولا يلزمه الدعاء بقدر ما يلزمه العمل ـ إنه نور
يخبو إذا افتقد القوه التي تظهره ، وفارس يحبو إن لم يجد القوه التي تحرره .
والحق سِر من أسرار الله
يتناقل في صمت من جيل إلى جيل ومن صدر إلى صدر إلى أن يجد ضالته ويفرض إرادته ،
وتلك قضية فلسطين ماثله أمام أعيننا حيث لا يشعر بها العالم إلا أيام الانتفاضه
والمقاومه ونراها الآن وقد جمعت الحق والقوه تتحدى العالم شرقه وغربه والكل يعمل
على وئد الانتفاضه وايقافها بشتى الطرق ولكن هيهات هيهات فمن ذا الذي يستطيع أن
يقهر حق تسانده القوه .
والحقوق العربيه قابعة منذ
فتره طويله في حجرة عملاء الغرب ممن نسميهم رؤساء وملوك الشرق ـ في حجرة تشبه حجرة
الخدم ، المناوره فيها محدوده والحركه فيها معدوده والصوت فيها خافتاً يكاد لا
يُسمع بينما السمع مرهفاً على الدوام في انتظار ( نــداء الأسيـاد ) والألفاظ في
هذه الحجره قليله ومكرره ولا تخرج عن : حاضر ـ نعم ـ تحت أمرك ، والخدم فيها باقون
حتى لو تغير الأسياد فالخادم لا يملك من أمره شئ ، ويعلم أنه ضمن التحف
والمقـتـنيات التي تنتقل من سيد إلى سيد ومن كارتر إلى بوش ومن بريطانيا العظمى
إلى الدُب الروسي ومن أمريكا المنحله إلى إسرائيل المحتله .. ويبقى الخادم على ما
هو عليه ـ يُعلم رعيته فن الخدمه وأصول الطاعه وعاقبة التمرد وكل أمانيه أن تدوم
عليه نعمة الذل ، ورفاهية الخدمه ، ومع كل طلعة شمس ينظر الحق العربي من حجرة
الخدم المظلمه ويمد بصره بعيداً ولأبعد مدى باحثاً عن الفارس القوي الذي يهدم
الحجره على من فيها ويبعث النهضه وينشر الأمل ـ فلا يجد غير "سـوط" معلق
على الجدران ولجام فرس يذكره بعدم الكلام ، وكلما اقترب الحق من أبناء الخادم
ورعيته ليغريهم بالتحرر ويمنيهم بالتملك ويحببهم في الشجاعه ويرغبهم في الإقدام لا
يجد منهم إلا نظرة من لايفهم عواقب جهله ، وكأنهم جبلات انطبعت ميولهم نحو العماله
وشب سلوكهم على الطاعه فأصبحوا كالحيوانات الأليفه التي فقدت المخالب والأنياب
وتعيش على لبن الخدمه وبقايا الساده .
إن الحق يتجلى عندما تكون
القوه معه ، ويرتفع عندما تسحب السيوف من أغمادها عندها يقف الحق أمام العالم كله
ويعلن عن وجوده وشروطه .
أذكر يوم وقف الدكتور محمد
حسن الزيات في الأمم المتحده ليلقي كلمة مصـر بعد العبور بيومان ( يوم 8 أكتوبر
1973م ) وقف وهو منتشياً بالنصر العظيم ـ لا يستجدي عطفاً ولا يطلب مساعده بل يفرض
إراده ويعلن تحدي ويقول في شموخ وعظمه : ( إن مجلس الأمن قرر يوم كذا ضرورة إنسحاب
اسرائيل إلى خطوط 5 يونيو1967 وضرورة التمسك بحقوق شعب فلسطين ، والأمم المتحده في
الجمعيه العامه قررت ذلك كثيراً ـ مصـر وسوريا قامتا بتنفيذ الاجلاء نيابة عن
العالم ، وبالنيابه عن الحق والقانون وليس هناك انكار لذلك لأن الحرب مفروضه علينا
منذ عام 1967 وقراركم بأن نتخلص من هذا الاحتلال بقي دون تنفيذ واليوم كنا نحن
القوه المنفذه لهذا القرار ) إنتهت الكلمه ودوى التصفيق العالي والعالمي للحق الذي
تحدث وتـنفس وفرض نفسه بالقوه وظل التصفيق مستمراً ولمده أطول من المده التي
استغرقتها الكلمه ، وقد سجل التاريخ أن كلمة الدكتور الزيات كانت أقصر كلمه في
تاريخ الأمم المتحده ، وهذا يثبت أن الحق عندما يكون قوياً لا يحتاج لكثير من
الكلام .
إن الدول القويه تجعل
مندوبيها أقوياء ، والدول المنكسره والمستضعفه تجعل من يتحدث باسمها منكسراً وغير
ذا قيمه ـ حتى في العهد الملكي كان موقف مصـر أقوى وأوضح مما نحن عليه الآن بكثير
، ولقد وقف الدكتور محمود فوزي مندوب مصـر الدائم في الأمم المتحده ليلقي بياناً
في مجلس الأمن يوضح فيه أسباب إصدار الأمر الملكي للقوات المصريه في العريش بدخول
فلسطين بعد انتهاء الانتداب البريطاني في 15 مايو 1948 بغرض إعادة الأمن والنظام
وايقاف مذابح العصابات الصهيونيه ضد السكان العرب وقال في بيانه : ( أحب أن أُذكر
المجلس أن بيتاً قريباً منا يحترق وأن النار تمتد بسرعه إلينا ، وأن لمصر الحق في
إخمادها بل الواجب يُحتم عليها ذلك ) واليوم تزداد النار اشتعالاً وتتجاوز إسرائيل
كل الخطوط بجميع ألوانها وتقتل وتحاصر وتدمر وتعتـقل وتستخدم كل أنواع الأسلحه
الحربيه ضد شعب أعزل لا يملك إلا الحجاره وتفجير نفسه ، ونحن نقف نتفرج وكأن الأمر
لا يعنينا وقد عدنا من جديد للسكن في حجرة الخدام ، وانزوى الحق بعيداً وسط الخدم
والعبيد .
من هنا ندرك أهمية الاعداد
والاستعداد وترتيب الأولويات ، ولم يحدث في دوله من دول الغرب المتقدم أن وضعت
اللهو والترف في منزلة تسبق العمل والانتاج وبناء قوه عسكريه تحمي قوتها
الاقتصاديه ، لكننا هنا نضعف الحق بالترف ونبدد الجهد في اللهو ونبني مدن الصفوه
والانتاج الاعلامي وهليود الشرق والنايل سات بينما إسرائيل تعمل ليل نهار في بناء
ترسنتها الذريه واطلاق أقمار التجسس والعملاء في المنطقه العربيه ـ فكيف لا تتفرعن
علينا وتفرض ارادتها وسيادتها على كل من في المنطقه العربيه .
إننا في حاجه لقدر من التعقل
واحترام الذات .... في حاجه إلى الأخذ بأسباب القوه وبناء الشخصيه المصريه
المتميزه وقيادة تكتل عربي قوياً عسكرياً واقتصادياً يفرض ارادتنا ويرفع هامتنا .
ولدينا شعب يستطيع والحمد
لله أن يصبر على كل شئ دون تعب أو ملل فقد تمرس على الجوع والشقاء وحياة الطوابير
ويتمنى أن يوظف صبره فيما يعود عليه وعلى بلاده بالنفع والخير ولا يقبل أن يكون
مقابل صبره ما يراه من ضعف وهوان في سياستنا الخارجيه وطوارئ وسجون في أحوالنا
الداخليه وانقسام خطير في المستوى الاجتماعي فنجد أسره تحظى بسيارات بعدد أفرادها
، وأسره لا تجد الخبز بعدد أفرادها !!! ونجد البطاله مركزه في فئه دون فئه ،
والوظائف محجوزه لأبناء الصفوه من قبل التخرج ، ونرى المرضى من أبناء الشعب في
حيره وهوان بينما لاعبوا كرة القدم والممثلات وأهل الطرب والمغنى والسياسه
يُعالجون في الخارج على نفقة الدوله وهم الأكثر ثراءً ودخلاً وتبذيراً واسرافاً ،
ونجد السياسه العامه للدوله مبهمه وغير واضحه ، فما يراه الشعب غير ما تعلنه
الحكومه ، وما تريده الحكومه يكون دائماً عكس ما يريده الشعب ، وتولية الأراذل
علينا ولمدد طويله أفسد كل أمل في التغيير والاصلاح .
نطالب بقدر معقول من الحكمه
والعمل باخلاص لتفادي كل ما ينتظرنا على يد الغرب الظالم من مخاطر وأهوال ..... إن
مصـر مستهدفه يا ساده ، ويكفي قول الدكتور مصطفى محمود ( يا ساده إننا نعيش في وكر
ثعابين ، ولقد آن الآوان لنفيق ونتعامل بالمثل مع هؤلاء الناس وأن الدور علينا في
المره القادمه لندخل المفرمه التي أدخلوا فيها البوسنه ) .
علينا أن نطوي صفحات العار
وكل ما تحتويه من اهانه متمثله في رؤساء تحرير ووزراء تضليل ونواب زور وقوانين
سيئة السُمعه واعادة النظر في كل سياسات الدوله وعدم اعتماد الظلم منهاجاً
ودستوراً .... حيث أصبح هناك معتقل من كل أسره ، بل وصل الأمر للدرجة التي أصبحت
فيها استمارات الاقرار الضريبي التي تملئ من قبل موظفي الدوله ... تشمل سؤال عن
حالة الزوج وقت تقديم الاقرار هل هو معتقل أم لا ؟!!! ان هذا مشين ومهين ... ويا ليت المعتقل كان عاله
على المجتمع ( شاذاً كان أو مرتشياً أو لصاً أو مدمناً ) لكنهم وفي مجملهم صفوة
المجتمع وخير شبابه .. أنسينا أن لهم أهل .. وأمهات وزوجات وأبناء .... أنسينا
أنهم السند الحقيقي في كل معاركنا القادمه وان الواحد منهم بامكانه أن يصلح دوله
إن لم يصلح حياً أوبلده !!
أنسينا ونحن نحبسهم أننا نحبس الخير ونخرس الصدق !!! أنسينا أنهم حفظة القرآن
وجنود الرحمن ؟؟؟
ظلمناهم ولم يدافع عنهم عضو
من أعضاء مجلس يسمى بمجلس الشعب ولم ينصفهم حاكم يحكم باسم الشعب ... والمجتمع هو
الخاسر حيث افتقد الأمن في غيابهم والعدل في ظلمهم وضاع الأبناء من بعدهم حيث لم
يجدوا القدوه والمثل .
كل هذا مرتبط بما نقول حيث
تنقصنا عناصر القوه التي تستجلي الحق وتنفض ما عليه من غبار وهوان وتقطع دابر
الخدام وتكتم "نداء الأسياد" .
إننا ونحن نطالب بدوله قويه
إنما نطالب بما يتماشى ولغة العصر ... نطالب بما يحفظنا إذا ما غضب علينا الغرب
الذي كان في يوماً سنداً للعراق وأفغانستان فانقلب عليهم وجعلهم ركام .
وليعلم الجميع أن دفاعنا عن
فلسطين هو في الأساس دفاعاً عن حدودنا ووجودنا ، وأن أخطر ما نفعله أن نتقوقع في
أنفسنا بعيداً عن هموم المنطقه ونعيش على الحياد ما بين يهود ظلمه ومسلمين مستضعفين
، ونعلن أننا نساند الطرفين دون انحياز أو تميـيز ـ إنه الجنون في ثوب التعقل ،
والخبل الذي يدعي الحكمه ، والنهايه التي تتقارب معالمها .